في إسرائيل يحاكمون الفاسد.. وفي بلاد العرب يحاكمهم

 

 

د. فايز أبو شمالة

لا يحجب العداء القائم بين الشعوب العربية والإسرائيليين حقيقة احترام الإسرائيليين لأنفسهم، وعدم تقديسهم للقائد، فجميع القادة في إسرائيل من صناعة المجتمع، وجميعهم تحت طائلة القانون، وهذا ما تفتقر له الشعوب العربية التي لا تجرؤ على انتقاد الرئيس وابن الرئيس وزوجة الرئيس، طالما كان قابضاً على عصا السلطان، ليبدأ النهش والتقطيع بجثته بعد انتزاعه عن الكرسي، وكسر عصاه الاستبدادية.

أعداؤنا الإسرائيليون يحاكون قادتهم وهم في قمة مجدهم، وفي عز سلطانهم، وهذا هو الفرق بين الحياة والموت، وبين الحضور والغياب، وبين التطور والتخلف، وبين القوة والضعف، وبين الديمقراطية والدكتاتورية، وبين الولاء والجفاء، فقد حاكم الإسرائيليون رئيس الوزراء السابق أهود أولمرت بعد أن أقالوه من منصبه، وحاكم أعداؤنا رئيس الدولة موشي كتساف، وأدخلوه السجن، وحاكم أعداؤنا الوزراء وهم في قمة نفوذهم، ومنهم الوزير أريه درعي، واليوم يوجهون التهمة لملك إسرائيل، رئيس الوزراء نتانياهو، ويسلمونه إلى القانون.

قد يقول البعض: نحن الشعوب العربية نتمتع بحكام أتقياء أنقياء، لا غبار يلطخ ثيابهم الطاهرة، بينما الفساد مستشرٍ في المجتمع الإسرائيلي، إنهم أمة فاسدة بطبعها، والخيانة في دمهم، ولكن الصحيح أن هؤلاء الفاسدين والمفسدين في الأرض يرفضون الفساد فيما بينهم، ويرفضون تقديس فاسد منهم مهما كان، في الوقت الذي يحظر على العربي أن يرفع صوته في وجه الحاكم الفاسد، ولا يجرؤ عربي على المساس بكريمة أو حفيدة أو صديقة أو ابن الحاكم الذي جعل لنفسه وذريته قداسة تفوق قداسة عجل بني إسرائيل.

لقد شهدت البلاد العربية في السنوات الأخيرة ثورات غضب ضد الفساد، ولكننا لم نشهد مظاهرة صغيرة ضد الفساد في إسرائيل،  والسبب يرجع إلى القانون الذي يحاكم رئيس الوزراء وهو في قمة مجده، ويتجاهل إنجازاته الاقتصادية والأمنية والسياسة والدولية، ورغم عظمة الإنجاز من وجهة نظرهم، إلا أن ذلك لا يعطيه حصانة، ولا يجعل له مكانه فوق القانون، ليكون التقدير على الإنجاز بمقدار الزج به إلى المحاكمة على الأخطاء,

اكتشاف رؤساء الوزراء الفاسدين في إسرائيل لا ينقص من قدر المجتمع الذي يحارب الفساد، بينما تستر القانون على الفاسدين في بلاد العرب جعل منهم مطية لكل معتدٍ، وجعل الشعوب العربية غير فخورة، وغير منتمية لوطن يقوده أصحاب العاهات السياسية المستديمة، وصار التخلف عنواناً للحياة السياسية.

نتانياهو يصارع أمام القضاء تارة، ويصارع أمام أحزاب المعارضة تارة أخرى، ويصارع دفاعاً عن مكانته أمام حزبه الذي سيتخلى عنه، وسيتخلى عنه حلفاؤه في أحزاب اليمين، ولم يبق لرئيس الوزراء إلا ما قدمت يداه، ودون ذلك فلا العائلة ولا القبيلة ولا التنظيم ولا المكانة الوظيفية تشفع لمتهم في إسرائيل، إنهم ينظفون أنفسهم بأيديهم، بينما نحن العرب نلوث حياتنا السياسية والاقتصادية والإدارية بأيدينا وأيدي الطامعين بمواردنا وخيراتنا المنهوبة.

ملحوظة: لا صحة لما يدعيه البعض: أن نتانياهو سيهرب من تهم الفساد إلى حرب ضد غزة أو لبنان أو إيران، فقرار الحرب في إسرائيل ليس في يد رئيس الوزراء وحده، هنالك مؤسسة أمنية وعسكرية تلجم نتانياهو، وهم أصحاب القرار.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. في اسرائيل يعتبر كل مايقدمه الفرد أو الزعيم أو القائد.
    للدولة هو واجب عليه لا يشكر عليه .لان ماتقدمه الدولة له يفوق ما قدمه لها .لذلك لا يوجد لأحدهم حصانة أمام القانون .فالقيادة لا تعطي الحصانه الفاسد ولا تسمح له باستغلال المنصب .لان النسب لم يأتيه وراثة عن أبيه بل هو تطوع لأشغال المنصب .فلا عجب اذا ماتم محاسبته على أية هفوة مهما صغرت فالخطأ يستوجب العقاب الصارم .
    ولأنهم شعب ديمقراطي فهم لا يتقبلون الخطأ ممن تطوع للقيادة .فلهم الحق في محاسبته .

  2. إسرائيل، و رغم عَدائنا التقليديّ لها ، فهي تُمارس الديمقراطية حقَّ الممارسة ، انتخابات حقيقية نزيهة و شفافة لا جدال في مِصداقيتِها ، برلمان و حكومة و قضاء مُستقلّ عن جميع السلطات الأخرى، حقوق مضمونة ، عدالة اجتماعية يتمتع من خلالها الشعب بجميع حقوقه المشروعة ، و من قصَّرَ في أداء واجبه أو اختلس أموال الشعب فمآله المحاسبة و المحاكمة و لا فرق بين أفراد الشعب الإسرائيلي في ذلك فلا يُغني عنه منصبُه و لا ثراؤه شيئاً ، و النموذج : محاكمة أولمرت و حبسه و اتهام نتانياهو الذي ينتظره السجن في حالة ثبوت التهمة عليه . أما في الأنظمة العربية فلا أحد من المنضوين تحت لواء ( الشرذمة الحاكمة ) يُحاسب أو يراقب أو يُحاكَم ، كُلْ و لا حرج أنت من ( أهل الحلّ و العقد ) فمال الشعب مالُك و أنت مُحصَّنٌ مِنْ طَرَفِ أسرتِكَ الحاكمة و المُتَحكِّمة …

  3. يفهم “الحاكم” في الكيان دوره انه خادم، فهو يعمل في خدمة فكرة (الصهيونية) ودولة وشعب. فان لم يقم بعمله، او اخل بشروط العمل، فيحاكم مثله مثل اي شخص اخر.
    يفهم الحاكم في “دول” العرب ان الدولة والشعب خدم عنده، وأن الفكر — أي فكر كان — عدوه اللدود. فالحاكم يحاكِم ولا يحاكَم، بل يطاح به.
    كما تفضلتهم، يا سيدي، هو الفرق بين الدكتاتورية والديموقراطية (وان كان الكيان ديموقراطية لليهود فقط، اي اثنوقراطية، لكنها اثنوقراطية باعراف ديموقراطية).

  4. كفاكم مدحا بكيان عاصب قام على سرقة ارض الآخرين هل هناك فساد اكبر من هذا ؟ المفروض ان يحاسب كل الاسرائيليين الذين يقطنون منازل كانت بالأصل للفلسطينيين
    كل شخص إسرائيلي هو فاسد وليس فقط نتن ياهو

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here