فيلم “فيوري”.. السينما الامريكية تقدم وجها اخر للحرب بعيدا عن التاريخ والتوثيق

fury2.jpg777

 

باريس ـ “راي اليوم” ـ حميد عقبي:

بعيدا عن  اللقطات  الارشيفية و السرد  التاريخي، نعيش اللحظات  الاخير  للحرب  العالمية  الثانية يحاول  فيلم  “فيوري” او الغضب، ليس  اسم  بطل  الفيلم  هو  اسم تم  وضعه على  دبابة حربية نعيش معها  و طاقمها ايام  عصيبة بقيادة القائد ورددي الذي يجسده الممثل  الكبير (براد بيت) هذا  القائد الشخصية  الاكثر  حضورا، فهو  القائد والصديق  لافراد طاقمه ثم  هو  الاب الذي يعلم جنوده خصوصا  الشاب نورمان أليسون يقوم  بدوره الممثل ( لوغان ليرمان) فهذا  الشاب الساذج كونه  لا يفهم  معنى  كلمة  حرب  اي  القتل بكل  الوسائل و لاي سبب لا  فرق  بين  صغير  و كبير، هذا الشاب تقذفه  الظروف لهذه  الفرقة ليكون  مساعد سائق  الدبابة مع دخوله  للمرة  الاولى  الى  داخل  الدبابة  لتنظيفها يجد بقايا جثة جزء من  وجه  انساني  عليه التقاطه و رميه، يصاب  بالصعقة من اول  خطوة  له داخل  هذه  الدبابة  العملاقة التي  ستكون مدرسته ومسكنه وربما  قبره،  نحن  امام  فيلم يحاول  تجاوز الاساليب  القديمة  في  عرض الحرب و احداثها  يختار فعل  ذلك  عبر  وجهة  نظر  الشخصيات  الجنود، نرى هذه  الوجوه المرهقة المتسخة بالتراب  والطين والدم، سنكون  في  رحلة  مقلقة حد  الرعب نعيش لحظات يكون  فيها  الموت  والحياة مجرد لعبة لا احد يعرف  مصيره ولا كيف  سيكون  موته؟ هول  الحرب تفقد  المرء احيانا  صواب  يتحول  الى ذئب متوحش يكون  اكثر فضاعة و رعبا  من  الحرب  نفسها، هذا  الجحيم المستعر يحرق النفس  الانسانية  من  الداخل  اولا فيتحول  المرء الى  صورة للقبح بكل  ما  تحوية  كلمة  القبح من اشمئزاز و فضاعة، هؤلاء الجنود و غيرهم  هم  ضحايا في  نفس  الوقت  بغض النظر  عن المهزوم و المنتصر نشعر  بهم  احيانا  يبكون  كاطفال  يودون  الرجوع  الى  امهاتهم الى كنف  العائلة، لكن  الفيلم  لا  يسرف جدا في ذلك لا يخرج  من  اطار رعب  الحرب كاننا  هنا  الحرب افقدت هؤلاء جزء من  الذاكرة فلا مجال  للرجوع  الى النفس، هنا  الاحداث متسارعة  التوتر و الترقب  الخوف   الهرولة من  معركة  الى   اخرى٠

لم  يخرج  الفيلم من  التقاليد المعتادة  بتقديم  بطل  قوي  ذكي صلب ينتصر  دائما لا يهزمه احدة القائد ورددي كبطل  اسطوري  خارق ينتصر في  كل  جولاته يموت  في  الدقائق  الاخيرة  من  الفيلم كبطل عظيم، لم  يهرب لم  يستسلم اصر  على  خوض معركة جنونية  رغم  كل  الصعوبات  رغم ضيق  الوقت و قلة  الامكانيات  يقتل المئات يموت  جنوده واحدا  تلو  الاخر، يظل هو و الجندي الشاب أليسون  يطلب من  الشاب  ان يهرب يجابه  الموت ببطولة بشجاعة دون نظرة  خوف او حزن، هذا هو  الامريكي ينتصر و عندما يموت  يجب  ان يموت موتا  بطوليا يظل  خالدا  في  الاذهان، نعيش  مع  هذه الشخصية بكل تناقضاتها فهو القائد المحنك الذي يخطط بعبقرية ينتصر  بتفوق يتعامل  مع  جنوده كاصدقاء يستمع  الى  مدعباتهم و يشاركهم  في  بعض  الاحيان كاخ، ثم نراه  في  لحظه يتحول  الى مرعب  خصوصا  بذلك  المشهد عندما  يتعرض  طاقمه الى ضرب  من  العدو بسبب هفوة  الجندي ألسون  الذي لم يطلق  النار على بعض المجندات ثم يخسر  الطاقم بعض  افراده و معداته،  لكن  بحرفية القائد الذي لا يخاف  النار  يكون  نصفه  العلوي خارج الدبابة يمسك ناظوره و بيد اخرى جهاز  الراديو ليرشد جنوده فعلا  ينتصر يتم  الامساك ببعض الجنود الالمان يتم  قتلهم دون اي  اعتبارات  انسانية، ها هو  يقع بين يديه  اسير يرفع  يده مستسلما يصرخ القائد  مناديا ألشاب يسلمه مسدس يامره بالتصويب٠٠  الشاب يتراجع لا يقدر لم يجرب  فعل  القتل يضربه

 يصرخ فيه :ـ (هي الحرب القتل  فيها  حلال  مباح حتى  الطفل  الرضيع ان شك انه يمثل خطرا  او  تهديدا يجب  قتله)،  الاسير  يصرخ ان  لديه  اسرة و زوجة و اطفال يناشد انسانيتهم ـ  يضحك  بقية  الجنود ياخذ القائد  المسدس يضعه في  يد أليسون  يصوب ليردي ذلك  الاسير قتيلا، هذا  المشهد لا يمكن  نسيانه فهو مشهد صعب يصور التوحش الداخلي المسخ الذي تفرزه الحرب  اي  حرب

كانت قديمة او حديثة او  ستحدث غدا  ستكون  كريهة و قذرة ايضا٠

هنا  في  هذا  الفيلم  العزف  على  قيثارة  المشاعر  الانسانية المتضاربة و المتناقضة احيانا، هي نتيجة هول  هذا  الجحيم ـ فمثلا  في  الدقيقة  الاولى  للفيلم يقوم  القائد بحذر ربما  نظن انه يحاول  الهرب لنجد  انفسنا  امام ذئب يصطاد فريسته  يقتله بدم بارد، يعود لوكره يقول  له  رفيقه: (تمكنت من ذلك  القذر التافه)، لم يكن  فعلا  قبيحا كان فعل عاديا  في الحرب  القتل فعل يتكرر اكثر  من الاكل و الشرب  و التنفس، هذا  المكان  المغلق داخل  الدبابة لا نحسه مكان  مغلق يضغط على من  فيه  بالعكس يكون مناخ رحب فضاء واسع تاتي  لحظات للمزاح و الضحك  و الشرب لا يكون ذلك  في  مشهد خارجي اغلبها  تكون  في الداخل، خصوصا هنا  داخل  فيوري هناك حرية  للتعبير  تبادل  الافكار  و النظريات  حول  تعريف الحرب قراءة مقاطع  من  الكتاب  المقدس القائد ايضا يحفظ عن ظهر  غيب بعض المقاطع  فاحد جنوده متدين و هناك  اخر  لا يعترف بالدين و اخر  لا يهمه هذا  الامر و الشاب  الحالم، هذا  التنوع هذه الشخصيات  كلها رغم  هذه  الاختلافات الا  انها  تشترك بفعل  واحد هو  اجادة  القتل٠

الدبابة تتحرك على  متنها  طاقمها نحسها كأنها  سفينة تبحر في بحر هذه الاجواء الرمادية عدم وضوح الصورة  في بعض المشاهد وجود ضبابية اظنه امر  مقصود لاثارة توتر  المتفرج الامساك به كسب بعض التعاطف لصالح الشخصيات، كل ما هو  بالخارج خطير  ربما و في اي لحظة نتوقع هجوما  على  الدبابة و طاقمها اللحظات  السعيدة المطمئنة نجدها بالداخل  رغم ضيق المكان حتى  في  لحظات  الحرب نرى  الشخصيات  تثق في نفسها تطلق  النار  تريدنا  مشاركتها  لعبة الحرب تنظر الينا  في بعض  اللحظات و هي تصرخ منتشية تسب  العدو تريد تشجيعنا، اي ان اللقطات  مدروسة  بشكل جيد لخلق  تاثير  نفسي ايجابي  مع  الشخصيات لدى المتفرج، كلمات  الشتم القبيح عند اطلاق  النار  حتى  على  الذين يستسلمون  من  الجنود الالمان هنا لا رحمة هكذا  يريد الفيلم القول  لا  رحمة لهؤلاء حتى  الاستسلام لن ينقذهم من  الموت فالحرب  قذرة  كما  يعبر  عنها الجنود في  بعض النقاشات التي تاتي  بلحظات الهدوء بعد الانتصار في جولة او عند سقوط ضحية منهم، تركز الكاميرا  على وجهة نظر  طاقم الدبابة لما حولهم من بداية الرحلة نكتشف من  خلال  هذه النظرات  قباحة الحرب الناقلات  العسكرية  الكبيرة محملة بجثث  القتلى  بعضها  متعفن يتم دفتها  بشكل جماعي،  نلمح احيانا جزء  من جثة رجل مكسورة او جمجمة مهشمة هذه الصور تزيدهم اصرارا على مواصلة الحرب القاسية، القسوة  هنا كما عمل  الفيلم على تصويرها لها ما يبررها المسالة ليست انتقام لعله يريد تصويرها  انها تطهير لكل ما هو نازي٠

ما قبل نهاية الفيلم عند وصول  الفريق الى  منطقة بعد مشاهد حرب يصعد القائد مع أليسون الى  احد الشقق  السكنية يفتشها يكتشف وجود سيدة و فتاة جميلة، هنا بعد ان يطمئن القائد عدم وجود سلاح او  خطر يخلع بذلته العسكرية يغسل وجهه و جزء من جسده المتسخ يدعو المجند الى الاستمتاع بالفتاة، المجند نورمان يعزف مقطوعة على البيانو  تشاركة الفتاة ربما نظن في هذه اللحظات  وجود انقلاب ميلاد قصة حب،  فعلا تم ميلاد هذه القصة بالتقارب  بين المجند نورمان و الفتاة  الالمانية يظل  القائد متزن لم يكن عنيفا او يغتصب  السيدة، الجندي كذلك كان  رقيقا و ديعا و رومانسيا مما  جعل الفتاة تحبه، مع العشاء يدخل بقية  الجنود نرى وقاحتهم  هنا بالداخل بهذا المنزل  المسالم الحرب  تفرض  نفسها  بوقاحة الجنود وسوء سلوكهم، نرى اتزان القائد يحاول امتصاص هذه التفاهات حتى ذلك الجندي المتدين نراه يشارك في اذلال السيدة و الفتاة كلمات  سخرية يتم توجيهها الى المجند نورمان، ثم يخرج الجميع تتعلق  الفتاة بحبيبها لكنها الحرب  عليه ان يذهب بعد لحظات تسقط قذيفة او  صاروخ يتحطم المنزل باكمله تسقط الفتاة قتيلة لا وقت حتى     لتوديعها بعد موتها..

  ثم ندخل المرحلة  الاخيرة  حيث يواجه القائد و طاقمه فيلق الماني هنا نرى و من خلال  وجهة نظر  المنظار  بالدبابة سقوط القتلى  بنيران طاقم الدبابة ثم يتساقط الطاقم واحد بعد الاخر، يظل القائد الى  اخر  رمق ممسك بسلاحه ليموت  موتا  بطوليا،  يفر نورمان من تحت في اللقطة قبل  الاخيرة يكون في حالة خوف شديد ياتي احدهم لينظر  الى  الاسفل لا ندري هل تركه ام انه لم يره؟ هي نزعة المخرج لبقاء و لو  شخص واحد حي كي يحكي الحكاية  فيما  بعد.

هذا  الفيلم  بكل  هذه  القسوة  بعيدا عن الحكي التاريخي لا لقطات  ارشيفية لكن  هنا رسائل  عديدة او اهداف لمثل  هذه  الافلام  لعل  ابرزها اعطاء مبرر للقتل و القسوة خلال الحرب، نحن  نعلم ان الكثير  من  الجنود الامريكان  الذين شاركو  في حروب في افغانستان و العراق و غيرها من بقاع  العالم يعيشون بعد الحرب  في ظروف نفسية  سيئة بسبب الشعور بالذنب ـ هنا  الفيلم ياتي كمسكن الالم لهؤلاء ربما كنوع  من  العلاج النفسي ان يشاهد مثل  هؤلاء  هكذا  افلام،  الفيلم كذلك يحمل تقديس للقائد في  الحرب لا مناقشة السمع و الطاعة و يعكس صورة القائد المحنك الشجاع،  مثل  هذه  الافلام هي ايضا اعداد للذين  سيشاركون  في  حروب  قادمة ان انتاج مثل  هذه  الافلام  لا ياتي هكذا لتسلية المتفرج كونها تتضمن  رسائل  مدروسة بدقة٠

سينمائي يمني يقيم في فرنسا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here