فيصل الدابي: تأشيرة خروج نهائي من السودان!

فيصل الدابي

بعد التوقيع على الاتفاق السياسي وقبل التوقيع النهائي على الاعلان الدستوري في السودان بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، صدّع المعلقون السياسيون رؤوس المستمعين في كل أنحاء العالم (وعملو لينا هيدآيك!) بمقولة (الشيطان يكمن في التفاصيل)!، فما هو هذا الشيطان الذي يكمن في التفاصيل؟! ما هو الاصل الذي نبتت منه هذه المقولة الإبليسية؟! وما المعني المقصود من هذه الجملة الشيطانية؟!

بعد الاستعاذة بالله العلي العظيم من شيطان الانس والجن الرجيم، يمكننا القول إن أصل الجملة هو (الله يكمن في التفاصيل)، وهي جملة إيمانية يرددها المؤمنون ويعنون بها أن التفاصيل الصغيرة العبقرية الموجودة في كل مخلوق متقن الخلق هي أكبر دليل على وجود الله الخالق العظيم فلا مخلوق بغير خالق كما يعنون بها أيضاً أن الانسان، بوصفه أفضل مخلوقات الله، مطالب بإتقان كل تفاصيل العمل الذي يخدم به الآخرين وأن لا يحاول خداع الناس بإخفاء عيوب التفاصيل الصغيرة وتجميل الشكل الخارجي لأن العيوب الكامنة في التفاصيل الصغيرة ستظهر آجلاً أم عاجلاً وترتد على نحره!

يبدو أن بعض البشر قد حرفوا تلك المقولة الايمانية وابتدعوا مقولة أخرى على ذات النسق لكن مع اختلاف جوهري فقد ورد مثل انجليزي مفاده (الشيطان يكمن في التفاصيل)، ويقول كثيرون إن التلفظ بهذه المقولة يهدف لمصادرة حرية التفكير وحرية الرأي ويطلب القبول المطلق بالفكرة الموروثة أو السلوك المتكرر والامتناع النهائي عن الخوض في تحليل ومناقشة التفاصيل لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى إثارة المشاكل ولن يسبب إلا وجع الدماغ فليس في الإمكان أبدع مما كان!

هناك سؤال جوهري يجب إثارته وهو: هل السلوك الأفضل هو القبول بالأشياء والافكار والأشخاص بناءً على المظهر العام والدعاية المسبقة؟ أم أن السلوك الأفضل هو عدم القبول بأي شي أو فكرة أو شخص إلا بعد تشغيل الدماغ والتدقيق في التفاصيل والتنقيب في الخفايا والاستعانة باستشارة ذوي الخبرة والاختصاص إذا لزم الأمر تفادياً للمخاطر الكامنة في التفاصيل؟!

يمكننا القول إن الشكل العام للشيء أو الفكرة أو السلوك قد يبدو جيداً ومقنعاً حسب الظاهر لكن قد تكون هناك عيوب خفية كثيرة كامنة في التفاصيل الصغيرة وهي قد تسبب أكبر المشاكل عند اكتشافها من جانب الشخص الذي قبلها بتعجل ودون تروي، وأن تعبير (الشيطان يكمن في التفاصيل) هو عبارة عن تحذير إيجابي مسبق فهو يدعو لاستخدام الدماغ واستكشاف وتحليل التفاصيل الصغيرة الخفية ويحرض على عدم قبول أي صفقة تجارية أو سياسية بأي حال من الأحوال قبل تحليل تفاصيلها وتقييم مخاطرها الكامنة ودراسة جدواها والحصول على الاستشارة من ذوي الخبرة والاختصاص إذا لزم الأمر ويحذر من قبول الصفقات بتعجل بناءً على شكلها العام وإلا فسوف يُقال للمتعجل الذي شرب مقلب الاختيار المتعجل وتعرض لصدمة قاسية عند اكتشاف التفاصيل الخفية المعيبة بعد فوات الأوان (وقعت يا فصيح فلا تصيح)! وقد يُقال له: القانون لا يحمي المغفلين! الاختيار قطعة من العقل، أين كان عقلك عندما قمت بهذا الاختيار الخاطيء؟! هل كان في إجازة؟!

أخيراً يمكننا القول إن شيطان الثورة المضادة لن يستطيع أن يكمن في تفاصيل الثورة السودانية التي تمكنت من الانتصار رغم قسوة ظروف السودان وأن وعي شباب الثورة السودانية قادر على صنع المستحيل وتحقيق شعارات الحرية والسلام والعدالة وقادر على طرد شيطان الثورة المضادة من السودان وختم جواز سفره بتأشيرة (خروج نهائي!) ولا نامت أعين شياطين الثورات المضادة في أي مكان!

كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here