فيصل الدابي: المرحوم ما زال على قيد الحياة!

فيصل الدابي

منذ بداية شهر مارس 2018، شهدت رومانيا وقائع أغرب قضية على الإطلاق فقد ظهر المواطن الروماني قسطنطين ريليو (63 عاماً) بشحمه ولحمه أمام محكمة رومانية ورفع دعوى طالب بموجبها بإلغاء شهادة وفاته وإثبات أنه ما زال على قيد الحياة  لكن محكمة مدينة فاسلوي الرومانية، والتي تنظر في القضية، أصرت على أنه (ميت) بالرغم من حضوره الشخصي أمامها ورفضت حججه الحية القوية وشطبت دعواه العادلة التي تمشي على قدمين، لسبب إجرائي بحت هو تأخره في تقديم الإستئناف ضد الحكم بالموت الحكمي الصادر في مواجهته خلال المدة المقررة قانوناً لتقديم الإستئناف، معتبرةً أن الحكم بالموت الحكمي أو الإعدام المدني قد أصبح باتاً ونهائياً وغير قابل للطعن أو الاستئناف بأي حال من الأحوال!

لقد اكتشف ريليو (موته المفاجيء)، بمحض الصدفة، بعد عودته إلى رومانيا التي غادرها قبل 26 عاماً، فقد سافر ريليو إلى تركيا في عام 1992 للعمل كطباخ، ولم يتواصل مع عائلته لعقدين تقريباً فقد خلالهما كل وسائل الاتصال بعائلته، وفي عام 2016 ، قامت زوجته وحرمه المصون باستخراج شهادة وفاة رسمية لزوجها المفقود بعد إدعائها أنه قد قُتل بسبب زلزال مدمر وقع في تركيا!

فجأة، في بداية عام 2018، عاد ريليو إلى الحياة وعاد إلى رومانيا، فقد قامت الحكومة التركية بترحيله إلى وطنه الأم رومانيا بالقوة الجبرية، بسبب عدم صلاحية وثائقه الرسمية الرومانية!

بعد صدور حكم المحكمة الرومانية، قال ريليو بإنزعاج شديد: (أنا ميت من الناحية الرسمية والقانونية ومجرد من كل الحقوق الشخصية والمالية، بغض النظر عن كوني على قيد الحياة من الناحية الواقعية، الآن ، ليس لديّ أي عمل، ولا يمكنني العلاج أو السفر ولا يمكنني فعل أي شيء لأنهم يعتبرونني ميتاً)! وأضاف ريليو بإنزعاج أشد: (أتمنى العودة إلى تركيا كإنسان حيّ حيثُ أملك نشاطاً تجارياً، لكنَّني أحتاج إلى استعادة شهادة حياتي وإلغاء شهادة وفاتي أولاً حتى أتمكن من مغادرة رومانيا)!

تعليق من عندنا:

لفكّ طلاسم هذا الموضوع الشائك لابد من توضيح الخلفية القانونية الآتية: اولاً: بداية الشخصية بتمام الولادة وتحقق الحياة: الأصل في معظم قوانين دول العالم أن تبدأ شخصية الإنسان ، التي تمكن صاحبها من اكتساب كافة الحقوق القانونية، بتمام الولادة وتحقق الحياة عند تمام الولادة.

ثانياً : نهاية الشخصية بالموت الحقيقي أو الموت الحكمي (حالة المفقود): تنص معظم قوانين دول العالم على أن شخصية الإنسان تنتهي بموته وبموجب ذلك يفقد الشخص المتوفي كل حقوقه القانونية، والموت قد يكون طبيعي أي حقيقي وقد يكون حكمي، حيث يصدر حكم قضائي باعتبار المفقود ميتاً، مع ملاحظة أن بعض الأنظمة والشرائع القانونية القديمة قد حددت أسباباً أخرى لإنتهاء الشخصية الانسانية وفقدان كل الحقوق القانونية بخلاف الوفاة الطبيعية أو القتل مثل الرق أو عقوبة الموت المدني في القانون الروماني القديم، حيث كان الرقيق المستعبد أو المحكوم عليه بعقوبة الموت المدني يعتبر بمثابة الميت رغم أنه لا يزال على قيد الحياة فتنتهي شخصيته الانسانية ويجرد من كل حقوقه فتطلق زوجته أمامه ليتزوجها رجل آخر وتوزع أمواله بين ورثته وهو حي يرزق ويتفرج على ذلك، إلا أن هذه الأسباب الكارثية قد اختفت الآن ولم تعد قائمة في هذا العصر الحديث جداً جداً والحمد الله على ذلك الاختفاء الحميد!

قلنا إن الأصل هو أن الشخصية الانسانية تنتهي بالموت الحقيقي، إلا أن المشرعين في معظم دول العالم يعتبرون الموت الحكمي ، الذي يحكم به القاضي، في حكم الموت الحقيقي،  ويكون ذلك في حالة الشخص المفقود، والتعريف القانوني للانسان المفقود هو: الشخص الغائب الذي انقطعت أخباره، فلا يُعرف مكانه ولا تُعلم حياته ولا وفاته، وفي معظم قوانين العالم ينتهي الفقدان بعودة المفقود أو بموته الحقيقي أو بقتله أو بإصدار شهادة وفاته بموجب الموت الحكمي!

عندما حكيت قصة ريليو لجارتي في المكتب ضحكت ثم قالت بتشفي: يستاهل، هذا أفضل مقلب تعمله إمرأة في رجل، كيف يختفي رجل من زوجته وعائلته لأكثر من عشرين عاماً ويقطع كل الاتصالات ثم يعود بعد ذلك وهو يعتقد أن الجميع في انتظاره وأن حياته السابقة بكل تفاصيلها في انتظاره؟! هذا الرجل يستاهل أكثر من ذلك ولا أملك إلا أن أقول له: وقعت يا فصيح فلا تصيح!

أما أنا فلا أملك إلا أن أتعاطف تعاطفاً إنسانياً مع هذا البدون الأوربي (حلوة بدون أوربي دي) وأقول له: شوف يا رجل ، بإمكانك البحث عن حل قانوني فيمكنك أن تستأنف حكم محكمة الموضوع للمحكمة الأعلى درجة فمن السخف القانوني المطلق أن يُحكم بالموت المدني والتجريد من كل الحقوق على مرحوم ما زال على قيد الحياة لسبب إجرائي شكلي لا علاقة له بالموضوع المثبت دون أي شك معقول، وبإمكانك في ذات الوقت أن تبحث عن حل سياسي، فابمكانك مناشدة الرئيس الروماني والرئيس التركي لحل قضيتك الشائكة بقرار سياسي، أما إذا فشل الحل القانوني والحل السياسي، فيمكنك بكل تأكيد الانضمام إلى بدون الخليج أو بدون السودان وذلك أضعف الإيمان والله على ما أقول شهيد ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here