فوزي مهنا: العرب وولائم القرن من الذي وضعهم على لائحة الطعام؟

فوزي مهنا

في أواخر القرن التاسع عشر، وحين كانت الدولة العثمانية (رجل أوروبا المريض) تعيش آخر أيامها، كتب دبلوماسي تركي لوزارة خارجيته في اسطنبول محذراً: “الأمم الأوروبية تستعد لوليمة كبرى، وما لم نتحرك سريعاً، لنكون على لائحة الضيوف، سنصبح بالقطع على لائحة الطعام”.

كان القرن الماضي مسرحاً لأهم وليمتين في التاريخ البشري، انكسرت دول وانهزمت، لكنها سرعان ما نهضت، بالمقابل سارعت الدول المنتصرة للإعلان عن قيام عصبة الأمم، لحماية السلم الدولي، في حين كان الهدف الأساس ولا يزال التحكم بخناق الشعوب الضعيفة، من بينها العرب، الذين مهدوا بتخلفهم وانقساماتهم لمجيء الاستعمار الغربي، لم يرحل هذا الاستعمار، إلا بعد أن نصّب سُلط عسكرية دكتاتورية، وظيفتها ضمان خنق شعوبها حتى قيام الساعة.

ينقل الكاتب محمد حسنين هيكل عن أحد صنّاع القرار في واشنطن قوله: تتحدثون عن عالم عربي فيه أكثر من عشرين دولة، ولكن هناك في تقديرنا أربع أو خمس دول فاعلة في المنطقة العربية ليس أكثر، وفي هذه الدول تنحصر دائرة صنع القرار في 35 إلى 40 شخصاً فقط، تتحدثون عن رأي عام وجماهير حاشدة، بينما نحن لا نرى سوى هؤلاء الأشخاص، الذين وحدهم يصنعون القرار، ويوجهون الدفة ويقبلون ويرفضون. (كتاب خريف الثورة ـ أحمد المسلماني ـ دار ليلى ـ ص79)

كغيرها من جيوش العالم، أُنشئت الجيوش العربية بهدف حماية الأوطان، وإذ بها لحماية السلطان، في عام النكبة روي أن ملك الأردن عبد الله الأول دعا شيخاً ضريراً كي يعظ الجيش المتأهب لتحرير فلسطين تحت قيادة الضابط الانكليزي “كلوب باشا” وقف الشيخ الضرير بجوار الملك وهو لا يرى شيئا، لكنه ثبت أنه كان يرى كل شيء، صمت للحظات فيما أنظار الكل وآذانهم معلقة به، ثم صاح مناديا: “أيها الجيش ليتك لنا”!.

كانت الجبهة الأردنية الاسرائيلية في صبيحة يوم 16 مايو 1948 أقوى الجبهات العربية وأهمها على الاطلاق، بعد أن عبرت بشكل مسرحي، أربعة ألوية تابعة للجيش الأردني نهر الاردن إلى فلسطين، كان هناك حوالي (50) ضابط بريطاني يخدمون في هذا الجيش، لذا كان على درجة عالية من التدريب، بل من أفضل الجيوش العربية على الاطلاق، مع بداية الحرب كانت الغلبة للعرب حتى قيام الهدنة بإشراف الأمم المتحدة، عندها اتضح الدور القذر الذي قامت به هذه المنظمة، من خلال التواطؤ مع الصهاينة بتزويدهم بالمزيد من السلاح (كتاب عروش وجيوش، محمد حسنين هيكل).

كان الحاكم العربي ولا يزال يعيش حالة من الازدواجية والفُصام، بالليل يتعبّد الله، وفي النهار ينهب وينكِّل بخلق الله، في العلن هو مع مصالح شعبه، لكنه في الخفاء يعمل ضد هذه المصالح تماماً، في العلن هو مع هموم الأمة من محيطها لخليجها، في الواقع هو مع قبيلته وطائفته مع سلالته ومصالحه الشخصية.

قبل حرب النكبة كانت هناك لقاءات سرية متكررة بين الملك الأردني عبدالله ومسؤولي الوكالة اليهودية في فلسطين، وافق خلالها عبدالله على التقسيم، كان هذا في السر، أما في العلن فقد خاطب الشعوب العربية، متعهداً بقوله: “أطمنكم بأن الجيش العربي سيحتل القدس في غضون 48 ساعة بعدها سيزحف إلى رأس الحية” (تل أبيب) كان قائد هذا الجيش الانجليزي “كلوب باشا” في الوقت نفسه صرّح رئيس وزراءه “توفيق أبو الهدى” باجتماع مع وزير خارجية إنجلترا “أن اليهود في فلسطين قد أعدوا حكومة وبوليس وجيشًا كي يتمكنوا من تسلم السلطة فور انتهاء الانتداب البريطاني، في حين لم يستعد العرب بشيء” (محمد حسنين هيكل ـ جيوش وعروش).

ومثلها كان ولا يزال حال بقية اتفاقيات الاذعان العربية السرية، التي كان لها أول وليس لها آخر، من اتفاقيات الحماية التي يقدمها الغرب لحكومات المنطقة، إلى المقايضة بين البقاء في السلطة وحماية اسرائيل، إلى اتفاقية الجزائر بين كل من صدام والشاه، وليس انتهاءً باتفاقية أضنة بين الأسد الأب وتركيا التي يتم الكشف عن عريها هذه الأيام، بالنتيجة وبدلاً من رمي اسرائيل بالبحر رموا بشعوبهم في أتون الفقر والعوز والتخلف والحروب، لذلك كانت ولائمهم تُنحر الواحدة بعد الأخرى.

انتهى قرن وجاء آخر والعرب منشغلون بشؤون السلطة وتوريثها، لا بل منشغلون بتزوير التاريخ وتصفية بعضهم البعض، يقول أحد قادة البعث “جبران مجدلاني” والذي قام الرفاق باعتقاله مع مؤسسي الحزب، أنه قبل الافراج عنا في حرب الأيام الستة وفي 5 حزيران 1967، أطلق الجنود السوريون النار من جوار معتقل القابون، أملاً بقصف الإسرائيليين لنا، وأن قسماً كبيراً من أصحاب الانقلاب كانوا يكرهون ميشيل عفلق، لذلك أخذوا ينسبون تأسيس حزب البعث لزكي الأرسوزي لمحو دوره (عرب 48 مقابلة مع مجدلاني 13/07/2008).

هل هي مجرد نبوءة أم مخطط شيطاني، يستهدف هذه المنطقة وشعوبها؟ قبل أكثر من سبعة عقود كتب “بن غوريون” رئيس وزراء إسرائيل، بكتابه (أعوام التحدي ص23) بقوله: “إن إسرائيل ستبقى عنصراً غير مرغوبا فيه، إلى أن تسيطر طبقة العسكريين ومفلسفوها الاشتراكيين، عندها الهوة ستزول، وهو ما أكدت عليه الولايات المتحدة حينما اعترفت بأنها سعيدة بالتعامل مع أنظمة عسكرية ثورية تتميز بقادة بارعين في إساءة استخدام السلطة (الدفاع عن الشرق الأوسط لجان كامبل، مدير الدراسات السياسية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ص294).

أين ذلك الشيخ الحكيم؟ ليشاهد اليوم ماذا حلّ بنا؟ من النكبة إلى النكسة إلى تشرين التحرير للقادسية العظيم للانتصار على الإرهاب، كلها انتصارات بانتصارات! كل الأمم التي ابتليت بانكساراتها وإخفاقاتها اعترفت قبل كل شيء بمواضع القصور لديها، وصولاً لحجم الكارثة التي ألمّت بها، فتجاوزتها وانتصرت، إلا العرب وحدهم لا يعترفون، لذلك من الطبيعي أن تتكرر مآسيهم، ومن الطبيعي أكثر أن يتساقطون كولائم الواحدة بعد الأخرى، لتتسيّد بذلك إسرائيل، وتتحول لمطبخ أمني يحجُ إليها (الخصم والحكم والصديق) لتقوم بتقرير ليس مصير الفلسطينيين والسوريين فحسب، وإنما مصير بقية الشعوب العربية.

أين هو ليروي لنا إلى أين نحن ذاهبون؟ يقول الفيلسوف كارل يونغ: “أنَّ الفرد عندما يتعرض لصدمة قد يفقد توازنه لفترةٍ ما، يستجيب لها إما بصورة إيجابية فيتَـقَـبُّـل الصدمة ويعترف بها، ليستطيع تجاوزها والتغلب عليها، وإما أن يستجيب لها بشكل سلبي بالنكوص إلى الماضي من أجل استعادته والتمسك به، تعويضاً عن واقعه المُرّ، فيصبح هذا الفرد انطوائيًّا، مهدداً بمصيره، كما هو حال الشعوب العربية تماماً اليوم، وهو ما يؤكد عليه “توينبي” بكتابه (مختصر دراسة التاريخ، ص17) بقوله: إن الحضارة تواجه أنماطاً مختلفة من التحديات، فإذا ما استطاعت أن تجيب على هذا التحدي، استطاعت أن تعيش وتنمو وتزدهر، وإلا فإن مآلها إلى الزوال والاندثار.

بروايته “عالم جديد شجاع” التي كتبها عام 1931 يتخيل الروائي الإنكليزي “ألدس هسكلي” يومها ما الذي سيحدث لمستقبل البشرية؟ فيقول: “تخيل أن القيم الإنسانية ستختفي، لا بل ستصبح من الرذائل الممقوتة، النظم الحكومية ستُحدد طرق تفكير البشر، حتى تتلاشى الارادات الفردية، والأفكار الخاصة بشخصية الإنسان، ستُمحى من ذاكرة الفرد، كل ما يحسُّ به من عواطف إنسانية كالفرح والحزن، وبالتالي ستتغير المشاعر الإنسانية، وستختفي معها الحريات الشخصية.

سيكون العلم والشمولية وفقاً لهسكلي قد سيطرا تماماً على المجتمع الحديث، الذي سيضم الدول المتطورة والمصنِّعة فقط, أما المجتمعات التي لم تستطع تنظيم نفسها لتنخرط في مجتمع ما بعد الحداثة, فستُترك للتفسخ الذاتي، حيث يُترك الفرد ليتصرّف حسب غرائزه، لكن تحت رقابة وسيف الحاكم, الذي لا شرعية ولا قانون يضبطانه”. ‏

من باستطاعته لوم الشعوب العربية على عدم تنظيم أنفسها، وعدم انخراطها في مجتمع ما بعد الحداثة، بعدما قادها ربابنتها إلى هذا التفسخ وهذ المصير المجهول؟ من باستطاعته لومها، بعدما تاجر بقضاياها القريب قبل الغريب؟ أم أصبح العرب فائضاً بشرياً يجب التخلص منهم؟ بعد أن ساهموا ببناء أسس الحضارة الإنسانية وتطورها؟ بتركهم يتفسخون، وفقاً لهسكلي، خصوصاً أنهم أولاد الجارية “هاجر” المنذورين للعبودية إلى يوم القيامة، على حد وصف الأسفار العبرية، فضلاً عن أن العرب أولاد اسماعيل، الذي تخبرنا توراتهم المقدسة عنه، بأنه كان مجرد وحشاً بشرياً.

ليبقى السؤال الأهم من الذي جعلنا كولائم على لائحة الطعام؟ الحاكم أم المحكوم؟ وللحديث بقية..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here