فوزي حساينية: نداء من جزائر القاعدة “الرعية” إلى جزائر القمة “الراعي”.. يا أيها الوزراء متى تحترمون مبدأ تكافؤ الفرص وتضعون حدا لسياسات المحاباة والمحسوبية؟

فوزي حساينية

  تشهد مختلف القطاعات الإدارية في الجزائر بين الحين والآخر ما يُعرف بــ” الحَرَكَة ” أي قيام الإدارات المركزية بتعيين مسؤولين جدد أو تحويل مسؤولين معينين من قبل إلى ولايات أخرى أو مسؤوليات جديدة، لكن من الناحية العملية، لايستفيد من هذه الحركة الدورية إلا أصحاب النفوذ، والأكتاف العريضة كما يُطلق عليهم في العامية الجزائرية، في حين يبقى الكثير من الإطارات المؤهلين على الهامش بسبب عدم امتلاكهم للأكتاف العريضة التي يتوفر عليها المحظوظون.

مثل هذه الأخبار المُتعلقة بالتعيينات غير المعقولة التي تقوم بها مختلف القطاعات الوزارية في بلادنا نقرأها يوميا، وفي الكثير من الصحف الوطنية، فدائما وأبدا يقوم المسؤولون في هذه الوزارة أو تلك بإرسال شخصٍ ما من معارفهم أو أقاربهم أو تابعيهم ليكون مديرا ولائيا لهذه المديرية أو تلك بمختلف ولايات الوطن، رغم أن المسؤولين المركزيين من وزراء وأمناء عامين..يعلمون علما مؤكدا ثابتا بوجود إطارات أفضل وأقدر على التسيير من معارفهم وأقاربهم ومحظييهم المُبجلين الذين يَحْظَوْن دائما بالأولوية المطلقة في مجال التعيينات في منصب مدير ولائي ولو كان تعيينهم ضارا بالمصلحة العامة ! إنه منطق الجهوية والمحسوبية المُستحفل كالسرطان في أذهان الكثير من المسؤولين المركزيين، منطقٌ كريهٌ لا يعترفُ إلا بنفسه وبابن القبيلة والعرش، وأبناء العائلات النافذة والمحظوظة !.

 وهكذا نشهد في بلادنا ظواهرً غريبة متناقضة وخطيرة، وزراء يجري تعيينهم باسم الجمهورية، لكنهم بمجرد شروعهم في توزيع المناصب في دوائرهم الوزارية مركزيا أو على مستوى المديريات التنفيذية والمصالح الخارجية بالولايات لا يَحْتكِمُونَ إلا لمنطق الجهوية والمحسوبية البغيضة ولا يستجيبون لأية معايير موضوعية وإنما فقط لطلبات ذوي النفوذ من برلمانيين نافذين ورجال أعمال أقوياء ومسؤولين من ذوي السلطة والكلمة المسموعة. ولذلك يحدث غالبا أنه وبمجرد تنصيب المدير أو المديرة الجديدة تبدأ المشاكل ، ويظهر عجز المدير(ة) الجديد وعدم أهليته الإدارية والنفسية  ليكون مديرا أو مديرة..و يبدأ التساؤل، كيف جرى تعيين هذا الشخص مديرا رغم عدم أهليته وعجزه عن التسيير، ورغم أنه في الكثير من الأحيان لا علاقة له بالقطاع أصلا ؟ ورغم الانعكاسات السلبية والمدمرة التي ستحل بهذا القطاع أو ذاك بسبب تعيينٍ لم يُنظرْ فيه إلا لأكثر العوامل بدائية وتخلفا وابتعادا عن ثقافة الدولة ! لكن تلك التساؤلات تفقد كل قيمة واقعية لها، وإن لم تفقد مشروعية طرحها، عندما يتضح أن المدير الجديد هو شقيق للوزير الفلاني، أو قريب لفلان الذي يشغل منصبا ساميا في الدولة الجزائرية،أو أن المديرة المعينة حديثا في هذا القطاع أو ذاك تلقت تزكية لشخصها من قبل مسؤول ممن لا تُردُّ لهم كلمة…الواقع الراسخ بخصوص السياسات السخيفة وغير النزيهة المتبعة في مجال التعيينات في مختلف المديريات التنفيذية واقع ظالم آثم مرير أَمَرُّ من العلقم.

وتجنبا للإطالة في عرض هذا الموضوع الشائك، سأكتفي بالعناصر التالية:

أولا:لماذا يمارس أغلب الوزراء سياسة المفاضلة المغشوشة والمحاباة القاتمة عندما يتعلق الأمر بالتعيين في منصب مدير ولائي ؟ لأنهم أي الوزراء ينظرون لمنصب مدير كهبة وكمنحة وكهدية مغرية، لا يمكن منحها إلا للمقربين ، ولو كان يجري التعامل مع هذه المناصب كمسؤولية تخضع للرقابة والمحاسبة الحقة لآختلف الوضع بكل تأكيد.

ثانيا: لماذا ورغم استمرار هذه الممارسات لسنوات طويلة لم يجر القضاء عليها أو على الأقل التخفيف منها ؟ الأمر بسيط، بسبب غياب الرقابة ؟ البرلمان مثلا في الجزائر نعلم جميعا أنه لا يراقب حتى نفسه ، فكيف يراقب غيره ؟ كما أن الكثير من أعضاء البرلمان يتوسطون لدى الوزراء لتعيين أقاربهم ومعارفهم، وبالتالي لا يمكنهم أن يضحوا بمصالحهم لصالح المصلحة العامة في الرقابة على تصرفات الوزراء المنافية للمبدأ الدستوري  ” تكافؤ الفرص “…

ثالثا: هل السياسة المُتًّبَعَة من طرف الوزراء فيما يخص التعيين في منصب مدير ولائي، ضارة بالاقتصاد الوطني والإدارة العامة ؟ طبعا يكفي أن نلقي نظرة على الكثير من المديريات التنفيذية لنقف على حجم الكارثة، أما لو امتلكت القدرة على النفاذ إلى ما وراء النظرة العابرة، فإنك ستصاب بكل الأمراض المزمنة،فمن أكثر الظواهر انتشارا واستفحالا في الكثير من المديريات التنفيذية عبر مختلف ولايات الوطن أن المدير التنفيذي يكون عادة أقل من حيث المستوى العلمي والأهلية الإدارية والأخلاقية من الإطارات الذين يُوضعُ كمدير عليهم، وهذه من المآسي المتجذِّرة في العديد من القطاعات التي كثيرا ما تتحول إلى شبه محميات خاصة بأبناء عرش أو جهة معينة.

رابعا: ما هو الحل؟ الحل واضح وجليٌّ وبيِّنٌ وجاهزٌ، لامناص من إخضاع منصب مدير تنفيذي ولائي لأسلوب المسابقة الوطنية، بكل ما يقتضيه ذلك من ضرورة احترام وتكريس المعايير الموضوعية الحقيقية وهي معروفة ، وكل إداري نزيه يستطيع أن يَسردها ، بدل المعايير المُكَرَسَةِ والمُكَرِّسَةِ للتمييز والتحيز والحقرة السافرة بين من يتوفرون على المعريفة  والنفوذ، والذين لا يملكون إلا جنسيتهم الجزائرية….

خامسا: إننا ندعو رئاسة الجمهورية، والوزارة الأولى، ومصالح الوظيفة العمومية إلى دراسة اقتراحنا ونحن على استعداد عند الضرورة لتقديم كل المساهمة الممكنة، وبكل التفاصيل التطبيقية الضرورية، ونؤكد بكل العبارات المتاحة على ضرورة وضع تنظيم جديد يحكم معايير وآليات التعيين في منصب مدير ولائي بدل الممارسات الحالية التي تتنافى مع مبادئ الدستور الجزائري، ومع المواثيق الدولية، ومع مصلحة الوطن.

في انتظار ذلك ندعو وزراء مختلف القطاعات إلى العمل على تجاوز شرط المعريفة والمحسوبية وقوة النفوذ عندما يكونون بصدد التعيين في مختلف المصالح الخارجية لقطاعاتهم، كفانا يا مسؤولين؟ كفانا يزيونا من ابن الدوار، زوج الابنة، زوج البنت، أخ الوزير، ابن عم الأمين العام، صَفِي المفتش العام، شقيق البرلماني الكبير..كفانا فقد فاحت رائحة العفونة من الجهوية والمعريفة القذرة، وزكمت أنوفا وزرعت روح الغيض والغضب في القلوب والصدور…وتذكروا….” لا يُرجى الأملُ من المستضعفِ إلا إذا يئس″.

 كما أن المناصب والمسؤوليات وإن علا شأنها لا ولن تدوم لأحد، لكن الوطن والتاريخ سيحفظ لرجال الدولة أعمالهم ومواقفهم ومآثرهم….أما الذين تعودوا أن يتصرفوا بعيدا عن ثقافة الدولة فهم حيث وضعوا أنفسهم، وسينتهون في مزبلة التاريخ، لا للجهوية، لا للمحسوبية، لا للعروشية، لا للمعريفة، لا للنفوذ الفاسد، لا لكل مسئول لا يتوفر على ثقافة الدولة…

تحيا الجزائر، ويحيا الذين يُحبون الجزائر، كلَّ الجزائر.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. صدقت باسي كمال، كثيرون غادروا، وكثيرون سيغادرون أيضا….وحفظ الله البلاد كما قلت، تحياتي وإحتراماتي…

  2. و ما الدي هجرنا خارج الجزائر يا سي فوزي سوى هده الممارسات ! الكفأة تبحث عن الكفأة و الرداءة تبحث عن الرداءة. للأسف هذا هو حال البلد مند عقود. الله يحفظ البلاد و العباد.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here