فوزي حساينية: من “البحيرة الخضراء” إلى “أغاني الجبال” و”ابتسامة بابو”.. تدفقٌ إبداعيٌ يأبى التَّوقف

فوزي حساينية

تعجُّ الجزائر بالمبدعين الرائعين من فنانين وكتاب وشعراء يمثلون بحضورهم وإبداعاتهم حيوية المجتمع الجزائري وديناميكيته المُتَوَفِزَةِ المؤمنةِ بــ والمتطلعة إلى المستقبلِ في بلدٍ عريق شاب يواجه تحديات حضارية نوعية، ويُنتظرُ منه الكثير، ونودُ هنا أن نقدم إلى القراء أحد هؤلاء المبدعين الجزائريين المتجذرين في تربة الوطن، والمنغرسين في تاريخه وذاكرته وأحضانه العربية الأمازيغية الدافئة الواسعة، إنه الشاعر والكاتب أحمد عاشوري المُبدع الذي لم يتوقف أبدا عن الكتابة كما حدث مع كثيرين جفتْ أقلامهم مبكرا فظلت الأوراق أمامهم صماء بيضاء حائرة ؟

إذ منذ صدور ديوانه الأول “البحيرة الخضراء” سنة 1980 وهو مقيمٌ في فضاء الإبداع الفكري والأدبي منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، فهو بحق واحد من أبرز الشعراء والكتاب الجزائريين والعرب، ودواوينه الشعرية وأعماله القصصية التي دأب على إصدارها سنة بعد أخرى أصبحت بمثابة مكتبة تتعدد عناوينها كما تتعدد مضامينها لكنها تشترك  في حقيقة أنها تُمثل في مجموعها مرافعات حارةً راقيةً من أجل الطبيعة، وانحيازٌ مطلقٌ للثورة، وتفاعل دائم مع الشهداء، وغناء لا يتوقف عن  تضحيات الرجال والنساء، نعم، شدوٌ وغناءٌ وتوثيقٌ لا يتوقف أبدا فعندما يتعلق الأمر بالثورة الجزائرية المجيدة فالشاعر والأديب أحمد عاشوري حاضرٌ متحفِّزٌ على الفور، فهو يقدم منذ أكثر من عشر سنوات عبر أمواج إذاعة قالمة الجهوية برنامجه المشهور” صوتُ الجبالِ” الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من اهتمامات الرأي العام وقطاع عريض من المثقفين والأكاديميين، والميزة الأساسية لبرنامج صوت الجبال هي إخراج تاريخ الثورة وبطولات الرجال والنساء، وجرائم الاستعمار، وخيانة الخائنين من الدائرة الأكاديمية المغلقة إلى فضاء الأثير الواسع ليكون التاريخ بكل حُمولاته وتداعياته وإيحاءاتهِ محل نقاش وتحليل بعيدا عن التَّعالمُ والاستعلاءِ المعرفي وبمنأى عن التحفظات التي مضى وقتها، وهي الميزة الأساسية أيضا لإبداعات أحمد عاشوري التي تحاول أن تلامس ببساطة ساحرة عظمة الإنسانِ وهُمومهِ كما هواجسهِ وسقطاتهِ، والحقُ الذي يجب أن يُقال أننا لا نجد إلا قلة قليلة من الشعراء الجزائريين الذين كرسوا فنهم وقدراتهم للطبيعة بكل تفاصيلها كما فعل شاعرنا، فالوديان والنباتات والزهور والأشواك والطيور والفراشات، البحر والجبال والغابات وأشجارها وإلهاماتها المتنوعة، القُرى والأرياف بأسرارها وأوليائها كل ذلك تجده مصاغاً ومعبراً عنه في قصائد شعرية ونصوص نثرية تحترم اللغة وتستنطق خفايا الكلمات وأسرار الحروف، ضمن وصف جدلي تفاعلي يجعل من أشياء الطبيعة الموصوفة كائنات حية ناطقة متفاعلة مع الحياة و الوجود، ومدركة لتبعات الحياة بكل ما فيها من جمال وحب ومعاناة، ففي ديوان”حب الرمان ومروج السوسن البعيدة ”  نجد أن شجرة الدفلى تتحدث إلى النهر متسائلة :

الدفلى قالت يوما للنهر

ماسَّر الطعم المر؟

و الزهر

المتفشي في جسدي

قال النهر الجاري:

ما سِّر ضياعي في البحر؟

فاستفسار شجرة الدفلى عن أسرار تكوينها ، أثار  في النهر بدوره السؤال عن مصيره الذي ينتهي في البحر، بما يشبهُ الضياع ، وشجرة الدفلى شجرة ذائعة الصيت ولها حضور راسخ في الثقافة الشعبية و تنبتُ في الأودية، وتتميز  باخضرارها الدائم و أزهارها الجميلة الوردية اللون، لكنها مرة الطعم ورحيقها قاتل في حالة امتصاصه من طرف شخص ما.وهنا نقف على جدلية الجمال والاخضرار الدائم كمظهر خارجي يسر الناظرين، وحقيقة الموت الساكن في رحيق الأزهار كقوة كامنة تتربص بمن يتجرأ على تجاوز مرحلة النظر إلى الجمال إلى مرحلة انتهاك حرمته عبر امتصاصه مثلا..!

وإذا كان هذا شأن شاعرنا وأديبنا مع الطبيعة، فإن شأنه مع الثورة الجزائرية أعظم وأجل إذ أن أعماله الشعرية ونصوصه الأدبية كلها لا تكاد تعتقد أنها ابتعدت عن موضوع الثورة حتى تكتشف أنها ما ابتعدت إلا لتعود برؤية جديدة، أو بقصة من قصص الوفاء و التضحية، إنما يبتعدُ أحمد عاشوري عن الثورة ابتعاداً إبداعياً إن صح التعبير، مثل العاشق الذي يحمل نفسه حملاً على مفارقة حبيبته ظنا منه أنه يملك الشجاعة والقدرة على فعل ذلك، ليعود أكثر شوقا وتشبثا بها بعد أن يكتشف صعوبة بل استحالة الابتعاد والحقُ الذي يجب أن يقال أيضاً أننا لا نجد إلا قلة من الشعراء في الجزائر اليوم ممن لا يزالون يواصلون الغناء للثورة الجزائرية كما يفعل شاعر الطبيعة والثورة الذي يُعَدُّهُ أحمد عاشوري، الذي عندما تقرأ كتاباته الشعرية أو النثرية عن الثورة فإنك يقيناً لن تكون بصدد تاريخ مضى أو قصة من زمن ما، بل إنَّك واجدٌ نفسك تعيش الثورة وكأنها فيك أو كأن الثورة لا تزال هنا وهناك تحرِّكُ المدن والقرى، وتهز الجبال والسهول، وأنت مطوقٌ بعبيرها وتُصغي لصوت الرصاص، وزغاريد النساء، وبكاءُ الفرحةِ والوفاءِ، ولسنا نبالغ أبدا إذا قلنا أن الشاعر العظيم مفدي زكرياء  إذا كان هو شاعر الثورة خلال الثورة فإن أحمد عاشوري هو من بين ألمعِ شعراء الثورة بعد الثورة، ويكفي أن نستعرض في هذا المقال المختصر بعض العناوين التي صدرت له سنة2017 وهي: أوجاع زهار الجزائري ( شعر) زُمَّجُ الماء في زيامة منصورية( نصوص) عرش بني مزلين أو الأرض الحمراء (تاريخ)، سُطوح الإيدوغ (نصوص ) أغاني الجبال ( شعر شعبي ثوري مجموع )، فأحمد عاشوري معروف بنظم الشعر وكتابة النصوص الأدبية، لكن الجديد هو اقتحامه عالم الكتابة الروائية برائعة “نوار زواوة” التي تتناول الثورة الجزائرية بجبال هوارة الواقعة في شرق ولاية قالمة، ورواية ” إبتسامة بابو” التي صدرت منذ أيام وهي تروي قصة أحد أبطال الثورة الجزائرية الذي عُرف بشجاعته الاستثنائية، وتنفيذه لعمليات فدائية استعراضية في قلب مدينة عنابة بغرض زعزعة وضرب هيبة السلطات الاستدمارية، وتقليم أظافر غلاة الكولون، وفرض كلمة الثورة في الميدان، وهذه المزاوجة بين الإبداع الشعري، والإبداع الروائي والأدبي يوجه عام تقودنا إلى الوقوف على مدى اتساع الأرضية الإبداعية التي ينطلق منها كاتبنا الذي وبعد مسيرة طويلة في عالم الشعر جاء إلى عالم الرواية بكل هدوء وسلاسة واقتدار خاصة وأنه يمتلك ناصية اللغة العربية امتلاكا، ويجيد الإبحار في عوالمها الثقافية المترامية الأطراف، ويعود بعد كل رحلة وهو يحمل ما يحمل من كنوز ومكتشفات وحكايات من الأزمنة القريبة أو الغابرة.

الثورة إذاً موضوع أساسي وجوهري لدى شاعرنا، ولكن ليست الثورة الجزائرية فقط فالكفاح التحرري للشعب العربي الصحراوي من أجل إفتكاك حقه في تقرير مصيره، والثورة الفلسطينية، والثورة الإيرانية كلها  كانت موضع ترحيب وإشادة فمثلا عند انتصار الثورة الإسلامية في إيران عاش شاعرنا هذا الحدث الكبير على المباشر وبكل جوارحه ومشاعره،واستحضر استحضارا إبداعيا وقائع التاريخ وتفاعلات الحاضر،وتطلعات المستقبل،ليُعلن تأييده الصريح وإيمانه القوي بثورة الشعب الإيراني بقيادة الإمام آية الله الخميني،ولأن القائد في مثل هذه الحالات يكون رمزا لاغنى عنه فالشاعر ينزل عند مقتضيات هذه الحقيقة مع  بداية القصيدة التي عنوانها : أصوات من إيران.

خميني..

خميني.

ويعني الخميني

قصيدة رفض

وغضبة رب

وسيفا يُعد لقطع أياد تمتد إلى جفنة الجائعين

لتمتص ريح اللقاح..من البذرة الكامنة

بأرض إيران الحبيبة

بأرض إيران الحبيسة

*  *   *

حسين يثور..

على ظالميه

على قاتليه

ومنه سناء -محمد- يفيض..

فتهوى عروش

ويُسحق ألف أمير

ويسقط كسرى الجديد

ليجعله شاعر

ذات يوم قصيدة

وعبرة

..لمن يعتبر

*  *   *

حسين يثور

..على سارقيه

يطاردهم

وعبر مدائن فارس

لتغدو قم الحبيبة

…شيرارز

نجوما جديدة

تُرصِّعُ

سماء إيران الجديدة

*  *   *

خميني

خميني

ويعلو الخميني

إلى رتبة العظماء

إلى رتبة الفاتحين

*  *   *

خميني

خميني

*  *   *

هذي ترانيم قافلة العائدين

خيول الإيمان تفكُّ الوثاق

خالد يعود

طارق يعود

أين المفر

*  *   *

صهيل الخيول يدوي

ويعلن..

نهاية عصر العناكب

نهاية عصر ملوك التحف

*  *   *

يصحو الخيام

يهشِّم كوزه

ويكتب آخر مقطع

..يطالب..بصحو غفاة البشر

لقد تعمَّدت أن أُورد هذه القصيدة كاملة، ليس فقط لأنها تعد بمثابة وثيقة تاريخية أدبية رائعة بل ولأنها توضح أيضا وبجلاء كيف تفاعل الشعراء في الجزائر وربما في أغلب أقطار الوطن العربي الكبير مع الثورة الإيرانية بكل عمق وعفوية تفاعلا أدبيا إنسانيا قبل أن يكون تفاعلا دينيا أو سياسيا، وأعربوا عن فرحتهم بنهوض الشعب الإيراني الذي قامت ثورته الكبيرة، بإسقاط نظام إمبراطوري جبار بطريقة سلمية،وأغلقت السفارة الإسرائيلية الضخمة في العاصمة طهران، واستبدلتها بمقر كبير لصالح الثورة الفلسطينية وقضيتها العادلة، وذلك كله قبل أن تظهر الفضائيات المفترسة المتقاتلة وتنشر سموم المذهبية والعرقية والتفرقة بين الشعوب العربية الإسلامية التي كانت موحدة إلى حد كبير في وقوفها ضد أعداء الحرية ومضطهدي قضايا الكفاح العادلة في كل مكان.

وكما أيد شاعرنا ثورة الشعب الإيراني ضد نظام الشاه الإمبراطوري، وقف إلى جانب الكفاح التحرري الذي انخرط فيه الشعب العربي الصحراوي ضد النظام الملكي في المملكة المغربية الذي كان هو الآخر-على غرار نظام الشاه- يستعين بالقوى الغربية والرجعية ليصادر حق الصحراويين في العيش بسيادة وحرية على أرضهم، يقول في قصيدة بعنوان” رسالة إلى الملك ” وذلك على لسان أحد المقاتلين الصحراويين:

رغم سمو جلالتكم سنمضي إلى الساقية

ندكُّ حصون الغرور ونُسقط أوهامك البالية

لتُقبر بين رمال الصحارى أكاذبك الواهية

وتذرو رياح السموم أمانيك الذاوية

ويصبح شايك سما- أتشربه ثانية ؟

برغم سمو جلالتكم ستشربه ثانية.

قطيع الملوك تحز رقابه سكينة قاضية

وكبش القطيع الثخين سيسقط في بركة دامية

وتغدو العيون فتعلن خطوتك الغاوية

وصوت الحقيقة يعلو ترافقه آية سامية

رغم سمو جلالتكم ستحمل همك في الشاشية

وأوراق مدريد[1]…كل سفاسفك الفانية

وتمضي تطوف بلادا..تطاردك اللعنة القاضية

ستصبح “شاه” كبيرا….ولكن بلا حاشية.

وتعرض هذه القصيدة- من ديوان البحيرة الخضراء- بعد ذلك لنماذج من معاناة أبناء الشعب العربي الصحراوي جراء احتلال أرضه ومصادرة حقه في الحرية والاستقلال والسيادة ككل شعوب العالم، وتنتهي القصيدة بالتأكيد على حتمية انتصار الشعب الصحراوي في كفاحه وثورته المسلحة كما انتصر الشعب الإيراني: ” ونغرس رايتنا..لدى ربوة عالية ” إشارة إلى علو كعب الثورة الصحراوية وسمو مبادئها وأهدافها الإنسانية النبيلة، واستحالة فشلها أو إلحاق الهزيمة بها..

وكأغلب الشعراء الجزائريين من جيل الشاعر أحمد عاشوري- من مواليد1953- فإن كفاح الشعب الفلسطيني بمراحله المختلفة يشغل حيزا كبيرا في ضمير الشاعر وهمومه وقصائده، وقد كانت الانتفاضات الفلسطينية المتتابعة، وحجارة أطفال فلسطين في مواجهة بطش جنود الاحتلال الصهيوني، مصدر إلهام وتقدير من لدن الشاعر، نقرأ في قصيدة ” سياحات رجل في الزمن الحجري[2] “:

السيد:

رفع السيد حجراً،ولم يكتب.

هذي المرة

ورمى الكتبة، والفريسيين..

قال: من يقدر أن يرفع حجرا فليرم هؤلاء

ولم يصمت

…رأيتُ مريم ترفع حجرا هي الأخرى،

وترمي القتلة.

نزل السيد من صليبه، وماقتلوه

كانت آثار المسامير في يديه.

رفع حجرا من ساح المدينة، ورمى هؤلاء

مضى السيد إلى سروة..

في طرف الحقل

وهو مجهد،

لحقتُ به: كان جالسا، يداعبُ أقحوانة..

ويبتسم.

قرآن:

مررتُ في غبش الظلام بالمخيم.

كان ضوء، وصوت ينبعثان من كوة صغيرة

كان قرآنا عربيا

(..لا تحزن إن الله معنا )

فلاحة:

إلتقيت بفلاحة في الصباح.

سألتها ماذا تحملُ على حمارها، لم تجب.

كان شيئاً صلباً كحجارة الجبل.

غزة :

دخلتُ المدينة

قلت:عمت صباحا يا غزة هاشم

قبلتني بين عيني، وأعطتني حجراً.

أمام المدرسة الابتدائية:

وقفت على بوابة المدرسة الابتدائية

سألتُ طفلا حلو العينين…

اقرأ لي من أناشيدك

لم يُجب، وفتح محفظته

(كانت مملوءة بأشياء صلبة )

كان فيها معقال، وحجارة

أمر حكومي:

أصدر الطاغية أمرا يقول.

أوقفوا كل المحاجر.

العصر الحجري:

أوقفتْ زميلي دورية سألوه

إسمك يا هذا !

قال: حجر

قالوا:ما اسم أبيك،قال:صخر

قالوا من أين جئت ؟

قال: من العصور الحجرية.

وأُبَشِّر بالعصر الحجري الأعظم !

من العهد الجديد:

مضى السيد إلى سروة،في طرف الحقل

لحقتُ به:كان جالسا يداعب أقحوانة..

ويبتسم.

إن قراءة سريعة لهذه القصيدة تُرينا إلى أي درجة وصل إليها ارتباط الشاعر بفلسطين أرضا وتاريخا ونضالاً وإصراراً على الصمود والمقاومة التي إن لم تتيسر بالرصاص، فإنها ستكون متاحة بالحجارة، وإن تعب الكبار من مقارعة الاحتلال وظلمه، فلا بأس أن يتنحوا جانبا ليتولى الأطفال مقارعته بالحجارة إلى أن تتهيأ ظروف نضالية أفضل، ولاشك مرة ثانية أن هذه القصيدة تخبرنا بجمالٍ وصدقٍ وإخلاصٍ منقطع النظير إلى أي مدى هم الفلسطينيون متجذرون في أرضهم، وصامدون في صلابة تشبه صلابة الصخر القادم من أعماق التاريخ، والذي يرفض أن يكون جزءً من الماضي فقط  ويصِّرُ على أن يكون جزءً من حاضر فلسطين ومستقبلها، وشاهدا على تمسك أهلها بأرضهم رغم أرزاء الدهر، وصروف الأيام وقسوة الأعداء وإصرارهم على الظلم والحيف، وسعيهم إلى طمس الشواهد وتزوير التاريخ الذي نعرف منه مثلا أن التوراة نفسها تعترف بأن الفلسطينيين موجودين في فلسطين قبل ظهور موسى عليه السلام.

الشاعر إذا مغرم بالثورة عاشق لها غارق في الشدو بها والغناء لها، الثورة كثورة، باعتبارها تجسيدا للإرادة الجديدة، وانتصارا للأمل المنبثق من عمق الألم و المعاناة، وتحدٍ لجور الظالمين وحيف الأيام، وليس مُهما بعد ذلك أن تُسمى الثورة فلسطينية أو صحراوية أو إيرانية أو جزائرية.

  وعلى سبيل المثال نتوقف هنا عند إصدار ” أغاني الجبال ” الذي تولى الأستاذ من خلاله جمع وتسجيل اثنتين وعشرين قصيدة شعبية كانت تُغَنَّى خلال الثورة الجزائرية بمختلف نواحي قالمة، وقد افتتحه بــ” نظرية الشعب الشاعر” التي أشار فيها إلى تلك اللحظة التاريخية البعيدة عندما كان الشعب الإغريقي يكتب ويبدع الأغاني ليمجد أبطاله وانتصاراته، وتوارى الشاعر الفرد لمصلحة الشعب الشاعر، ودون الاهتمام بعد ذلك باسم من توقع القصيدة ، وهكذا نجد أن الشعب الإغريقي غنى وأنشد وهوميروس جمع ونقَّحَ ووثَّقَ، فالشعب ليست مُهمتهه أن يجمع ويوثق بل مهمته أن يُغني ويتغنى، وهي الحالة التي عاشها الشعب الجزائري بفضل الثورة التي فجرت في داخله روح الشاعر، وهكذا تحول الشعب الجزائري من شعب ثائر إلى شعب شاعر، وأصبحت القصائد تُؤلفُ في كل مكان وصار بمقدور كل فرد من الشعب أن يكتب قصيدة، فكانت القصائد والأغاني كما العمليات الثورية التي انفجرت على أرض ثائرة، كل هؤلاء الناس نسوا أن يُوقعوا قصائدهم، ولنتوقف عند هذه الأغنية أو النشيد الشعبي،الذي يحمل عنوان، الجزائر عادت حية[3]:

كم أفكرُ في الجزائرِ أصبحت حية.

دمُ الشبان مقطر ويسيل في كل ثنية

انظروا الدمار الذي أنطق حتى الحمار

فرنسا تحرق في الدوار..وتقول أقبض على الجنود !

أنظروا، إنها تغدرنا بالطائرة

نحن عربٌ ولسنا نصارى

من عندنا جاءت الشجاعة.

هلال جديد معلق كهلال العيد

هو هنا ليس بعيدا معلق في كل ناحية

وهذه القصيدة الشعبية التي لا يعرف قائلها تسجل أن الجزائر قد عادت إلى الحياة وأن علامة هذه الحياة هي دم الشباب الجزائري الذي يسيل في مختلف الأرجاء، وهذا الدمار الذي يحاول الغزاة الفرنسيون من خلاله إرهاب الشعب الثائر، ووأد ثورته وسحقها، عبر حرق المداشر والدواوير والعدوان عليها بالطائرت والقنابل الحارقة ، ورغم الموت والدماء والدمار، فإننا نكتشف من مفردات هذه ” القصيدة الأنشودة “، الروح الجديد الذي يقف وراء ويُفسر عودة الحياة إلى الجزائر، إنه الوعي المنبثق، والثقة المستعادة، والإيمان المتصاعد بالذات الوطنية والحضارية، نحن عرب ولسنا نصارى، ويُخطئ من يفهم من هذه العبارة أن الجزائري يرفض الآخر المختلف عنه دينيا ويثور عليه تعصبا، كلا، فالإنسان الجزائري الشعبي يريد من هكذا عبارات أنه يرفض الاندماج، ولا يريد أن يصبح فرنسيا، وذلك بعد أن ذاق الويلات من الإدارة الكولونيالية المفترسة التي حاربته في دينه ولغته وعيشه وهويته وسعت طويلا إلى مسخه وتمزيق كيانه، إنها ثورة على الظلم والقهر، وليست ثورة ضد دين مختلف والدليل أن الأنشودة تقول: نحن عرب- ولم تقل نحن مسلمون- ولسنا نصارى، فالعروبة هنا، تعني المقاومة، ورفض الاستسلام، والإصرار على استعادة الأرض الجزائرية لهُويتها الممحوقة تحت سنابك خيل الغزاة المعتدين، أما عن التضحيات المطلوبة لمواصلة السير على هذا الدرب العويص، فثمة رصيد ممتلئ ومفتوح لصالح القضية الثورية، فالهلال قد ظهر بهيا مبشرا بالخير كهلال العيد، ولكنه هلال يكمث طويلا ولايمر بسرعة، فهو ” معلق في كل ناحية ” والمهم أن يستمر الغناء في هذه الثورة المتفجرة،والمُفجِّرِة للواقع الاستدماري المُريع.

 ويختم الأستاذ نظريته حول الشعب الثائر الشاعر بهذه العبارات المؤثرة ” غنى الشعب الجزائري للثورة الجزائرية غناء مفعما بالبساطة اللذيذة والروح السلس، مما زاد في اشتعال أتون الثورة وتحولت الثورة إلى لحظة ألم، ألم الصديقين والشهداء، وهذا هو الذي أعطى للثورة الجزائرية هالة من القدسية، إذن فسقوط شهيد يعني لحظة فرح حيث تعلو الزغاريد ويبدأ الغناء ” ، وبعدها نقرأ مقدمة عن الأغنية الشعبية في منطقة قالمة أوضح فيها كيف أصبح الإنسان الجزائري منتشيا بالثورة وكأن الثورة ليست وسيلة إلى هدف بل هي غاية في ذاتها ! إنَّه ذلك الشعور الذي طغى على الكثير من الجزائريين إبان الثورة حتى أن هؤلاء الثوار كانوا يتمنون أن يموتوا ولا يهم إن حضروا أو لم يحضروا لتباشير الاستقلال معبرين بذلك عمَّا كان يردده القائد العظيم يوسف زيغود من أنه يتمنى أن لا يحضر للاستقلال ، وكأن الثورة فحسب هي الغاية، لكن الأستاذ يوضح لنا أن الزخم الثوري بمعانيه الفلسفية والإنسانية يجعل من الثور وسيلة وغاية في آن واحد، وتصبح الحرية بعدها تحصيل حاصل، مصورا لنا ذلك القلق الذي يسيطر على الإنسان وهو يخرج عود ثقاب ليشعل الفتيل ويمتد لهيبه إلى برميل البارود الذي سيدمر الأركان وينسفها نسفا ليجري البحث بعد الانفجار عن بناء أركان جديدة، فالثورة نسف وبناء للإنسان في كل مكان من هذا العالم الذي يرفض الاستكانة، فإذا كان الله يفجر الكواكب والنجوم، ينشرها في كل مكان ثم يجمع ذراتها ويخلق منها كواكب ونجوم جديدة، كذلك علماء النبات يوجهوننا أحيانا إلى ضرورة إشعال الغابة برُمَّتِهَا من أجل تنقيتها من الشوائب والطفيليات الضارة، وإعادة بنائها مرة أخرى، مؤكدا أن ” الإنسان يسعى دائما إلى الأهداف النبيلة ” ! وقد يكون من الصعب أن نسلم مع الأستاذ بسعي الإنسان الدائم إلى الأهداف النبيلة، أو بحجم ومدى المثالية التي أضفاها على علاقة الإنسان بالثورة، أو بأن هوميروس وُجدَ حقيقة وقام بجمع الإلياذة ، فهذه المسائل محل جدل عميق ويصعب الفصل فيها بالطريقة التي عرضها الأستاذ،لكن المؤكد أنك واجد لذة عميقة ومتعة فائقة،وإثارة فكرية جدلية، وأنت تقرأ الصفحات الخمس الأولى من هذا الكتاب، وذلك قبل أن تشرع  في اكتشاف ألوانا ونماذجَ مثيرة من الشعر الثوري الشعبي في منطقة قالمة خلال ثورة التحرير.

ولعلنا بذلك نعرف أن الشعر لم يتوقف ولم يتخلى عن رسالته، ولم يُسْلِمْ قياده إلى فن الرواية التي يعتبرها البعض ديوان العرب الجديد الذي زحزح الشعر عن دوره القديم الأثيل الذي اشتهر به، وهو ما سنقف عنده بشيء من التفصيل في مقالات قادمة بإذن الله.

 كاتب جزائري

[1] -إشارة إلى إتفاق مدريد في 14نوفمبر1975بين كل من المغرب وإسبانيا وموريطانيا لإقتسام السيطرة والمصالح في الصحراء الغربية.

[2] – من ديوان حب الرمان ومروج السوسن البعيدة.

[3] -الشاعر قام بوضع صيغة فصيحة مقابل الصيغة الشعبية، لكننا نكتفي هنا بإيراد الصيغة الفصيحة وهي لاتختلف كثيرا عن الصيغة الشعبية.

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. بصراحة لم أكن أعرفه. كل الشكر للأستاد فوزي. كدبت يوم قلت أن الأقلام الجزائرية ماتت.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here