فوزي حساينية: ليبيا بين عبث الجماعات المسلحة.. وإستراتيجيات القوى الغربية..  “والحل هو…”

فوزي حساينية

إن ما حدث ويحدثُ في ليبيا منذ سنة 2011 يقفُ دليلا واضحا على العبثية والطيش والتلاعب اللامسؤول بمصير الوطن، عندما يجري الإِقدام على المساعدة على تدمير دولة قائمة بحجة الانتفاض ضد الظلم، والسعي نحو الديمقراطية من طرف جهات وجماعات لم تُقّدِّر بشكل سليم عن قصد وإصرار أو عن جهل وغباء خطورة اللعب مع قوى أجنبية لها أهدافها ومصالحها الإقليمية والدولية التي لا يمكن لها أن تضحي بها في سبيل المثاليات التي عادة ما يجري توظيفها كشعارات وعناوين للاستغلال السياسي لا أكثر،خاصة عندما تجد تلك القوى الغربية المتربصة من يتعاون معها من  داخل الأوطان المستهدفة ذاتها، ومن يمهد لها الطريق ويوفر لها الغطاء السياسي بل ويدعوها لغزو الوطن، وضرب جيشه ومؤسساته، وهذا ما فعلته بالضبط  الكثير من أطراف المعارضة في ليبيا كما في سوريا ، معارضة لا يُغير من حقيقة تواطئها ضد الوطن واستعدائها للقوى الأجنبية عليه ، كونها تتدثر مرة بغطاء الدين، ومرة بغطاء الديمقراطية والعلمانية، فهذا لايُغير من واقع الأمور شيئا ، فالمعارضة التي تسمح لنفسها بالتعاون مع أعداء الوطن ضد الوطن، وتحمل السلاح ضد جيش الوطن، هي معارضة عدوة للوطن، وألعوبة في أيدي أعدائه، وخائنة للشعب وأجياله الصاعدة، إذ أن حمل السلاح ضد الوطن لا يمكن تبريره على الإطلاق،سواء بفساد الأنظمة أو لا ديمقراطيتها ولا أي شئ من هذا القبيل، فالثورة الإيرانية أسقطت نظام الشاه الإمبراطوري دون أن تحمل السلاح ضد الجيش ولا ضد الوطن.

  ولذلك فإنه إذا كانت الرغبة في التغيير، وتعزيز الحقوق الديقراطية، أمراً مشروعاً ومطلوباً، فإن الطريق إلى ذلك هي بالنضال السلمي، وليس بالهجوم على الوطن وتدمير مدنه وتشريد أهله، وفتح أبوابه للغزاة من كل حدب وصوب ثم بعد أن تطول الأزمة ويظهر حجم الجريمة في حق الوطن والملايين من أبنائه، تأخذ المعارضة في الشكوى من قلة المساعدة، وعدم القدرة على إرساء السلام ، ولا حتى الوصول إلى أبسط اتفاق من أجل الصالح العام، لأن المعارضة لديها زعماء كثيرين، وكل واحد منهم يريد أن يكون هو سيد الموقف، ولا يفكر في تقديم أدنى تنازل، بل ويسعى كل طرف إلى الارتماء في أحضان هذه الجهة أو تلك ليستعين بها ضد أبناء الوطن الآخرين، وهكذا تتعقد الأوضاع ، وتُنشب الذئاب أنيابها في جسم الوطن الجريح، وتصبحُ مهمة إنقاذ الوطن، وتخليصه من قبضة الطامعين أشد صعوبة، وأكثر كلفة ومشقة، كل ذلك ماكان ليكون لو أن المعارضة فكرت في الوطن قبل أن تفكر في السلطة وأطماعها، قبل أن ترمي بنفسها في أحضان فرنسا وأنكلترا وأمريكا، ومن يشبههم من العرب وغير العرب….

وبالفعل فإن مراقبة ما تقوم به الجماعات المسلحة من عبث وضرب لاستقرار ليبيا ، وبالتالي إطالتها لأمد ومعاناة الشعب الليبي تثير في نفسية المرء آلاماً مُمِضَّة، ويزداد عمق ودائرة الألم عندما نعلم أن كل جماعة من هذه الجماعات تتبع جهة أجنبية تتلقى منها الدعم ، وتنفذ أجنداتها على حساب أمن واستقرار ومستقبل الشعب الليبي. ووسط عدم مبالاة ما يُسمى المجموعة الدولية التي تعمل العديد من أطرافها في الحقيقة على استمرار وعلى إطالة عمر الأزمة في ليبيا ،لأن ذلك يخدم مصالح إستراتيجية لأوروبا – وقوى أخرى- فإضعاف ليبيا والمنطقة المغاربية ككل يندرج ضمن الأهداف الأساسية لعدد من القوى الأوروبية على وجه التحديد، وإلا فكيف نُفسر أن حكومة السيد فائز السراج ورغم أنها قد حازت على الاعتراف الدولي، ومع ذلك فالمجتمع الدولي لم يقم بما يلزم لدعمها وتزويدها بالحد الأدنى  من السلاح ! بل إن الحظر لايزال ساريا على الجميع بما فيه الحكومة المعترف بها دوليا ، أي الحكومة الشرعية ، فما هي فائدة الاعتراف الدولي إذا كان لا يشفع  ولا ينفع حتى في مسألة رفع الحظر على السلاح ؟

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ونحن نشاهد مايجري في ليبيا من تدمير لمكتسبات الشعب الليبي، ومن تدخلات الدول الأجنبية التي حولت ليبيا إلى فريسة لأطماعها ومشاريعها التي هي بالضرورة على حساب الشعب الليبي ومستقبل أجياله الصاعدة، وفي  غير صالح المنطقة المغاربية ككل، السؤال الذي يطرح نفسه ونحن نشاهد كل ذلك ، أين هم أبطال “الثورة” في الداخل والخارج ؟ أين هم أُولئك الشيوخ “العلماء” الذين ظهروا في مختلف الفضائيات وأفتوا بضرورة وشرعية الجهاد ضد الدولة في ليبيا، وبأن قتل القذافي  الديكتاتور الطاغية واجب شرعي ؟  أين هم مسؤولو الجامعة العربية الذين استخدموا اسم الجامعة العربية لكي يشرعنوا عدوان حلف شمال الأطلسي على بلد عربي بحجة حماية المدنيين، أليس من المفروض أن يُقدم أمثال هؤلاء إلى المحاكمة جراء ما اقترفوه  في حق الشعب الليبي ودولته ؟ أين هو رئيس المجلس الانتقالي  السابق،المستشار مصطفى عبد الجليل الذي طالما صال وجال في مختلف عواصم العالم، خاصة باريس ساركوزي طالبا تدخل الدول الأجنبية لمساعدته على إنقاذ بلده ؟ نعم أين هم ؟ لماذا لا يتدخلون ويتحملون مسؤولياتهم إزاء الواقع الليبي الراهن ؟ أم أن المهمة كانت تنحصر في إنهاء وجود الدولة في ليبيا لتُترك بعد ذلك نهبا للأهواء والمصالح المتصارعة ؟ لهذه الأسباب ، أعني بسبب النواجم الوخيمة التي تخلَّفت عما سُمِّي بـــ” الربيع العربي ” لا يمكن أن نصدق أن ما حدث كان ربيعا، ولا ثورة، ولا حتى انتفاضة جماهيرية واعية، لأن يد الفاعل الأجنبي كانت حاضرة وفاعلة، ولأن عامل الدين جرى استغلاله بصورة شنيعة، تماما كما حدث في الهجوم على سوريا ، ومن هنا الدرس الذي يجب أن نحفظه جيدا، وهو ضرورة توعية الجماهير العربية بأن يتعلموا كيف يفكرون كمواطنين وليس كرعية يقوم تجار الدين باستغلالهم، وتضليل عقولهم، والتلاعب بمشاعرهم، وهذا الذي نؤكد عليه من حتمية النهوض بالوعي السياسي والوطني لدى المواطن العربي، لايجب أن يُنسينا أبدا أن هناك حاجة ماسة للنضال من أجل تكريس الوعي بأهمية الديمقراطية، والتداول على السلطة، وتعزيز دور القانون، وتعميم الشفافية في تسيير الشأن العام، والحد من هيمنة الطبقات الطفيلية الفاسدة على مصير ومستقبل الوطن،أي وضع آليات واتخاذ إجراءات سياسية وإدارية لإنقاذ الأوطان من براثن البورجوازية المزيفة التي أفرزتها ممارسات السنوات الماضية في مختلف أنحاء الوطن العربي، بعد سقوط مشاريع النهوض الوطني والقومي التي كانت قيد التنفيذ سابقاً. 

 – ولنلاحظ جيدا أن أهم ما تهتم له الولايات المتحدة هو استمرار تدفق النفط في حين تتصارع كل من فرنسا وإيطاليا-فضلا عن المصالح الاقتصادية- على تنفيذ مشاريعهما التي لا نعرف عنها إلا القليل ففرنسا مثلا تعمل من أجل التأسيس لمشروع انفصالي في الجنوب الليبي على غرار ما حدث في جنوب السودان ، والغاية هي تعميق الشرخ بين إفريقيا ومحيطها العربي، وهو مشروع عزيز على مُخططي ودهاقنة الاستعمار الجديد، كما أن فرنسا ترمي بالتحديد إلى ضمان أن يندرج الجنوب الليبي مستقبلاً في دائرة نفوذها الواسعة في الصحراء الكبرى، التي تأخذ فرنسا منها الذهب والبترول واليورانيوم، وتمنحها مقابل ذلك اللغة الفرنسية، والتدخل العسكري، والخلافات السياسية، والانتقاص من السيادة، وحماية الساسة الفاسدين. 

 – ولكي نفهم ونتأكد من أن القوى الغربية تعمل على إبقاء الوضع في ليبيا مضطرباً لأطول مدة ممكنة ، يكفي أن نلاحظ عدد الدول التي تجنَّدت للعدوان على ليبيا سنة 2011 والسرعة التي عملت بها مختلف الهيئآت الدولية والإقليمية مثل مجلس الأمن والحلف الأطلسي والجامعة العربية وعدد آخر من الدول الأوروبية والعربية، في سياق الحرب على الدولة الليبية…أما الآن فإن الدول أو الهيئآت الدولية والإقليمية التي تتظاهر بالعمل على مساعدة الليبيين على الخروج من الأزمة تعمل ببطء شديد وتأخذ كل وقتها، لأن حل الأزمة الليبية من وجهة نظرها ليس بالأمر المستعجل، فتبا ثم تبا لما يُسمى  بالربيع العربي الذي أتاح لقوى البغي والعدوان الدولية أن تدمر الدولة في ليبيا وأن تقود هذا البلد الشقيق إلى أن يصبح تحت رحمة ثلاث حكومات متصارعة وعشرات الجماعات والعصابات المتقاتلة.

 ولا يجب أن ننسى أولا أن أحد أهم الأسباب التي عجَّلَتْ بالعدوان على ليبيا هو مشروع البنك الإفريقي، والعملة الإفريقية التي كانت بصدد التأسيس كبديل لإفريقيا عن العملات الأجنبية وخاصة الدولار، أما فرنسا فإنها أرادت القضاء على التوسع الاقتصادي والمالي الليبي في إفريقيا وهو الأمر الذي كان يهدد بزعزعة أسس الاستغلال والنهب الفرنسي الدائم لثروات عشرات الدول الإفريقية كما لا يجب أن ننسى ثانيا أن الحرب الأطلسية على ليبيا سنة 2011 كانت في جوهرها ومراميها حرباً حضاريةً، والباقي كله تفاصيل تتكرر في كل مراحل التاريخ وتقلباته.

–   والواقع أنه دون القضاء – بالمعنى العسكري والسياسي- على الجماعات المسلحة ابتداء بقطع صلاتها مع القوى الأجنبية التي تُمولها لن يكون هناك حل في ليبيا، وهذا يتطلب قبل كل شئ ظهور قوة وطنية ليبية مستقلة في قراراتها عن قوى الشر من العرب والعجم، هنا يكمن التحدي، ومن هنا تكون البداية الصحيحة للحل المأمول.

 والجزائر فيما أعتقد تستطيع أن تقدم الكثير للأخوة الليبيين خاصة فيما يتعلق بإعادة بناء جيش وطني ليبي، يكون بمثابة الدرع الذي يحمي ليبيا الجديدة وهي تُعيد إعادة بناء نفسها، نعم الجزائر يمكنها أن تساعد الليبيين إذا ما أمكن إيجاد أو ظهور قوة وطنية ليبية مستقلة في رؤيتها وإرادتها، وتتوفر على عزيمة نهائية لإعادة ليبيا إلى الشعب الليبي، بعيدا عن الأوصياء المزيفين، و الأصدقاء الطفيليين، والوسطاء المتخاذلين.

كاتب من الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here