فوزي حساينية: في جدلية الشعر والثورة.. الجزائر أُنموذجا

فوزي حساينية

“مع تحية خاصة لأشرف العرب في زمن اللاعرب”

برز في السنوات الأخيرة تيار واضح وارتفعت معه أصوات قوية تدعو إلى العمل على دراسة وإبراز العلاقة بين الشعر والثورة كقضية أو مهمة أدبية فكرية تستأهل كل عناية وتستحق كل حرص واهتمام ، وهي دعوة صائبة واهتمام مشروع، لأنه إذا كانت العلاقة بين الشعر والثورة عموما علاقة مثيرة للفضول والنقاش والجدل فإن هذه العلاقة على أرض الجزائر تكتسي صبغة خاصة وطابعا فريدا متميزا يجعل منها ظاهرة أكثر عمقا وثراء واستحقاقا للتوفر على دراستها واستجلاء مختلف جوانبها[1]، ذلك أن الشعر والثورة في التاريخ الجزائري وعلى الأرض الجزائرية قد وُلدا من رحم المعاناة وانبثقا انبثاقا من صميم الآلام وتكاتفا على دعم وتقوية الروح الوطني،وكانا شاهدي عدل- إن صح التعبير- على أن جدلية الشعر والثورة أي نوعية وحجم التأثير المُتبادل بينهما، من أكثر الجدليات إثارة للقلوب واستحواذا على الأذهان وتأثيرا في التاريخ الإنساني عامة، والتاريخ المغاربي خاصة[2]، فعبر أزمنة وعصور قد لا يطالها الحصر في تاريخ مغربنا الكبير كان الشعر ثورة وكانت الثورة شعرا،وكيف لا يكون الشعر ثورة أو نوعا من أنواع الثورة بما تضمنه من مشاعر وعواطف متباينة متفاعلة وبما حمله من ذكريات الهزيمة والانتصار وبما حواه من دعوة قوية مستمرة إلى تحرير البلاد والانتقام للعزة المهانة والشرف المستباح؟وإن أيسر إطلالة على الشعر الذي سبق الثورة بعشرات السنين يرينا بوضوح كيف يمكن للشعر أن يكون ثورة أو على الأقل لونا من ألوانها الكثيرة المتجددة، ويكفي لذلك أن نعيد قراءة القصيدة السينية الشهيرة التي خلَّد فيها الشاعر محمد العيد آل خليفة معاناة الجزائريين من بطش ووحشية الدولة الاستعمارية،في الثامن ماي ألف وتسعمئة وخمس وأربعين[3]، لنجد أنها تنضح بتنبؤات قوية عن الغضب الثوري المستعر من وراء الهدوء والصمت، ومثلها الكثير من قصائد الشعر الشعبي المنسية.[4]

     وليس أمام المرء إلا أن يزداد اقتناعا وإعجابا بثورية الشعر عندما يلاحظ كيف أصبحت علاقة الشعر بالثورة أثناء الثورة التحريرية الكبرى على سبيل المثال أكثر عمقا ومتانة وإيحاء، وكيف أصبح الشعراء يعيشون الثورة لحظة لحظة، ويخلِّدون انتصاراتها ويأسون لهزائمها ويُحفزون النفوس على الصمود والوثوب على الأعداء الذين أذلوا أمة بأسرها وساموها كل صنوف التعسُّف والظلم والجبروت،ويدعمون روح الجماعة في معركة القدر والمصير.

         والإيمان بقضية مشتركة بين الشاعر ورجل الثورة هو الذي دفع بأحد قادة الثورة ومن قلب اللهيب والمعارك، وهوالقائد الشهيد عبان رمضان إلى أن يطلب من الشاعر الثائر مفدي زكرياء أن يقوم بوضع نشيد للثورة التحريرية، فيسارع الشاعر الشاب إلى الإجابة وفي ليلة واحدة تتفجر قريحته عن واحد من أروع وأعظم الأناشيد الثورية الوطنية في العالم [5]، أهي العبقرية النادرة ؟ أم هو الإلهام اللدني ؟ أم أن قداسة القضية تفعل فعلها في أفراد معينين؟ وليس مهما أن نعرف الجواب وإنما المهم أن نلاحظ أن البطل عبان رمضان رجل الرصاص والتخطيط والنار لم ينس وهو في قلب اللهب المستعر أن الشعر جزء من روح الأمة، وبالتالي يجب أن يكون جزءا من معركتها الكبرى، وبالمقابل نجد أن مفدي زكرياء وفي خضم المعمعة ودوي القنابل،ودفقات الدم المتفجر من القلوب والأجسام من حوله لا يستهين بشاعريته أي بقداسة الكلمة، فكان هذا الإيمان بالذات وبقوه الكلمة أداة فعالة لاندماج الشاعر في الثورة وارتباطه الأبدي بها ، فهو شاعر الثورة الأكبر لأنه عاش  بها ولها صادقا وعبَّر عنها وخدمها أكثر مما فعل أي شاعر آخر، وهكذا كان هذا الإيمان الصادق المشترك والتواصل الحيوي بين رجل الشعر ورجل الثورة انتصارا للقضية برمتها ورمزا للتعاضد بين قادة الشعور والفكر وقادة الشعوب والثورات في لحظات الحسم التاريخي، والإيمان بأن الثورة الجزائرية ثورة من أجل الكرامة العربية[6] هو الذي جعل الفنان المصري الراحل محمد فوزي يمنح نشيد الثورة الجزائرية ذلك اللَّحن الذي يهزُّ الضمائر، ويخترق شغاف القلوب، ويُشْدِدْ من عزائم الثائرين في  مقارعتهم للنظام الإستدماري البغيض ومؤسساته وعملائه،ومخططاته.

وبالمقابل كيف لا تكون الثورة شعرا وقد أنجبت من آيات الإخلاص والفداء والتضحية الواقعية ما يقارب أو يجاوز أسمى آيات الخيال الشعري، واشتملت على ما يقارع أروع ما قاله الشعراء من بنات أفكارهم وأحلامهم وما صاغوه من صميم مشاعرهم ومعاناتهم، وأيّة قراءة متفحصة يقوم بها المرء في بطولات الأفراد والجماعات خلال الثورة التحريرية الكبرى ستجعله يقف مشدوها مبدوها أمام نماذج وصور من الصمود الأسطوري الذي يبرز كأروع ما يكون الوضوح القدرات الكامنة في الإنسان الجزائري والتي تُعرب عن وجودها عندما  يستنقذ نفسه من أنانياته الصغيرة ويُخلص عقله وقلبه لقضية قومية كبرى، مثل قضية التحرير الوطني..

ومن هنا نستطيع أن نفهم جيدا ما أعلنه العديد من الأدباء والشعراء من أنهم لم يكتشفوا ذواتهم ولم يشعروا بإنسانيتهم كاملة إلا عبر انخراطهم في معارك شعوبهم بانتصاراتها وانكساراتها، ونفهم أيضا كيف أن شعراء متميزين كتبوا قصائدهم وأناشيدهم الثورية الوطنية بدموعهم ودمائهم وهم في غياهب السجون، وكيف أصبحت تلك القصائد والأناشيد تُردد في أعالي الجبال وساحات الوغى والمنون، بل وأصبحت عنوانا على خلود الأمة ونبل معدنها وجدارتها بالحياة الحرة الكريمة..وهكذا الشعوب والأمم تحتاج دائما إلى الشعراء والأدباء حاجتها إلى الساسة والقادة، ومن خلال التفاعل بين الفئتين يولد  الرجال والنساء الذين يقودونها إلى مضارب التحرر والازدهار عبر منحها القدرة التاريخية والأهلية الأخلاقية للتجاوب مع قدرها، وعلينا أن ننتبه هنا إلى أن علاقة الشعر بالثورة لا تقتصر على مرحلة ما قبل الثورة ومرحلة الثورة نفسها بل هي تمتد إلى مرحلة ما بعد الثورة واسترداد السيادة الوطنية وربما كان شعر ما بعد الثورة أكثر عمقا وأنفذ غورا في مسارات الإبداع، وهو أمر بديهي بالنظر إلى اختلاف الظروف وتباين الأحوال،وهو ما يفسر أن شاعر الثورة مفدي زكرياء أبدع إلياذته الخالدة بعد سنوات من التحرر،وهو ما يفسر أيضا أن شعراء جزائريين كتبوا ولا يزالون إلى الآن يكتبون قصائد ودواوين بأسرها لا تتسم برقيها الفني واللغوي فحسب، بل وتتقد بوهج الثورة وروحها الجبار ولعل الشاعر الكبير محمد بن رقطان[7] من أبرز هؤلاء الشعراء وأكثرهم تفاعلا مع الثورة وإصداحا بصوتها القوي الهادر، أقول ذلك والكل يعلم حقيقة أن الشعراء الذين يغنون للثورة الجزائرية اليوم قليلون دون شك،فقد أصبح البحث الحثيث عن المرأة والحب الضائع والعيون الهائمة قضية القضايا في زمن اللاقضية، وأسارع إلى القول أنني لا أقلل أبدا من شأن الأحاسيس والمشاعر والهموم الشخصية في حياة الشاعر، لكنني أردت التوضيح فقط أنه لا وجود لشاعر كبير دون قضية كبيرة، ولا صيت  أو سمعة ذائعة لقضية ما دون شاعر كبير يتفاعل معها ويعيش لها… [8]ومع ذلك يجدرُ بنا أن نتساءل على ضوء المشهد الراهن، هل يعقل أن المقاومة البطولية، والصمود المذهل لمقاتلي حزب الله ضد العدو الصهيوني، لا تكون قمينة بغناء الشعراء، بحجة أن حزب الله شيعي المذهب، إيراني الولاء !؟وكيف يمكن أن يصدق المرء أن المقاومة الفلسطينية الأسطورية في وجه الكيان الغاصب، لاتكون جديرة بكرم قرائح الشعراء، بحجة أن حركة حماس تنتمي للإخوان المسلمين !؟ أي زمن عربي هذا ؟ والأدهى والأمر والأنكى من ذلك كله، أن هناك من يسعى دون كلل لكي يُوصم حزب الله، وحركة حماس، بوصمة الإرهاب !؟ يا إلهي، كيف يمكن أن يكون أشرف العرب في زمن اللاعرب، إرهابيين ؟ فأين أنتم أيها الشعراء ؟

     ولكن إذا كنا اليوم نفتقر افتقارا محزنا إلى الساسة الثوريين فهل يمكننا أن نأمل على الأقل في ظهور شعراء ثوريين، فلربما سيشكلون بنضاليتهم وكلماتهم وحرارة شعورهم البداية الصادقة والانطلاقة المأمولة، وهو ما يحثنا على الاجتهاد في إعادة بث وبعث قيم الثورة وإحياء مآثرها في القلوب والنفوس، وإلى تجديد الإيمان والثقة بدور الشعر والكلمة لدى الناس ولدى الشعراء أنفسهم…

                                                    إطار بقطاع الثقافة – الجزائر-

[1] – وينطبق هذا الكلام أيضا على العديد من الأوضاع المشابهة وخاصة كفاح ونضال الشعب الفلسطيني، والواقع أن هناك تشابها يقارب التطابق في المعاناة التاريخية من وحشية الإستعمار، وأعمال الإبادة العرقية والثقافية، وكذا قوة وعبقرية الصمود والمقاومة، وهذه المعاناة المتماثلة هي إحدى الأسباب التي تفسر الحساسية الخاصة للقضية الفلسطينية لدى الجزائريين، فهناك إدراك عميق للظلم والعدوان الذي عانى وبعاني منه الشعب الفلسطيني على يد الكيان الصهيوني، لذلك فإن أسوأ مفردة لدى الغالبية الساحقة من الجزائريين هي مفردة ” إسرائيل ” عندما تكون تعبيرا عن الكيان الصهيوني، وليس عندما يجري ترتيلها في القرآن..

[2] – التاريخ المغاربي هنا كجزء لايتجزأ من التاريخ العربي الإسلامي بصفة عامة، والتاريخ الإنساني بصفة أعم، فالهدف هو التركيز على جدلية الشعر والثورة في الجزائر كمثال، دون الوقوع في الحصر والغرور، فثمة شعوب كثيرة لها تجارب ملهمة مثل الشعب الفيتنامي، والشعب الفلسطيني،وتبقى لكل تجربة ثورية شعرية خصوصياتها وجمالياتها، وتميزاتها الإلهامية…أنظر ” أدب الحرب ” لحنا مينا، ونجاح العطار.

 -[3]القصيدة موجودة في ديوان الشاعر الموجود على الشبكة ويمكن تحميله ، ومما جاء في هذه القصيدة الحزينة المؤثرة، قول الشاعر :

  أأكتم وجدي أو أهدي إحساسي ** والثامن ماي جرحه ما له آسى

فضائع ماي كذيت كل مزعم لهم… ورمت ما روجوه بإفــلاس

ديار من السكان تخلـي نكايـة …. وعسفا وأحياء تساق لإرماس

وشيب وشبـاب يسامون ذلـة …. بأنـواع مكـر لا تحد بمقياس

[4] – آخر إصدار عن الشعر الشعبي الثوري صدر في الجزائر هو كتاب بعنوان ” أغاني الجبال ” من إصدار الشاعر والروائي الجزائري أحمد عاشوري- مذكور إسمه في معجم البابطين- عضو المجلس الأعلى للأداب والفنون والثقافة، وفي هذا الكتاب جمع الكاتب نماذج رائعة من الشعر الشعبي الذي واكب الثورة الجزائرية بتفاصيلها ، وآلامها، وإنتصاراتها، ببطولة المجاهدين والثوريين، وخيانة العملاء والفاسدين…

[5] – نشيد قسما، وهو السلام الوطني للجمهورية الجزائرية، وقد حاول البعض أن يُقنع الرئيس الراحل هواري بومدين بإستبدال هذا النشيد بنشيد آخر، مستغلين وقوع خلاف بين الرئيس والشاعر مفدي زكرياء، لكن الرئيس الراحل رفض بشدة هذا الإقتراح، وفي عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، نجحت القوى المعادية لمبادئ ثورة أول نوفمبر، في إزالة المقطع الشهير الذي يتوعد فرنسا بحلول يوم العقاب، ويدعوها إلى الإستعداد لتلقي جواب الشعب الجزائري، ولكن جرى إعادة المقطع فيما بعد، ليبقى نشيد قسما بكل هيبته وقوته صادحا في الأفاق والأرجاء، بكلماته الجميلة المهيبة، وبلحنه الفني المصري الرفيع….

[6] – من المعروف أن الثورة الجزائرية غنى لها وتغنى بها أكثر من ألف شاعر عربي، وهكذا أصبح بالإمكان أن نتحدث عن ديوان شعر عراقي، أو سوري، أو مصري، أو تونسي، في الثورة الجزائرية، فقد كتب مثلا الدكتور عثمان سعدي، سفير الجزائر السابق بالعراق كتابا عن الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ، وفي المقابل فإن مالا يعرفه البعض أن الشعر الجزائري قد واكب بدوره وناصر مختلف القضايا العربية بحماسة وتعلق مشهود، فالقضية الفلسطينية، والسورية، وتأميم قناة السويس، وكفاح تونس، والمغرب ، كلها قضايا تفاعل معها الشعراء الجزائريون، وإنحازوا لها، وناصروها..

[7] – شاعر وكاتب جزائري، له العديد من الدواوين الشعرية، وهو مشهور بقصائده المذهلة عن كفاح وصمود الشعب الفلسطيني والثورة الجزائرية، مذكور اسمه في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، وهو لايزال يبدع وينشط ثقافيا إلى الآن..

[8] – دون أن ينفي ذلك بطبيعة الحال، وجود شعراء آخرين، لكن هناك على الدوام شاعر يبزُّ الجميع، ويكون بمثابة العنوان الرئيس لهذه الثورة أو تلك…

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here