فوزي حساينية: الدَّرسُ القادم من شمال سوريا

 

 

فوزي حساينية

– كما سبق وأن حدث عدة مرات خلال القرن العشرين، هاهي القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، تستعد تارة للتخلي عن الأكراد في الشمال السوري، ومهدت لذلك بالتصريح الذي صدر منذ فترة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “إن دعم الأكراد مكلف جدا”، نعم ، بعد عدة سنوات من توظيف واستغلال ورقة ما يُعرف بــ”سوريا الديمراطية” كأداة لتغذية طموح النُخب الكردية الطامحة إلى إنشاء كيان انفصالي في الشمال السوري، تحت غطاء “الفدرالية” المزعومة، وبعد سنوات من احتماء مايسمى بـ “سوريا الديمقراطية” بقوة وحماية القوى الغربية ، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا …إلخ هاهي الأمور تأخذ وجهة أخرى ، بعد الصمود العظيم لسوريا جيشا وشعبا ونخبا وطنية واعية، وهو الصمود الذي أفشل كل الجهود والمخططات التي أرادت لسوريا مصيرا لم ترده هي لنفسها، وبالتالي أدرك الأمريكان أنه لم يعد مجديا ولا من مصلحتهم البقاء في سوريا، ولا مواصلة دعم من يسمون بــ” الحلفاء ” لأن ثمن البقاء صار مرتفعا ، كما أن كل التوقعات الإستراتيجية والحسابات السياسية والاقتصادية،قد انتهت إلى البوار، لكن الانسحاب الأمريكي من الشمال السوري قد يتأخر لبعض الوقت، لأن الإدارة الأمريكية مرتبكة حقا حول هذه المسألة الشائكة،فالانسحاب مشكلة والبقاء مشكلة، والتردد بين الانسحاب والبقاء مشكلة أخرى أشد وأنكى، لكن المؤكد أن أوراق اللعبة في سوريا تسقط الواحدة تلو الأخرى من اليد الأمريكية التي باتت تعاني من الارتعاش الدائم ومن عدم القدرة على إحكام القبضة، فعدم سقوط دمشق  كما كان مقررا له أن يحدث قد حدَّ من الغرور الأمريكي، وزعزع الثقة في قاعدة أن الولايات المتحدة عندما تريد تحقيق أمر في دنيا العرب فإنها تحققه بالضرورة.                                                                           

                                                   

– ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستناور سياسيا وإعلاميا وميدانيا إلى آخر لحظة وهي بصدد الإنسحاب من الشمال السوري، لكنها في الأخير وفي المدى المتوسط على أبعد تقدير ستغادر سوريا، وسيجد أكراد الشمال السوري أنفسهم في مواجهة الأمر الواقع الذي اختبروه عدة مرات خلال القرن العشرين ، وحتى في بداية القرن الواحد والعشرين، وهو أن قوى غربية قد أوهمتهم بالتحالف والدعم ، ثم تخلت عنهم عندما لم يعد منهم جدوى….

– أود هنا أن أوضح أنني لست عدوا للأكراد ، وأنني أتعاطف مع مطالبهم المشروعة التي تندرج ضمن الحقوق الأساسية للإنسان ، فهم شعب عريق وجدير بالتقدير والإحترام، لكنني لا أدعم إطلاقا نزوعهم الدائم إلى البحث عن الانفصال، خاصة عبر استغلال الظروف الصعبة لسوريا أو العراق… إلخ وأكره بحثهم الدائم عن التحالف مع القوى الغربية لتجسيد ما يعرف بـــ” الفيدرالية ” التي لا تعني في النهاية إلا التمهيد للانفصال، وتجربة إقليم كردستان العراق أفضل دليل عن الهدف الحقيقي من الفدرالية، وربما من حسن حظ العراق أن تزامن استفتاء كردستان العراق مع مشروع استفتاء إقليم كتالونيا في إسبانيا، وما رافق هذين الإستفتائين من ملابسات وظروف وتعقيدات إقليمية ودولية جعلت من غير الممكن أن ينجح أي من الإستفتائين، أقول: كان ذلك من حسن حظ العراق وإلا لوجد مشروع فصل شمال العراق طريقه إلى النجاح، وماكان سيترتب عن ذلك من انعكاسات مدمرة للوحدة الوطنية بالعراق وسوريا ولكن أيضا تركيا وإيران، فضلا عما سيطال دولا عربية أخرى من آثار وارتدادات قد تكون زلزالية…                                       .                                                                                                                                              

– التفاصيل كثيرة ، والجوانب التاريخية والسياسية والثقافية التي يمكن أن نثيرها هنا متعددة للغاية ، لكن لنكتفي بالقول هنا أن الدرس القادم من شمال سوريا أوضح من الواضح ومؤداه : أن سعي بعض مكونات الواقع العربي للتحالف مع القوى الغربية لن يكون مجديا على الإطلاق لأن الإستراتيجيات الغربية في جوهرها تنظر لهذه المنطقة الواقعة من المحيط إلى الخليج -بكل مكوناتها- كمنطقة واحدة ، يمكن استغلال خلافاتها وتوظيفها في حدود المقتضبات الإستراتيجية ، لكن أبدا لايمكن تكرار تجربة وقوف ودعم القوى الغربية والدولية والمساندة اللامشروطة والمطلقة التي قدمتها وتقدمها الحضارة الغربية بكل قوتها للمشروع الصهيوني، لا يمكن تكرار تجربة التحالف الغربي الصهيوني مع أي مكون آخر من مكونات الواقع العربي، أكرادا كانوا أم غيرهم، وذلك لأن للصهيونية قصة أخرى مضت العديد من فصولها ، ولاتزال هناك فصول أخرى قيد الإعراب عن مضمونها، الصهيونية ونموذجها التطبيقي ” إسرائيل ” ليست فقط رمزا لنجاح الحركة الصهيونية في التموقع في قلب الوطن العربي، بل هي رمز حي على استمرار تفوق وهيمنة الحضارة الغربية على الوطن العربي، و” إسرائيل ” هي تذكير دائم لنا كعرب بهذا الواقع المر، والحقيقة المؤلمة، نجاحنا في إزالة “إسرائيل” سيكون بمثابة توقيعٍ رسمي على إعلان نهاية هيمنة وتفوق الحضارة الغربية إزاء الوطن العربي، ولسنا في حاجة إلى التذكير أن القوى الغربية وقوى دولية أخرى لاتنتمي للغرب بمعناه السياسي والجغرافي المعروف ، ستفعل المستحيل هي الأخرى من أجل منع العرب من وضع حد لـ ” وجود إسرائيل ” لأن نهوض الإنسان العربي وتخلُّص الجغرافيا العربية من الخنجر المغروس في قلبها قد يتعارض بشكل مباشر أو غير مباشر مع الطموحات الإستراتيجية لكثير من تلك القوى الدولية والإقليمية.

 ولكن نهاية ” إسرائيل ” قد تكون أقرب مما يتصور الكثيرون، وقد يبادر البعض إلى التساؤل هنا ، ماهو دليك على ذلك ؟  والجواب ، أن الأمر لايتعلق هنا بالأدلة بمعناها البرهاني الإثباتي بل بالقراءة الجيِّدة لعدد من المؤشرات والشواهد المتنامية من داخل ” إسرائيل ” ومن حولها وفي العالم الأوسع، لكن في الطريق إلى اللَّحظة الموعودة ، لحظة نهاية ” إسرائيل ” على العروبة أن تراجع نفسها وتصحح أخطاءها لتكون قادرة على استيعاب كل مكونات الواقع العربي ضمن مشروعها المأمول، أي على العروبة أن تكون قادرة على أن تُقدم نفسها وأن تتصرف كـ ” قومية للقوميات ” وعندها سيكون التعامل مع التحدي الإسرائيلي ومشاريعه ومساعيه الدائبة لضرب وإضعاف الإنسان العربي تعاملا حاسما ونهائيا.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. إسرائيل هي رأس حربة التفوق الغربي على الوطن العربي و العالم الإسلامي و لولا ذلك لما تدخلت إسرائيل في شؤن الشرق الأوسط من شرقه إلى غربه و زعزعته عسكرياً واقتصادياً وإستغلت و حركت النعرات الطائفي لتدخل في الشؤن الداخلي لكل دوله لإضعافها و تحويلها لدول فاشله لكي تلعب و تدير الصراعات داخل كل دوله على حده و أقول في النهايه انه سيأتي اليوم قريباً ومع زوال الإحتلال الصهيوني الغربي سينهض الوطن العربي و بي كوادره العلميه و الإجتماعي سيفرض وجوده بكل قوه على الصعيد العالمي و تعيش الثقافة العربيه و التاريخ العربي المليء بالعلم والفن و احترام والمساواة بين البشر

  2. عندما تبدأ العمليات الفدائية ضد القوات الأمريكية المتواجدة في شمال سوريا وتكبدها خسائر في الارواح عندها سينسحب الغزاة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here