فوزي حساينية: البعد العالمي للثورة الجزائرية أو في حتمية الوحدة المغاربية وقفة بمناسبة الذكرى الثلاثين لإنشاء إتحاد المغرب العربي (1989-2019)

 

فوزي حساينية

   في السابع عشر فيفري2019 تكون قد مرت ثلاثون سنة على توقيع معاهدة مراكش(17فيفري1989) التي تمَّ بموجبها إنشاء إتحاد المغرب العربي في أجواء من التفاؤل الرسمي المُعلن، والحماس الشعبي غير المسبوق، ومما عزز من هذا التفاؤل والحماس حينها أنَّه في السنوات التالية لتوقيع هذه المعاهدة التاريخية المجيدة جرى الإعداد والاتفاق على حوالي ثماني وثلاثين اتفاقية تعاون وتنسيق بين الدول المغاربية المُنشئة للإتحاد المغاربي، وذلك في إطار ما كان يُفترض به أن يكون تجسيدا أو شروعا في تجسيد بنود معاهدة مراكش، ولكن كل الاتفاقيات التي تم صوغها وإعدادها وتوقيعها في مختلف المجالات بقيت حبرا على ورق كما يُقال عادة في التعبير عن الفشل وعدم الاضطلاع بتنفيذ ما أُتفقَ عليه، لتبقى معاهدة مراكش العظيمة سجينة الجمود والتجميد،ولتستمر الشعوب المغاربية في العيش وكأنها شعوب لا تتوفر على أية دوافع أو عوامل تدعو إلى وتحث على الوحدة المغاربية ! وهو واقع مأساوي دون شك، ولكنني أودُّ التوضيح هنا، أن فشل الإتحاد المغاربي في تحقيق أدنى تقدم أو نجاح على مدار الثلاثين سنة الماضية، لا يعني ولا يجب أن يعني، ولا يمكن أن يعني بأي حال أن فكرة الوحدة المغاربية قد فشلت أو انتهت كما يقول ويصرح البعض، وكل ما يمكن قوله ، أن إتحاد المغرب العربي كصيغة لتجسيد وبناء الوحدة المغاربية المأمولة قد فشل، وعلى المؤمنين بوحدة مغرب أجدادنا الموحدين الأماجد أن يبحثوا وأن يجتهدوا في وضع تصورات وطرق جديدة للوصول إلى وحدتنا المغاربية المنشودة، وبعارة أخرى يستطيع من يريد أو يرغب أن يعلن موت أو إخفاق إتحاد المغرب العربي، ولكن لا أحد يملك الحق أو القدرة أو شرعية إعلان وفاة فكرة الوحدة المغاربية، فالكثير من التجارب الوحدوية مرت بهكذا إخفاقات مؤلمة ومراحل انسداد موجعة قبل أن تجد طريقها إلى النجاح الوحدوي والصعود الحضاري،ولا ينطبق هذا على التجربتين الوحدويتين الإيطالية والألمانية المعروفتين جيدا في الأوساط العربية بل وعلى كل التجارب الوحدوية الناجحة في مختلف أنحاء العالم،وعليه إذا كان من الواقعية في أكثر صورها إيلاما أن نعترف بفشل إتحاد المغرب العربي في تحقيق أدنى تقدم على مدار ثلاثين سنة كاملة، فإنه من الواقعية أيضا أن ندعو إلى البحث عن بدايات أو مداخل جديدة للعمل على التصالح مع المستقبل والاستجابة بكفاءة لمنطق الجغرافيا،وتحديات التاريخ، وأمال الأجيال المغاربية الصاعدة، ولعل من المداخل المفيدة في هذا الصدد هو محاورة بعض مراحل التاريخ واستنطاق صفحاتها وسطورها، ولكن لماذا اخترنا أن يكون مدخلنا تاريخيا ؟ والجواب: لأن الكثير من المفكرين والمؤرخين يتفقون على أن التاريخ هو أخطر إيديولوجيا فيما يخص صنع وتقرير مصير الجماعات والأمم،ومن هنا يقول الفيلسوف الألماني الشهير فيخته(1762-1814) : ” إن التاريخ يجب أن يُدرس للناشئة بنفس الإجلال والتعظيم اللّذان يُدرس بهما الإنجيل ” وذلك في معرض حديثه عن أهمية التاريخ وضرورة الإبداع في تدريسه، وضمن هذا المنظور الحيوي لداعية وفيلسوف الوحدة الألمانية،أريد أن أتحدث عن الثورة الجزائرية التي كانت ثورة استثنائية ضد استعمار عنصري استيطاني بشع، فرغم كل  ما قيل أو أُنجز في تمجيد هذه الثورة أو في نقدها والتجريح فيها، بل وبسبب ذلك كله فإنني أعتقد اعتقادا راسخا أننا في أمس الحاجة إلى بلورة رؤية جديدة للثورة الجزائرية والتي كانت على وصف أحد الباحثين العرب واحدة من أهم وأبرز الانتصارات التي حققها العرب والمسلمون منذ عهد صلاح الدين الأيوبي.

وأول ما ينبغي أن يكون في اعتبارنا ونحن بصدد بناء هذه الرؤية الجديدة هو أن الثورة الجزائرية الكبرى ثورة عالمية، ويبدو أن الكثير من الجزائريين وغير الجزائريين ورغم شعورهم بعالمية ثورة أول نوفمبر1954 إلا أن شعورهم بهذه الحقيقة القوية الساطعة لا يزال شعورا غامضا مضطربا تعوزه الثقة وقوة اليقين، بسبب قلة اهتمامنا بتاريخنا عامة وتاريخ ثورتنا خاصة، ولعدم امتلاكنا لرؤية واضحة في كيفية بث الوعي التاريخي في أجيالنا الصاعدة،وكأننا نجهل أو لا نُعيرُ اهتماما لحقيقة أن من يتحكم في الماضي يتحكم إلى حد بعيد في المستقبل، ولذلك لامناص من القول على غرار الفيلسوف الألماني الكبير: ” إن التاريخ يجب أن يُدّرس – عندنا- بنفس الإجلال والتعظيم اللّذان يُدرس بهما القرآن “، وعليه فإن فكرة عالمية الثورة الجزائرية يجب أن تُغرس في الأذهان غرسا باعتبارها سمة من أبرز سماتها وحقيقة من حقائق التاريخ المعاصر، ونعني بعالمية الثورة ضرورة عدم النظر إليها والتعامل معها كثورة حررت الجزائريين أو المغاربيين فقط ، بل يجب أن نُلّقن الأجيال الصاعدة أن الثورة الجزائرية كانت سببا مباشرا أو غير مباشر في استعادة عشرات الشعوب والأمم لحريتها وشعورها بذاتيتها في مواجهة التسّلط والقهر الغربي،وحسبنا أن نعلم أن “ميشال دوبري” رئيس الوزراء الفرنسي قام سنة 1960 وفي يوم واحد بالتوقيع على الوثائق الخاصة باستقلال اثنتي عشرة بلد إفريقي ؟ وقد لاحظ الكثيرون آنذاك أن فرنسا لم تكن لتقدم على مثل هذه الخطوات لولا أن ضغط الثورة الجزائرية كان يدفعها إلى ذلك دفعا، ويومها أعلن أحد الزعماء الأفارقة بحق :” إن حرب التحرير الجزائرية هي التي دفعت الجنرال ديغول إلى تطويق بلداننا بالأحضان ” بل إن الجنرال ديغول نفسه كتب في مذكراته: ” لقد تخلينا عن إفريقيا السوداء حفاظا على شمال إفريقيا ثم تخلينا عن شمال إفريقيا حفاظا على الجزائر، ثم تخلينا عن الجزائر حفاظا على فرنسا ” وذلك في معرض شرح سياسته الدولية والرد على منتقديه، وكلمة ” تخلينا ” يجب أن تُفهم على أنها تخلي المُضطر وليس تخلي المخير غير المجبر وإلا فمن هو الرئيس أو الزعيم الفرنسي الذي يتخلى عن الجزائر طائعا غير مُكره؟

وينبغي أن لا ننسى الأصداء العميقة التي أحدثتها الثورة الجزائرية لدى الشعراء والأدباء والفنانين العرب وغير العرب، وبدراسة ما قاله الشعراء مثلا في بلد عربي واحد كسوريا أو العراق أو تونس أو مصر في الثورة الجزائرية يتجمعُ لنا من ذلك مئآت ومئآت من الشواهد الحية التي تكشف بصورة لا تدع مجالا للشك عن مدى عمق واتساع الأثر الذي تركته الثورة النوفمبرية في القلوب والنفوس، وتُعرف الثورة الجزائرية في الدراسات الأدبية الحديثة بأنها الثورة التي تغّنى بها أكثر من ألف شاعر عربي، وكأن الشعر الذي عُرف على مر القرون أنه ديوان العرب وسجل أيامها وأخبارها صار ديوانا للثورة الجزائرية !

        ويمكننا أيضا أن ننظر لعالمية الثورة الجزائرية من خلال ما أحدثته من أثر حاسم في مفاهيم وأنظمة القانون الدولي العام، كحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق الشعوب المستعمرة في اللجوء إلى العنف المسلح لتحطيم النظام الاستعماري والتخلص من براثنه، إذ أن العديد من الدراسات الجزائرية وغير الجزائرية تدلل بكيفية ممتازة وتثبت أن الثورة الجزائرية بما توافر لها من الخصائص والمميزات الذاتية الملهمة قد نهضت بدور حاسم في بلورة وتأكيد وترسيخ هذه المبادئ على صعيد القانون الدولي العام، الأمر الذي ساعد الحركات التحررية في مختلف بقاع العالم على الاستفادة من تلك المبادئ والأنظمة العالمية التي ساهمت تضحيات شهداء نوفمبر في تكريسها كمكاسب إنسانية شاملة، وتلك بحق إحدى أهم مفاخر و منجزات ثورة أول نوفمبر، والبرهان القاطع على بعدها العالمي وعمقها الإنساني.

 لكن فكرة البعد العالمي تقودنا بالضرورة إلى أن نأخذ في الحسبان بقية الأبعاد مثل البعد الإفريقي و البعد المغاربي، هذا البعد الأخير يكتسي أو يجب أن يكتسي أهمية خاصة، لأنه إذا ما تطلعنا للدور العالمي الذي يجب أن ننهض به – كثوريين- في القرن الواحد والعشرين فإن البعد المغاربي والوحدة المغاربية تطرح نفسها بقوة، فبدون الوحدة المغاربية لا يمكن للبعد العالمي لثورة أول نوفمبر أن يأخذ حقة من الأهمية والتأثير، وبالمقابل فإنه لا مستقبل للوحدة المغاربية بمنأى عن مبادئ وقيم نوفمبر، وهذه ولحسن الحظ مسألة بدأ الوعي بها يزداد وينتشر بين فئات المثقفين في الجزائر وفي المغرب العربي كله، ويقول المؤرخ والمفكر التونسي عبد الجليل التميمي في هذا الصدد: ” إن مستقبل المغرب العربي يتوقف على مدى فهمنا وتجسيدنا لمبادئ ثورة الفاتح من نوفمبر” . وأضيف أنه لا يحق لنا أبدا أن نحتفل بالانتصار الكامل والنهائي للثورة الجزائرية إلا في اليوم الذي سيتم فيه تجسيد وحدة المغرب العربي كما نادى بها بيان الفاتح من نوفمبر، وبعبارة أدق فإن الثورة التحريرية لم تستنفذ مهمتها التاريخية بعد، ولم يعد من حقنا أن نفتخر بانجاز ثوري لم نستطع بعد انقضاء أكثر من ستين سنة أن نضيف إليه أشياء مهمة، فخُنّا بذلك أمانة الشهداء والتاريخ وضيعنا مستقبل الأجيال، وحقها التاريخي المقدس في أن تعيش في ظل مغرب عربي واحد مُوَحَد

ولتعميق رؤيتنا وتوضيحها أكثر لابد أن نؤكد على النقاط الأساسية التالية :

ـ أولا: إن عالمية الثورة ، أية ثورة، ظاهرة لا تتعلق بالماضي فقط ، فالثورات عادة لا تكون عالمية الطابع لحظة ميلادها،وإنما تكتسب هذه الخاصية من خلال الاستمرار في إنجاز مشروعها والإصرار على مواجهة التحديات وتوسيع دوائر تحركها، وتوظيف الفكر ووسائل التبشير والدعاية، فالعالمية ترتبط جوهريا بالنضال المستقبلي، وليس بالانكفاء على الماضي والعيش عالة على تضحيات وجهود الأجيال السابقة، وبكلمة أشمل، الثورة التي لا تستطيع أن تشق طريقها إلى المستقبل فإنها حتما ستنقلب على نفسها وتدمر ماضيها .

ـ ثانيا: لا أمل إطلاقا في تحقيق الإشعاع العالمي لمبادئ الثورة الجزائرية وتكريس بعدها الإنساني دون إيديولوجية ثورية، ولا يمكن بناء مثل هذه الإيديولوجية دون إيمان مطلق بفكرة الوحدة المغاربية، وكل من يدعي الوفاء لمبادئ أول نوفمبر بعيدا عن العمل من أجل  مغرب عربي موحد، لا معنى لإدعائه ولا قيمة لوفائه المزعوم .

ـ ثالثا: تعد الصناعة السينمائية أداة إستراتيجية في الترويج لرسالة الثورة وإبراز أبعادها الإنسانية وترسيخ إشعاعها الثقافي والفكري وضمان استمرارية الإيمان بقيمها وأهدافها فدون صناعة سينمائية ناجحة سيعاني أي مشروع ثوري أو حضاري من الإهمال والضعف وينتهي إلى الشحوب والاضمحلال، وعلينا اليوم أن نتعلم من الإيرانيين والأتراك وقبل ذلك من الأمريكيين كيف نجعل من السينما صناعة ناجحة وفي خدمة قضايانا ورؤانا، وليس مجرد دعم وترويج لأفلام تافهة على غرار: ” الخارجون على القانون” المشحون بالتملق لأسياد الأمس أو ” الوهراني ” العاجز عن الارتقاء فكريا وأخلاقيا إلى مستوى الثورة، وغيرها من الأفلام البائسة الباحثة عن الشهرة والرواج في سوق النخاسة وجلد الذات.

ـ رابعا: إن الوقت جد مناسب لنعود كجزائريين إلى مبادئ ثورة أول نوفمبر ولكن عن أي عودة نتحدث؟ أو لماذا يجب أن نعود إلى مبادئ أول نوفمبر تحديدا ؟ لأنه في ثورة التحرير الكبرى تجلّت خلاصة وقمة الخصائص التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان الجزائري، فعندما نتحدث عن قيم الوفاء والتضحية والصبر والتشبث بالأرض والوطن،والإيمان بالمستقبل و الخضوع لقيم التضامن والعمل الجماعي..نجد كل ذلك مجسدا ومشخصا في كفاحنا خلال ثورة التحرير المجيدة المباركة التي تشكل السقف الأعلى والمقياس الأمثل في هذا المجال، ولذلك نحن لا نتحدث هنا عن عودة صورية بل عن عودة حقيقية ترمي إلى إيجاد إنسان جزائري جديد لا يجعل من المصلحة الخاصة قضيته الكبرى، ولا يعادي البيئة ولا يتهرب من هُويته الجزائرية المغاربية، وباختصار إنسان جزائري قادر على التجاوب مع متطلبات التنمية المستدامة والتفاعل الخلاّق مع التحديات المتفاقمة والنوعية التي تفرضها العولمة، وهذا الذي نأمله في تطلعنا إلى الإنسان الجزائري الجديد هو مجرد تعبير مختصر عن الطموح الأكبر، أعني التطلع المشروع والضروري إلى إيجاد الإنسان العربي الجديد، الذي ستقع على عاتقه مسؤولية النهوض بأعباء الحضارة في قادم أيامها من أجل العروبة وشعوبها، ومن أجل الإنسانية وقيمها وعيشها المشترك.

ـ خامسا: تنبأ العديد من السياسيين والباحثين بأن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الحروب من أجل السيطرة على مصادر المياه، وقال آخرون بأنه سيكون قرنا للصراعات الدينية أو لا يكون، ولا أتردد لحظة واحدة في القول بأن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الوحدة المغاربية الكبرى،هذه الوحدة التي ستكون بدورها فاتحة عهد جديد للصعود الحضاري الذي لا يُقهر، وانطلاقة لا تُردُ للثورة الجزائرية نحو العالمية والانتشار المطلوب، وتلك هي غاية الغايات التي ينبغي أن يُكرس لها المثقفون الوحدويون في الجزائر وفي شتى أرجاء مغربنا  كل جهودهم، لأنها سبيلنا الوحيد نحو المستقبل المنشود.

  وأخيرا، فإن الإخفاق الذي سجله إتحاد المغرب العربي على مدار السنوات الماضية يجب أن يكون محل اهتمام كبير من قبل الباحثين والمفكرين والساعين إلى تجسيد وحدة المنطقة المغاربية لأنه لا يوجد أفضل ولا أجدى من التعلم من لحظات الفشل، ومحطات التأزم، وأهم درس يمكن أن نتعلمه في هذا الصدد هو أننا فشلنا في تجسيد وحدة المغرب العربي لأننا ببساطة واختصار، لم نستطع ولم نعرف كيف نجعل من أنفسنا أهلا لفكرة الوحدة المغاربية- العزيزة الغالية- وفي مستوى متطلباتها إخلاصا وفكرا والتزاما، عملا وجهدا وتضحية.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. زهراش، أنت تقتصد كثيرا في إستخدام المفردات، لو أنك قمت بتوضيح فكرتك أكثر، ليكون من الممكن أن نتفاعل معك عن بينة….تحياتي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here