فوزي حساينية: ” البريكست” بين مكّر التاريخ وإخفاق السياسية.. وهل ستشهد المملكة المتحدة استفتاء ثانيا حول مسألة الخروج من الإتحاد الأوربي؟

              

 فوزي حساينية

ظلت بريطانيا لعقود طويلة خاصة خلال القرن التاسع عشر تعتمد في سياستها الخارجية  تجاه القارة الأوربية مبدأ ” العزلة اللامعة” والذي يعني أن بريطانيا تبقى بمنأى عن الصراعات القارية في أوربا، ولا تتدخل بشكل حاسم ومباشر إلا لمنع هيمنة دولة أوربية واحدة على شؤون القارة الأمر الذي من شأنه أن يضع الجزر البريطانية موضع التهديد بالحصار أو الغزو، وخارج نطاق التدخل لمواجهة التهديد الذي قد ينجم عن ظهور قوة أوربية قارية مهيمنة وخاصة فرنسا،كانت بريطانيا تكتفي بالحياد اليقظ،ومن هنا تلقت بريطانيا برضى الهزيمة الساحقة لفرنسا على يد بروسيا في حرب سنة 1870لأنه يحد من قدرة فرنسا على تشكيل تهديد ما للجزر البريطانية ولو لفترة من الزمن، ولكن بريطانيا لم تتأخر في التحالف مع فرنسا ضد ألمانيا عندما أصبحت ألمانيا قوة قارية عظمى تشكل تهديدا قاريا لبريطانيا،  وبعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وبداية تشكل الأسس الأولى للإتحاد الأوربي رفضت بريطانيا الانخراط في مساعي البناء الأوربي المشترك، بل وحاولت زرع العراقيل في طريقه، لينتهي الأمر ببريطانيا إلى الالتحاق المشروط بـ ” الإتحاد الأوربي ” بعد أن أصبح أمرا واقعا، وإنجازا أوربيا لا يمكن تجاهله، لكن حقائق التاريخ، وتفاعلات السياسية، والتحولات الحاصلة على الساحة الدولية،أعادت طرح مسألة الانخراط البريطاني في الإتحاد الأوربي، كمشكلة لأوربا، وكمشلة للمملكة المتحدة، وكمسألة تهم السياسة والاقتصاد العالمي ككل، بعد أن جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح مغادرة الإتحاد الأوربي، وهو الاستفتاء الذي أصبحت قضية المطالبة بإعادة النظر في نتيجته الشغل الشاغل لجزء هام من الرأي العام والساسة في المملكة المتحدة…

–  فالمحاولات والجهود الحثيثة التي تبذلها بعض الشخصيات السياسية في بريطانيا منذ مدة بهدف الوصول إلى تنظيم استفتاء ثانٍ حول مسألة مغادرة بريطانيا للإتحاد الأوربي “البريكست” على أمل إلغاء نتائج الاستفتاء الأول الذي كانت نتيجته لصالح المُغادرة ، تُرينا بوضوحٍ أن الديمقراطية قد تقود إلى قرارات في غير صالح الأمم…

–  لقد تبين للبريطانيين ساسة ومواطنين ، أن مسألة الخروج من الإتحاد الأوربي ليست مسألة صعبة فقط يمكن التعامل مع صعوباتها ، بل اتضح أن البريكست قد تكون له تداعيات كارثية على بريطانيا ، اقتصاديا واجتماعيا ، ولكن أيضا سياسيا  وثقافيا ، وتأكد بوضوح أن بريطانيا ليست عاجزة على تحمُّلِ مسؤولية مغادرة الإتحاد فقط، بل إنها لا تملك الإرادة الكافية لذلك كما أنها لا تتوفر على أية إستراتيجية حقيقة للخروج وما بعد الخروج، لذلك تحاول الحكومة البريطانية إنقاذ ما يمكن إنقاذه والحصول على أفضل اتفاق ممكن وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل إصرار الدول الأوربية الأساسية في الإتحاد الأوربي على عدم إعطاء بريطانيا امتيازات كانت تتمتع بها عبر عضويتها في الاتحاد وإصرارهم أيضا على أن تدفع بريطانيا ثمنا مناسبا مقابل الخروج المنتظر.

–  ولذلك فإنه ورغم مايبدو من إصرار الحكومة البريطانية على المُضي في مفاوضات البريكست، إلا أن العديد من التقارير تشير إلى أن هناك مايشبه ” الندم العام ” على الاستفتاء الذي جرى تنظيمه وأفضى إلى الموافقة على الخروج من الاتحاد الذي طالما نظرت له شرائح واسعة من البريطانيين- الإنجليز- على أنه مسألة أمر واقع أكثر منها مسألة انتماء مرغوب،كما تشير التقارير إلى أن عددا من الساسة البريطانيين ومنهم رؤساء حكومات سابقين يبذلون مساعي كبيرة قد تؤدي إلى تنظيم استفتاء ثانٍ من شأنه أن يصحح خطأ الاستفتاء الديمقراطي الأول، والذي اتضح أنه لا يخدم مصالح بريطانيا لا مع جيرانها الأوربيين ولا مع شركائها عبر العالم، والملاحظ أن عددا من المسؤولين الأوربيين يدعمون هم أيضا فكرة تنظيم استفتاء جديد، ولذلك فإن مسألة تنظيم استفتاء آخر حول البريكست، وإن لم تتأكد بعد فإنها لم تُستبعد كذلك، ومما يُرجِح الدفع باتجاه تنظيم استفتاء جديد  هو الرغبة المُلحة والضرورية لمعالجة احتجاجات الإسكوتلنديين الرافضين أصلا لفكرة مغادرة الإتحاد الأوربي،وكذا التخلص من مشكلة الحدود الايرلندية التي ستكون حادة ومزعجة في حالة الخروج،هذا على الصعيد الداخلي للمملكة المتحدة، أما على الصعيد الأوربي فإن استفتاء ثانيا يلغي نتائج الاستفتاء الأول ستكون عملا مفيدا على صعيد وقف أية محاولات جديدة تخص تنظيم استفتاءات مشابهة خاصة في إيطاليا التي يوجد بها تيار متصاعد ضد الاستمرار في عضوية الإتحاد الأوربي.

–  الديمقراطية إذن مكسب عظيم، لكن الأمم في ممارستها للديمقراطية قد يحدث أن تظل الطريق، أو حتى تتصرف ضد مصلحتها كما اكتشفنا من خلال تجربة الاستفتاء البريطاني، وكما نكتشف يوما بعد آخر من خلال قيام الكثير من البرلمانات عبر العالم بشرعنة المثلية الجنسية، وزواج المثليين بحجة تعزيز حقوق الإنسان ولو عبر الاعتداء على الفطرة الإنسانية في أخص خصوصياتها أعني التزواج بين ذكر وأنثى، وهو ماينطبق على عالم الحيوانات التي لا تعرف ظاهرة المثلية الجنسية، في حين يتجرأ الإنسان على شرعنة ما يتعارض مع فطرته، ولذلك فإننا عندما نفكر في بناء الديمقراطية علينا أن نفكر أيضا في الآليات التي تعصمنا من مخاطرها سواء السياسية أو الأخلاقية.

 وثمة سؤال: ماذا لو أن استفتاء ثانيا حول البريكست في بريطانيا أفضى إلى تأكيد نتائج الاستفتاء الأول ولم يلغها ؟ عندها سنكون أمام أحد أكثر فصول التاريخ إثارة ودرامية..وستكون التداعيات بريطانيا وأوربيا ودوليا بعيدة المدى.. وعندها سيٌطرحُ السؤال الكبير ، ” البريكست” هل هو ناتجٌ عن مكرِّ التاريخ، أم هو نتيجة لإخفاق الساسة والسياسيين ؟

   كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ومن قال أن العرب ضد البريكست أيها الصديق أنكيدو ؟ أنا كإنسان عربي يهمني كثيرا أن أفهم هذه الظاهرة ، ظاهرة إنسحاب بريطانيا من الإتحاد الأوربي، وما قد ينتج عن ذلك من تداعيات ( إيجابية بالنسبة للواقع العربي ) وماقد ينجم عن ذلك من تداعيات ( سلبية بالنسبة للواقع العربي )، والأمر كما ذكرت في تعليقك، في بريطانيا هناك إنقسام بين مؤيدي البريكست وبين الرافضين له، وإن كان من الواضح جدا أن الأصوات المؤيدة للبريكست ليست بعيدة كثيرا عن تلك الأصوات الرافضة له، بمعنى أن البريكست لا يحظى بأغلبية ساحقة أو تأييد طاغٍ من قبل البريطانيين، وإلا لما كان الإنفصال قد جرى وسط كل هذا الضجيج وردود الأفعال، والدعوة من قبل البعض لإعادة الإستفتاء، وحديث البعض الآخر عن أن الكثير من المصوتين لم تكن لديهم فكرة واضحة عمَّ يعنيه التصويت لصالح الخروج من الإتحاد الأوربي، وداخل المملكة المتحدة نفسها لايمكن القول أن الإسكتلنديين في غالبيتهم مؤيدين للإنفصال ، لأن العكس هو الصحيح، أما أنك لاتعرف أيها الصديق شخصا صوت للإنفصال ثم ندم على ذلك، فهي معلومة نشكرك عليها، لكن كم عدد هؤلاء الأشخاص الذين تعرفهم ، هل هم بالعشرات أم بالمئآت ، أم بالآلاف ؟ أي أن ما خلصت إليه أنت ، يبقى إستنتاجا مهما بكل تأكيد، ولكن لايمكن تعميمه بحال، لنستنتج منه أن كل من صوت بنعم لم يساوره ندم بعد ذلك ، أما عن الديمقراطية البريطانية فهي معروفة ومشهود لها بالأسبقية والإستمرارية والقدرة على مواجهة التحديات، وثمة الكثير من الأمور التي علينا أن نتعلمه من الديموقراطية البريطانية ……..تحياتي الصديق أنكيدو…

  2. لاأفهم لماذا العرب ضد بريكسيت! أعيش في لندن منذ عقود وصوتٌ للأنسحاب من الأتحاد الأوربي ولاأعرف أي شخص صوت للأنفصال وندم على ذلك بل على العكس, صحيح هناك مشكلة وأنقسام لكن تذكرو ياسادة ياعرب هذه بريطانيا أم الديمقراطيات الحديثة وليست أحدى دولنا العربية التي يتخذ فيها الحاكم القرار في الليل ليستيقظ الشعب على صوت المذيع وهو يتلو علينا أن الحاكم (أستجاب) للشعب وما على الشعب الأ التصفيق والزعيق!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here