فوزي بن يونس بن حديد: هل يستقيل البشير أمام ضغط الشعب أم يسلم السلطة للجيش السوداني؟

فوزي بن يونس بن حديد

هل سينتظر الرئيس السوداني يوم الثلاثاء، كالثلاثاء الذي أعلن فيه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة استقالته من رئاسة الجمهورية؟ أم هل ينتظر حلول مناسبة دينية كتلك التي انتظرها بوتفليقة وهي ذكرى الإسراء والمعراج ليخرج من قصر الرئاسة مباركا، وفي انتظار الرئيس عمر البشير مناسبة دينية من الطراز الرفيع وهي حلول شهر رمضان المبارك، يبدو أن الفاصل الزمني يلعب دوره في حياة الرؤساء، ليختار كل منهم الطريقة والزمان المناسب لإعلان الخروج وترك كرسي الرئاسة يحفظ ماء الوجه، كما يقال، أو أن الرئيس السوداني مازال لا يعبأ بالمتظاهرين الذين قال عنهم سابقا أنهم لا يستطيعون تغييره وهم في الشارع ولا يمكن أن يتغير إلا من خلال صندوق الاقتراع.

مازال الشعب السوداني مصرّا على تنحي الرئيس السوداني عمر البشير، ومازالت صيحات الشعب ترنّ في أرجاء السودان ينشد التغيير والإصلاح، ولعل الشعب الجزائري كان مهلم الشعب السوداني الذي لم يستطع إلى حد الآن التأثير في قرارات البشير كما فعل الجزائريون مع رئيسهم عبد العزيز بوتفليقة، ورغم أن تحرّك السودانيين قد بدأ قبل فترة من تحرّك الجزائريين إلا أن الرئيس السوداني مازال مصرّا على أن التغيير ينبغي أن يكون من خلال صناديق الاقتراع، ويعتبره الحل الوحيد لانتقال السلطة في البلاد، بينما يريد الشعب السوداني أن يرحل النظام بكامله وإحداث نقلة جديدة في الحكم السياسي في السودان.

وبقي الرئيس السوداني وشعبُه بين كرّ وفرّ، من ينتصر أخيرا على الآخر، فبينما يصرّ الشعب على رحيله يتمسك هو بخيار الانتخابات الذي يرى فيها الانتقال الديمقراطي الحقيقي، وتبقى البلاد رهينة التغييرات الجذرية والمفاجآت التي يمكن أن تحدث، خاصة إذا علمنا أن الرئيس السوداني قد فقد السيطرة على الوضع من خلال فقده السيطرة على المظاهرات التي تزداد يوما بعد يوم عددا وحِدّة بل إن انضمام النخبة المثقفة والماهرة إلى الحراك الشعبي يثقل الأمر ويزيده تعقيدا على الرئيس الذي ينبغي أن يبحث خيارات أخرى يمكن أن يقنع بها شعبه في ظل التدهور الاقتصادي والاجتماعي، مع أن هذا التحرك بدأ يضغط فعلا على الرئيس للتنحي وترك المنصب لغيره من الكوادر السودانية.

وما زال الشعب السوداني يأمل في أن ينضم الجيش السوداني إلى الحراك الشعبي ويساند قضيته، لأنه لم يسع إلى فض التظاهرات بقوة السلاح، كما يفعل الأمن، ويبدو أن حالة الحياد التي ظهر عليها الجيش إلى حدّ الآن شجعت المتظاهرين على الوصول إلى مقر قيادة الجيش ومطالبته بالمساعدة في إسقاط نظام عمر البشير، إضافة إلى أن هناك وحدات من الجيش السوداني تحمي المتظاهرين وكأنها تقول لهم إنا معكم سيروا ولا تخافوا، فهل فعلا سيتدخل الجيش السوداني وينقلب على البشير؟ أم أن البشير نفسه سيسلم السلطة للجيش ويبقى منصب الرئاسة شاغرا، وحينئذ يقع تعيين مجلس رئاسي يتألف من رئيس المجلس الوطني ونائبي رئيس الجمهورية، حسب الدستور السوداني، ويكون رئيس المجلس الوطني رئيسا للمجلس الرئاسي، أم أن الشعب له كلمته الأخيرة برحيل النظام كاملا ومن جذوره.

وأيا كان الحل فإن قيادة الجيش السوداني سترفض على الأغلب طلب البشير فضّ المظاهرات بالقوة، لأنها تعتبر ذلك نوعا من الاعتداء على المواطنين، وبالتالي ستعتمد أسلوب المهادنة في التعامل مع المواطنين السودانيين، وترقب القرار الحاسم من الرئيس البشير للخروج من عنق الزجاجة بسلام دون التدخل المباشر الذي يفضي إلى فوضى عارمة وربما إلى حرب أهلية قد لا تخرج منها البلاد، لذلك أعتقد أن السودان سيشهد مرحلة جديدة من التغيير الذي فاجأ  البشير ولم يكن مستعدا له من البداية من خلال إصرار المتظاهرين على تنحّي الرئيس ونظامه من السلطة وشعور الرئيس السوداني أنه بدأ يفقد السلطة شيئا فشيئا، هذه المرحلة ستبدأ على الأرجح في الأيام القليلة المقبلة لأن السودانيين عقدوا العزم على التغيير ولن يوقفهم شيء كما يبدو مستلهمين في حراكهم من التجربة الجزائرية الناجحة في نظرهم التي بدأت بعدهم وأتت بثمارها اليانعة قبلهم.

وعلى هذا وفي مثل هذه المواقف، على السلطة السودانية  أن تدرك أن الشعب إذا أراد الحياة والتغيير، فسيحصل عليه ولو بعد حين والتجربة خير مثال، لكن المرحلة التي تأتي بعد التغيير هي الأصعب على الأرجح، إذا لم يكن هناك بديل وخيار جديد للحكم وإلا ستبقى البلاد تعيش أنّات حبّ التغيير إلى أجل بعيد، وتصبح المعاناة أكثر إذا لم يحسب دعاة التغيير لهذا اليوم ألف حساب وإذا لم تكن هناك خطط استراتيجية لبسط النفوذ وإحلال الأمن وإنعاش الاقتصاد والقضاء على الفقر والجهل والأمية والبطالة التي طالت الشباب السوداني والقضاء على غلاء الأسعار في المقام الأول، كل ذلك ينبغي أن يوضع في الحسبان إذا قرر البشير فجأة الاستقالة من منصبه أو تسليم الحكم لقيادة الجيش.

[email protected]

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here