فوزي بن يونس بن حديد: معركة النقاب في تونس..  بين المنع والتقييد

فوزي بن يونس بن حديد

صدر القانون التونسي الذي يمنع النقاب في الساحات العامة وفي مواقع العمل، وهو قانون جيد إذا قورن بالأحداث الجارية في تونس، فقد يختفي الرجال وراء النقاب للقيام بعمليات انتحارية تقتل الأبرياء وتحدث إرباكا في السياسة الأمنية والاقتصادية في البلاد، لذلك جاء هذا القانون ليحسم المعركة، ويقصي أصحاب الحيل المكشوفة الذين يستخدمون النقاب وسيلة للتخفي وارتكاب الجرائم المتعددة، وبينما هناك من ينادي بنزعه هناك من يصعّد الموقف في تونس بناء على قراءته الأيديولوجية المتشددة القائمة على أن المرأة كلها عورة لا يصح أن يُرى من جسدها شيء، حتى وجهها وكفيها، وهؤلاء ربما يستندون إلى أدلة لكن أدلتهم ضعيفة لا تقوى أن تكون ملزمة لكل امرأة مسلمة.

فالمرأة المسلمة التي ورد الحديث عن لباسها الشرعي في الأحاديث النبوية الشريفة معروفة ومعلومة، فقد ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أنه نهى المرأة عن لبس الشفاف والضيق والمكشوف، وورد أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنه لا يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه، فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق؛ فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفّيه. ولم يرد دليل شرعي على أن النقاب ملزم للمرأة عند خروجها من البيت، كما أنه لم يرد شيء على أن المرأة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تلبس النّقاب، بل الذي ورد أن المرأة المسلمة كانت تلبس الحجاب وتخاطب الرجال وتشارك في المعارك وعليها الحشمة والطُّهر والعفة والنقاء.

فالذين يصرون على أن المرأة لا بد أن تغطي وجهها وكفيها أيضا، هم يصرون على وهْم أن المرأة كلها عورة ولا يصح لها أن تظهر  شيئا من جسدها لأجنبي حتى لأقرب الأقربين منها، ويفرضون عليها مما لم ينزل به الله من سلطان، ويجعلونها محل تهمة وشُبهة في مجتمعات التبس فيها لباس المرأة والرجل، وأصبح بعض الرجال لا يتورعون عن لبس لباس المرأة حتى يبعدوا عن أنفسهم الشبهة وينفذوا أعمالا إجرامية ويرتكبون أفعالا قبيحة تفسد على المجتمع نكهته وسيْره وأعماله بدعوى الجهاد في سبيل الله أو  أن الحكومة كافرة والناس الذين لا يلتزمون بما يلتزمون به أنفسهم يجوز قتلهم لأنهم كفار وغيرها من العقائد الفاسدة التي تخرب المجتمعات، فهذا  الأمر لا بد له من حلّ ولا بد من حدّ حتى يتوقف هؤلاء عن خزعبلاتهم وأوهامهم التي ينشرونها في المجتمع.

واليوم تعيش تونس بعد الثورة المباركة، حرية كنا فقدناها خمسين سنة متتالية، كان الحجاب فيها ممنوعا فضلا عن النقاب، وكانت اللحية فيها ممنوعة حتى اللباس الأبيض كان يؤلم الحكومة التونسية آنذاك، ولكن بعد هذا الانفراج الذي رأيناه، أصبحت المرأة التونسية تنعم بحريتها، في اللباس وفي التعبير عن رأيها، وفي اختياراتها، ولكن وفي الوقت نفسه ينبغي أن يكون هناك ضبط أخلاقي يُلزم المرأة في الحالتين، فلا تزمّت إلى حدّ النخاع ولا تبرّج إلى حدّ الإسفاف، وفي كلتا الحالتين على الحكومة التونسية أن تصدر قانونا آخر يجرم التبرج الزائد عن حده لأنه مفسدة أخلاقية تعرض فتيات تونس ونساءها للتحرش والاغتصاب، وتحاول أن توجد التوازن المطلوب في مجتمع مازال يتمسك بأخلاق الإسلام وتعاليمه، هذا التوازن من شأنه أن يجعل التونسيين جميعا أمام وحدة القانون، ويراعي أحوال وظروف كل فئة.

كما أن إصرار الحكومة على سنّ قانون يتعلق بالنقاب فقط، قد يحرّك شجون السلفية الذين ينظرون للمرأة بمنظار خاص يغلب عليه الشهوة ويحيطونها بهالة من التعقيدات في اللباس، وتعقيدات في العلاقات فيحرّمون عليها العمل في أماكن فيها رجال حتى لا يكون هناك اختلاط، ويلزمونها بالنقاب رغم أنه غير وارد في السنة، ويتصرفون وكأنهم أوصياء على النساء فيلزمون المرأة أن ترشح أحدا من محارمها يقوم بمهماتها الخاصة حتى لا تكون عرضة لأي مناوشات مع الرجال.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ليس كل ماله مظهر الدين هو من الدين . وليس كل ماله مظهر الاخلاق هو من الاخلاق . توماس كارليل ..
    كم تحت النقاب من ( ق ) .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here