فوزي بن يونس بن حديد: لماذا يصرّ أردوغان على احتلال سوريا؟

 

 

فوزي بن يونس بن حديد

رغم أن تركيا لم تشهد أي عمليات إرهابية من الحدود السورية وعلى المناطق الحدودية إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أصرّ كعادته على مغامرته السياسية الجديدة ودخل سوريا من الحدود لاحتلال جزء من الأراضي السورية على مرأى ومسمع من الناس بدعوى حماية تركيا من الإرهابيين وإرجاع الأعداد الهائلة من السوريين إلى وطنهم، ويبدو أن أردوغان قد أخذته العزة بالإثم، اغتر بقواته التي زج بها في معركة خاسرة كما يبدو، لأن العالم كله اليوم يقف ضده حتى أقرب حلفائه نصحوه بالخروج من الشمال السوري، والانتباه إلى أنها مجازفة ومغامرة ليست لها حدود.

ولعل فكرة أردوغان تتلخص في إصراره على إنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كلم وبطول 440 كلم، دون الحديث عمن يدير هذه المنطقة لو أقيمت، هل ستديرها  القوات التركية أم القوات الأمريكية أم القوات الأممية، وقد علق ترامب ذلك ساخرا عمن يحمي الحدود السورية التركية بعد ذلك فقال ربما نابليون بونابرت، وقد صرح غير ذات مرة أن الحرب في سوريا لا تعنيه وأن قواته قد تكبدت خسائر مادية كبيرة للدفاع عن سوريا وتركيا، وأن الحسابات المالية الجارية تنقص في هذا الميزان وعليه بالتالي أن يعوض هذه الخسارة بفائض كبير قد تتحمله المملكة العربية السعودية مقابل انتشار 3000 جندي أمريكي في أراضيها، وهو ثمن كبير وتكلفة باهظة الثمن تصبح لا فائدة من ورائها إذا عزم السعوديون والإيرانيون على الجلوس لطاولة المفاوضات وإرساء لغة الحوار، ومهما كان الأمر فإن أردوغان وجد نفسه في كمّاشة أُعدّت له مسبقا، رغم أنه يريدها لتحقيق مكاسب لنفسه أولا ثم لجيشه ودولته ولهذا جاء التصميم من أردوغان.

لكن العلاقات الدولية حسب مقرر الأمم المتحدة تجرّم من يعتدي على دولة أخرى بأي زعم وتحت أي ذريعة ما لم يصدر بيان أو قرار من مجلس الأمن يبيح للطرف المعتدي أن يحتل جزءا من الدولة لغاية تأمين الحدود من الإرهابيين، وحتى إن اعتبر مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية لا يجوز دوليا احتلال أي دولة إلا بإذن واضح من مجلس الأمن الدولي الساهر على تنظيم العلاقات الدولية، أو بإذن من الدولة نفسها لمجابهة الإرهاب في الداخل، ومن يقوم بغير ذلك يكون قد خرق قوانين الأمم المتحدة، ومن ثم فإن دخول القوات التركية في سوريا يعد خرقا واضحا واعتداء سافرا على دولة لها سيادة، وتعد القوات التركية محتلة يجوز محاربتها من القوات السورية المتمركزة على حدودها، ولا ينبغي لأردوغان الإصرار على مواصلة الاعتداء تحت أي عنوان، وإذا لم ينصاع للأمر الدولي فإنه يتحمل المسؤولية كاملة، وينبغي لمجلس الأمن ممارسة الضغوطات عليه من كل الجهات  حتى يستجيب لذلك.

وقد بدأت أوروبا وأمريكا استخدام أساليب الاستفزاز والقوة تجاه تركيا، وكلاهما يمارسان الضغوطات رغم أن أوروبا تعلم أن تركيا تعتمد في قوتها على السماح لتدفق المهاجرين منها إلى أوروبا وهي المعضلة الكبيرة التي كانت تعاني منها أوروبا بأكملها، بينما أمريكا تعتبر تركيا حليفا قويا لأنها تشتري منها سلاحا وتحرس الحدود من دخول الإرهابيين إلى سوريا وخروجهم منها رغم أنها ساهمت قبل في هذه المشكلة.

ويبدو أن أردوغان في وضع لا يحسد عليه، ويصر على هذه الحملة العسكرية لتحقيق مكاسب شخصية، ومحاولة فرض واقع جديد في الأرض السورية طالما تحدث عنه في السنوات الماضية تزامنا مع انهيار النظام في سوريا كما كان يعتقد، لكن الواقع الحالي بدا مخالفا لكل توقعات أردوغان، فقد بقي النظام السوري وتعافى تدريجيا بعد انتصاره على كل المليشيات والتشكيلات الإرهابية كداعش والنصرة وغيرهما وبدأ يسيطر من جديد على المناطق التي افتقدها بدعم روسي وإيراني كبير، وبالتالي فإن إقامة منطقة آمنة على التراب السوري من العبث السياسي بمكان، وأصبحت فكرة بالية لا قيمة لها إذا استطاع الجيش العربي السوري بسط سيطرته الكاملة على أراضيه وهو ما وعدت الحكومة السورية بالقيام به.

لكن الغريب أن يظل أردوغان مصرا على فعلته التي ربما تأتي بنتائج عكسية تماما على الأرض إذا لم تحقق أهدافها، وأعتقد أنها لن تحقق أهدافها، فقد تحدث مفاجآت على الأرض وقد تتدخل روسيا وأمريكا بقوة، وقد تتعقد العلاقات التركية الإيرانية، وقد تتغير ملامح الدولة السورية، وبالتالي لا يمكن لأردوغان إلا أن يتأخر إلى الوراء ويلتزم بالقرارات الدولية ويأمر جيشه بالرجوع إلى الحدود التركية وحراستها، وقد يخسر معركته في الداخل في الانتخابات الرئاسية القادمة بعد أن خسر  بلديات كبرى مثل إسطنبول وأنقرة وأنطاكيا في الانتخابات البلدية الماضية.

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here