فوزي بن يونس بن حديد: لا تصدّقوا ما يقوله بومبيو.. احتجاجات إيران في الميزان

فوزي بن يونس بن حديد

أضحكني ما قاله وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عندما علّق على الاحتجاجات في إيران بسبب الزيادة في أسعار البنزين، فقد قال إن أمريكا مع الشعب الإيراني، وهي مقولة لا تخلو من المناورة السياسية المعهودة من دولة امبريالية لا تسعى إلى تحرير الشعوب بقدر ما تسعى إلى امتصاص الشعوب وقهرها واحتلالها ونهب ثرواتها والقضاء على أنظمتها القائمة على مقاومة الفكر الامبريالي الاستعماري بأي وسيلة وبأي طريقة، لذلك لا تصدّقوا ما يقوله وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو فهو من باب الضحك على الذقون، فإن كانت أمريكا صادقة فيما تقول وتدافع عن الشعوب فلماذا تفرّق بين شعب وشعب، لماذا تقمع شعبا وتدّعي أنها تدافع عن شعب آخر في الوقت نفسه، والدليل ما قاله وزير الخارجية الأمريكي نفسه عن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغيرها من المناطق الفلسطينية، فقد أعلن أنها لم تعد غير شرعية وأن ما تفعله إسرائيل من بناء المستوطنات أضحى أمرا مقبولا وشرعيا ومن حق الاحتلال أن يفعل  ذلك وفي أي وقت شاء بموجب القرار الأمريكي.

وكالعادة اُستقبل القرار الأمريكي الانفرادي بالتهجين والتنديد من العرب والأوروبيين، ولكنه سيصير حقيقة على أرض الواقع، وسيصبح المستوطنون مالكي الأراضي والعقارات التي نهبوها وسرقوها واغتصبوها واستولوا عليها بالقوة وتدافع عنهم قوات من الجيش الإسرائيلي أمام مرأى ومسمع من العالم، كما من حق المستوطنين الجدد أن يحتلوا أراضي جديدة من الضفة، غير مبالين بالصياح العالمي، والإدانة العربية التي وقفت عند هذا الحد ولم تتقدم خطوة إلى الأمام، وهذا يشجع المستوطنين اليهود أن يملكوا كل فلسطين بموجب القرار الأمريكي، فلماذا لا يدافع مايك بومبيو عن الفلسطينيين وهم أصحاب الأرض الحقيقيون أم أن الأمر بخلاف ما يدعيه؟

إن الأمر واضح وبيّن، فالتراخي العربي الذي وصل إلى تحت الصفر شجع المستوطنين ومن ورائهم أمريكا إلى الدوس على كرامة العرب والاستيلاء على مقدساتهم وأراضيهم، ولولا هذه الاستكانة ما استطاع أي منهم الاقتراب شبرا واحدا من هذه المقدسات، ولكنه زمن العولمة السخيفة وزمن الخوف من الإمبريالية والفوضى الخلاقة في الدول العربية التي تشهد احتجاجات مستمرة دون الوصول إلى حل ينقذ ما تبقى من كرامة، واليوم يأتي بومبيو ليعلمنا الدرس ويطالب الحكومات العربية بالاستماع إلى شعوبها ويرسل رسالة للإيرانيين يخبرهم فيها ببساطة أن أمريكا مع الشعب الإيراني، من سيصدق هذه المقولة السخيفة، فهل كانت أمريكا مع الشعب العراقي حينما كان صدام حسين رئيسا للعراق، وحينما أرادت تحرير العراق كما تدعي، لكن العراقيين في ذلك الوقت صدقوا الأمريكان فوقعوا في الفخ، وذاقوا مرارة العذاب الأليم من الانفجارات المتتالية والخراب والدمار ونهب الثروة النفطية وكسر إرادة المقاومة التي كان يحملها صدام بغض النظر عن الجرائم التي ارتكبها، هو ما تريده بالضبط أمريكا اليوم من إيران، أن تضحك على الشعب الإيراني بهذه الطريقة الفسيفسائية الخالية من أي قيم أخلاقية.

فإيران تعيش اليوم على وقع احتجاجات قامت بسبب ارتفاع البنزين، لكن قد يكون الهدف من ورائها إحراج الدولة الإيرانية أمام شعبها بعد أن أصر النظام على الإبقاء على السعر بعد الإضافة، وارتفاع وتيرة الاحتجاجات وتهديد الباسينج المحتجين المخربين باستخدام كل الوسائل لتهدئتهم، ولعل العدوى قد أصابت إيران ولكن قد تستطيع الدولة امتصاص غضب الشارع بقرارات جريئة يمكن أن تخفف من الهجمة الإعلامية التي تقوم بها وسائل الإعلام المعادية التي تصور المشهد وكأنه مطالبة بإسقاط النظام كما حدث في العراق ولبنان، ولا شيء مستبعد في هذا الوقت فالعدوى تمر سريعا مثل هشيم النار، لكن يبقى على السياسيين كيف يخرجون من الأزمة التي حلت ببلدهم وعلى غير المتوقع رغم أن أسعار النفط في إيران هي الأقل على الإطلاق في المنطقة حتى في البلدان غير النفطية وبالتالي فإن ما يشاع عن هذه المظاهرات تستثمرها وسائل الإعلام لمآرب أخرى ومنها تنطلق إلى البحث عن طرق للوصول إلى نتيجة تغيير النظام.

يبقى الهدف الأساسي من خلال هذه التحركات في لبنان والعراق وإيران، كسر شوكة المقاومة في هذه البلدان، والقضاء على القوة الإيرانية في المنطقة بأي وسيلة، وما محاولة اتساع الرقعة الاحتجاجية إلا دليل بيّن وواضح على ذلك فهل تمرّ غيمة الاحتجاجات في إيران بسلام أم أنها ستتسع فعلا بناء على رغبة الشعب الإيراني ومحاولات الخارج تقويض القوة الإيرانية.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here