فوزي بن يونس بن حديد: كوشنير وصفقة القرن ومحاكمة ترامب وغفلة العرب

فوزي بن يونس بن حديد

يبدو أن كوشنير مصمم على تمرير صفقة القرن التي باتت جاهزة للتنفيذ، وبعد أن تم تفكيك الدول العربية وإحداث الاقتتال الداخلي لم يعد العرب والمسلمون مهتمين بالقدس والأراضي الفلسطينية وهو محور الصفقة الآنية، فبدا النزاع بين أصحاب المذهب الواحد والقبيلة الواحدة والدولة الواحدة، دمروا العراق وفككوا السودان وقضوا على سوريا وحاولوا تدمير إيران البلد القوي الذي مازال شوكة في حلوقهم، أما السعودية التي كانت يوما دولة تصدح بالقدس وبحق الفلسطينيين باسترجاع أراضيهم ولا قبول بأي اتفاق مع إسرائيل، أصبحت اليوم في علاقة تامة مع إسرائيل بل وانسجام في كل المواقف الدولية، تفككت السعودية من الداخل وسقط الفكر الوهابي الذي كان متشددا ومتطرفا يوما بل صار وبالا على السعوديين الذين حررهم ابن سلمان من أفكارهم ورفع عنهم الأغلال التي كانت تثقلهم، وأنقذهم من الكبت الذي كان يكبلهم وأصبح السعوديون والسعوديات اليوم ينعمون بالحرية الجسدية وهي جزء كبير من أجزاء صفقة القرن، وقد بات من حق السعوديين والسعوديات الاختلاط والتبرج والغناء والرقص والعمل في مكان مختلط وقيادة السيارات للنساء، ولا مُحرّم اليوم بل ولا مَحرم للمرأة في سفرها، وقد أفتى العلماء الذين كنا نظنهم قدوة ونصلي وراءهم في الحرمين المكي والمدني بما كانوا يقولون إنه حرام صار اليوم حلالا.

وهكذا تشكلت العنفوية في الدول العربية والإسلامية، وحدثت الكارثة التي كانت تتمناها أمريكا اليوم، وليست الفوضى التي نعيشها اليوم حديثة العهد بل هي نتيجة لدراسات معمقة منذ سنوات كثيرة بدأ تطبيقها في 2011م، بدعوى حرية التعبير وتعلم أمريكا أن العرب لا يفهمون معناها الديمقراطي بل يفهمون فقط معناها الفوضوي الذي يجعل الفرد يخرب ويكسر ويقضي على المكتسبات ليطالب بحقه المهمش، وهذا ما يفسره الخراب والدمار الذي طال كثيرا من البلدان، هذه الهمجية التي بشرت بها كونداليزا رايس في زيارتها لتونس ولقاءها بن علي في سنة 2008م  في صفقة رفضها بن علي نفسه فكانت نهايته ونهاية كل بلد يرفض التعاون مع أمريكا وإسرائيل، والدور قادم على كل بلد يرفض أن تكون إسرائيل جزءا كبيرا من هذه الصفقة الضخمة التي بدت ملامحها خطيرة ومرعبة حيث ستسيطر إسرائيل على كل القدس ولا تكون للفلسطينيين قيمة بعد اليوم في الملف الأمريكي حيث يمكن أن يتعرضوا للتهجير مرة أخرى كما كان في 1948م إلى الأردن أو  إلى غزة وسيناء، وتسيطر إسرائيل على غور الأردن بالقوة رغم معارضة الملك الأردني الذي بات في فم المدفع ولم يجد سندا من أي دولة عربية وآخرها اليوم عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية القدس الشريف ومنعت المصلين من أداء صلاة الفجر حيث تعمل أمريكا وإسرائيل على تمييع الدول العربية والإسلامية وتفكيكها وإحداث الفوضى وقد سهل عليهما هذا الامر نظرا لأن هذه الدول كانت ولا تزال تعتمد في إقامتها على القوة والديكتاتورية والمذهبية والقبلية وليست قائمة على الوطنية، لان الوطنية والانتماء الحقيقي للوطن يمنع الشباب والمواطنين عموما من الإقدام على التخريب والتدمير.

صفقة القرن تتزامن اليوم مع محاكمة القرن، وقد اختار كوشنير الوقت المناسب لزيارة إسرائيل وإلهاء العالم عن المحاكمة البرلمانية التي يتعرض لها دونالد ترامب، لأن الإدارة الأمريكية تريدها أن تكون محاكمة سريعة عابرة يبرئ مجلس الشيوخ على إثرها الرئيس الأمريكي وليعبر إلى الانتخابات الرئاسية لفترة ثانية هذا العام في نوفمبر ويتفرغ للمشروع الرئاسي رغم ما بذله الديمقراطيون من جهود حثيثة لاتهامه ومن ثم عزله ورغم أن التهم قوية تزعزع أركانه إلا أن سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ يجعل من  قضية عزله أمرا صعبا للغاية، بل ومستحيلا في ظل هذه الظروف الحالية إلا إذا حدثت معجزة، ولذلك اختار كوشنير هذا الوقت بالضبط لإرساء اتفاق مع إسرائيل على لعبة القرن الجديدة وانتظار موافقة أمريكا على ضم غور الأردن والضفة الغربية لإسرائيل وبالتالي تتمدد إسرائيل وتواصل مشروعها نحو الدولة الكبرى من الفرات إلى النيل أو من النيل إلى الفرات وهي تزحف شيئا فشيئا بمباركة عربية وإسلامية ونسي العرب والمسلمون قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قالَ: فَمَنْ؟”. وقوله عليه السلام يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها).. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: (لا، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن). قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت).

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here