فوزي بن يونس بن حديد: كأس الخليج…. هل تُصلح الكرة ما أفسدته السّياسةُ؟

فوزي بن يونس بن حديد

بعد مرور 3 سنوات على الأزمة السياسية في الخليج، لم تظهر بوادر جدية للمّ الجرح الذي بدأ يتسع وبدا مخيفا، لأن السياسة لها كواليسها وحساباتها، وللقرار السياسي أثر كبير على الشعوب، يمكن أن يجمّد علاقات ويسبّب حروبا، ويكسر شوكة دول بأكملها، لكن يبقى الأمل موجودا وتبقى الحياة قائمة، والحنين متأصّلا، ولا نستطيع أن نقطع بأن العلاقات الخليجية الخليجية لا تعود إلى سالف عهدها، كما أننا لا نقدر أن نجزم أنها يمكن أن تعود في أقرب الآجال رغم المحاولات المتعددة من الكويت وسلطنة عُمان، فدول الخليج كيان نشأ ليبقى لا لتنفصم عراه، وكثيرا ما كان يتغنى الكتّاب والشعراء وأهل السياسة والفن والثقافة بهذا التعاون الخليجي العربي، في وقت كان العرب يشهدون تمزّقا في العلاقات وشتاتًا في الآراء وتفكّكا  واختلافا شديدا في المبادرات والملفات، وهكذا كان مجلس التعاون وعلى مدى سنوات كثيرة يمثل جبهة متصلة في وجه العولمة وفي وجه كل صوت يريد أن ينال من أيّ دولة من دوله.

حدث ما حدث، ولكن تبقى صلة الجوار وربما الرحم قائمة بين دول الخليج، ولا يمكن أن تندثر على مدى الأزمان، حتى لو اختلف الأشقاء، وتبقى الأخوة قائمة وإن أغلقت الحدود والمنافذ، إلا أن منافذ القلوب تبقى مفتوحة وتحنّ إلى تاريخها المجيد، فبين هذه الدول تاريخ أصيل وعلاقات تعاون متجذّرة ينبغي أن لا تسمع لأصوات النشاز الذين يسعون للخراب والدمار وخدمة الأعداء والتربّص بالأصدقاء، ويبقى حسن الجوار هو العنوان، الذي ينبغي أن يسود بين الأشقاء في إطار من الاحترام المتبادل والثقة العالية حتى تستمر المسيرة الخليجية على أحسن ما يرام، وما شهدناه في خليجي 23 كان البرهان على أن دول الخليج قائمة على هذه الأسس المتينة رغم بعض التصرفات المحرجة، ورغم أن دولة قطر فازت بهذه الكأس إلا أنها لم تحد عن الأخلاق العالية ومثّلها فريقها  أحسن تمثيل، في صورة ناصعة للمثل الخليجية والمبادئ التعاونية بين الأشقاء الخليجيين.

وفي هذه السنة فاجأتنا السعودية والإمارات والبحرين بمشاركتها في كأس الخليج 24 على أرض قطر، الدول التي خاصمتها وأغلقت حدودها البرية والبحرية والجوية معها نتيجة خلاف سياسي ربما يكون بسيطا يمكن معالجته بالحوار، وكانت المفاجأة أكبر حينما اتسع صدر دولة قطر، وتدخلت السياسة مرة أخرى لكن إيجابا هذه المرة، واستقبل القطريون أشقاءهم في دول الخليج الأخرى وخاصة دول الحصار السعودية والبحرين والإمارات، وتحدّى الجميع الصعاب، ورحّب الجميع بالجميع في ودّ وإخاء وتعاون بعيدا عن حسابات السياسيين والمصالح الضيّقة، تجلى ذلك أكثر في كلمة أمير قطر حينما رحّب بالجميع على أرض قطر الحبيبة متجاوزا بذلك كل الخلافات، ومهّد الأمر للحوار المباشر دون شروط، وحثّ على التعاون من أجل إنجاح كأس الخليج، وأيّا كان الفائز فيها فإنه سيمثّل لا محالة دول الخليج بأكملها.

هل يمكن أن تُصلح الكرة ما أفسدته السياسة؟ فدائما ما تجمع الكرة الأشقاء الفرقاء، وتجمع بين الأعداء على البساط الأخضر وتبقى الحسابات السياسية خارج الإطار، لأن الجمهور الكروي يعشق التزاوج بين الفرق، وتهمّه جدا الروح الرياضية في الملاعب بعيدا عن المشاحنات والحسابات الضيقة، ومن يلعب أفضل يستحق التكريم، هو شعار الكرة اليوم، ولعله من خلال هذه البطولة ترجع المياه إلى مجاريها، والعلاقات إلى سالف عهدها بتدرّج حكيم، من خلالها يقع تشكيل لجان على مستوى عال، لتقريب وجهات النظر وإنشاء قاعدة حوار جديدة قائمة على الاحترام المتبادل وهو أمر يمكن أن يقع بعد أن أظهرت دولة قطر استعدادها الكامل لفعل ذلك، على أن تهدأ دول الحصار وتعدل عن شروطها الثقيلة وتسمح بفتح صفحة بيضاء نقية جديدة.

هل يمكن فعلا أن تحصل المفاجأة في خليجي 24 في دولة قطر خاصة وهي تستعد للعرس العالمي سنة 2022 وتحتضن منافسات كأس العالم وتستقبل الوفود العالمية وتقدم صورة حضارية مشرقة لبلد عربي مسلم، في التنظيم والاستقبال والوفادة وكرم الضيافة فهو البلد الأصيل الذي طالما التزم بجميع المثل والمبادئ والقيم في علاقاته التاريخية بدول الخليج الأخرى.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. ما الفرق بالنسبة لنا نحن الغالبية العظمى من العرب سواء تصالحت دول الخليج فيما بينها أم لا.
    ففي قطر توجد أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في العالم وعل الجانب الآخر تقبع القواعد العسكرية الأمريكية على أرض المملكة العربية السعودية و الإمارات و البحرين والذين يقومون أيضا بتقديم الخدمات لأساطيل الولايات المتحدة التي تجوب مياه الخليج في مناورات استفزازية ضد إيران الأمر الذي يجعل المنطقة عرضة لاندلاع الحرب أي وقت. كما لاننسى زيارة المتطرف نتنياهو لسلطنة عمان أيضا.
    ما الذي تم في المقابل ؟ ضم القدس ومرتفعات الجولان وقريبا الضفة الغربية ؟ بصراحة نحن أفضل حالا بدونهم جميعا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here