فوزي بن يونس بن حديد: في الاحتفال بيوم 14 فبراير… الحبّ في زمن الفوضى والصراعات

 

 

فوزي بن يونس بن حديد

اقتربت ساعة الحب وانشق القلب ليستقبل المحبين والمهنئين في هذا اليوم، بل هي الساعة التي ينتظرها العاشقون في العالم ليرسلوا رسالة حبّ عفوية، يستنشق فيها العاشق هذه القيمة الجمالية العالية عبر عبير الحب في أسمى معانيه، ويسترشد فيها الهائم في الحياة طريق الهيام، بعد أن جنت عليه الحياة بكل ضغوطاتها وعواملها فعرّته وجرّدته من سماء الحب الصافية وقطرات العشق الضافية وجعلته يعيش حياة الحيوان المفترس للجمال والعشق والولهان، يعيش الغريزة الشهوانية دون أن يبحث عن المعاني الإنسانية في بحر لجي مليء بظلمات الشهوة العابرة والنزوة الغامرة، إنها لحظات التموّه في فضاء فسيح يبحث العاشق فيه عن حب كبير يشمل جميع كائناته ولا يكتفي بالقلب ولها، أو بالعين نظرة أو باليد لمسة أو بالجسد ضمّة، هو يعيش الحب في أسمى معانيه، هذا ما يريد أن يترجمه حاضرا ومستقبلا بعيدا عن صراعات تحمل هوية أخرى غير لمسة الحب الحانية، يريد أن يحيا حياة طيبة مع العشق المرغوب لا العشق الممنوع، العشق الذي يمنحه الهمة والحيوية والنشاط، ويجعله يسبح في ملكوت الحب الذي لا حدّ له، يسبح ويستمتع ويتمتع بالتواصل مع الآخر في جو من التآلف والتفاهم حتى بلغة أخرى غير النطق، كحركة العين أو قسمات الوجه، أو لغة الشفتين.

في الحقيقة ليس لفالنتاين فضلٌ علينا أن نستمتع بالحب متى نريد، لأنه ليس من صنعه، بل هو اكتشف المفقود في زمن القسوة والعنف، اكتشف ان الناس صاروا مفترسين، لا يفترشون الحب سبيلا، فرأى أن يغرس فيهم هذه القيمة خاصة وأن الكنيسة كانت تمارس الإرهاب مع معتنقيها ولا تعرف الود ولا الجمال طريقا، تفرض الأغلال في أعناقهم، وتحمّلهم الأثقال مع أثقالهم، وتوجب القهر والظلم والاستبداد وتعلي كلمة الأمر والنهي دون حدود ولا حواجز، إنها الحياة الفاقدة لروح الحب وجوهر المشاعر الرقيقة والخالية من أي معنى من معاني الترابط بين البشر جميعا، لا يمكن لأي مجتمع كهذا أن يستمرّ  بل سيندثر وسينقطع وسينتهي قريبا، رأى فالنتاين الرجل الذي أحسّ أن الحياة دون حب لا قيمة لها ولا وجود لها، أن يؤرخ للحب من جديد، الحب العام الذي ينضوي تحت لوائه الجميع، حتى يظهر التعاون وتنمو المجتمعات وتتطور  العقول وتزدهر الحياة.

وقد تكون لفالنتاين فلسفة جديدة في الحب، إلا أنه اشتهر في فترة كان يريد أن يشيع في الناس هذه الميزة التي فقدوها، وتتطور الأمر بعدئذ إلى أن اكتشف الإنسان أنها قيمة جمالية في الحياة ينبغي المحافظة عليها على طول الزمان، وأضاف إليها كلمات أخرى جديدة كالرومانسية وهو مصطلح غزا الفكر الإسلامي والعربي للتعبير عن حالة السكون والاستقرار والهدوء والطمأنينة التي عبر عنها القرآن الكريم، ولأننا نحن المسلمين اليوم لا نقرأ القرآن جيدا فقدنا معاني الحب الأصيلة المتأصلة والمتجذرة في الفكر الإسلامي القرآني المحمدي، وفقدنا روح العطاء والبذل من أجل الآخر للرابط القوي الذي يربطه به، وفقدنا معنى الأخوة في أكمل وجهها، فقدنا هذه القيمة الجمالية وصرنا نتعطش لروح الحب المفقود في عالمنا، ونقلد الغرب في رومانسية هي أقرب إلى الشهوانية وتلبية الغريزة  الجنسية، بينما يستنطق الإسلام روح الإنسان فيمنحه الحب في أفضل معانيه يرفرف في جميع جوارحه ويستمر في التألق معه إلى حين الوفاة.

فالمطلوب أن تعيش الحب كل يوم، بل كل دقيقة وثانية لأنك مع الله ومع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ومع والديك وشريكك في الحياة ومع أبنائك وإخوانك وعشيرتك الأقربين، تعيشه مع الناس غنيّهم وفقيرهم، إن أغضبك أحدهم سرّك آخر، وإن ابتعد القريب اقترب البعيد وإن جاءك العسر فاعلم أن اليسر بعده آتٍ، فأنت في سعادة وحب دائم لا ينقطع إلا بالموت وأحيانا يظل في قلب الحبيب حتى بعد مماته كل ذلك جاء به الإسلام الدين الحنيف، الدين الذي يعرف الخير للبشرية، وأفضل آية في حب المولى عز وجل ورسوله الكريم جاءت في قوله تعالى:” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله” وأفضل آية جاءت في حب الوالدين:” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا” وأفضل آية جاءت في حب الأزواج :” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة” وأفضل آية في الأولاد :” المال والبنون زينة الحياة الدنيا” وأفضل آية في حب إخوانك :” إنما المؤمنون إخوة”. ومع ذلك فهو يحذرنا من الوقوع في براثن المعاصي كما في قوله تعالى: “ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا” كما يدعونا إلى الحذر:” يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم”.

فالحب له معان سامية باقية ما بقيت الحياة الدنيا ولا يقتصر على نوع معين سرعان ما يفتر ويزول ويذبل لأنه يبنى على جرف هار فينهار بصاحبه ويوقعه في بئر لا قاع لها، يتوهم ويخيل إليه وربما يستمتع لفترة أو ليوم ثم تتلبسه الكآبة والقلق والملل لأنه لا يعيش الحب بأنواعه وعلى حقيقته الناصعة وآثاره العميقة والطويلة المدى.أما إذا سألتني عن الرومانسية الإسلامية فأجيبك بأنها مطلوبة ومحبوبة ومرغوبة ومندوبة وأحيانا واجبة لاسترجاع الدفء المفقود في العلاقة بين المتحابين، والإسلام يرغّب كل ما من شأنه إحياء نور الحب وينهى عن كل ما من شأنه تعكير صفو العلاقة. فنحن المسلمين نعيش الحب كل يوم لا نحتاج لعيد حنى نحب، لا نحتاج ليوم 14 فيفري/ فبراير حتى يذكرنا بمعاني الحب، علمنا الإسلام كيف نحب ومتى نحب والحمد لله رب العالمين.

abuadam-ajim4135@hotmail.com

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here