فوزي بن يونس بن حديد: عندما يُسيّس الاتحاد العام التونسي للشّغل!

فوزي بن يونس بن حديد

لم يكن الشهيد فرحات حشاد الذي أسس الاتحاد العام التونسي للشغل يفكر يوما في السياسة، بل كان مناضلا ميدانيا من أجل استقلال تونس ومن أجل الدفاع عن الطبقة العمالية في عهد الاستعمار الفرنسي الذي ابتزّ تونس وعمّالها، وفي أحد الأيام وعلى حين غفلة استطاع الاستعمار الفرنسي الماكر أن يغتال فرحات حشاد لينهي دوره الحركي النقابي المدافع عن حقوق العمال، وحين نقرأ السياسة نتبيّن مدى عمق التجربة التونسية في تأسيس الاتحاد مبكّرا قبل الاستقلال، وحتى لو بقي فرحات حشاد إلى ما بعد الاستقلال فسيغتاله الحبيب بورقيبة كما فعل مع الزعيم صالح بن يوسف، لأن حشاد وبن يوسف يشتركان في النظرة الواقعية لاستقلال تونس، ويطمحان إلى الاستقلال التام أو النضال إلى آخر يوم، بينما بورقيبة كان يفضّل العرض الذي قدمه له الاستعمار وهو الاستقلال الشكلي مقابل نهب الثروات، ولأن بورقيبة يعلم يقينا أنه لن يفوز أمام المنافسة اليوسفية والحشادية أقدم على خطوة إجرامية واغتال صالح بن يوسف لأنه كان معارضا شرسا لبورقيبة.

فالاتحاد العام التونسي للشغل تأسّس لأهداف نبيلة، في مقدمتها الدفاع عن الطبقة العمالية في البلاد، وكانت الحاجة ماسّة إلى هذه المنظمة النقابية، خاصة وأن تونس تعيش آنذاك تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الذي أهمل حقوق العمال ويستغلهم في تحقيق مآربه التي لا تنتهي، وعندما استقلت تونس، بقي على منهجه المتفاعل في ظل حكم بورقيبة وبن علي، لكن دوره تضاءل في ظل السلطة القائمة التي أحجمت دوره وقلّصت نشاطاته بفعل الضغط الذي كان يمارسه قصر قرطاج، وإن كان في عهد بورقيبة أكثر حيوية ونشاطا من عهد بن علي الذي كتم أنفاسه كما يبدو.

وبعد الثورة عاد الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الواجهة كمنظمة فاعلة تدافع عن حقوق العمال المضطهدة في عهد بن علي، وأصبح يطالب الحكومات المتعاقبة بهذه الحقوق التي طمسها بن علي وعجز الاتحاد التونسي للشغل عن المطالبة بها وكان أمينها العام حسين العباسي وقبله عبد السلام جراد من المنتفعين بمراكزهما وقد استكانا في عهد بورقيبة وبن علي لحصولهما على منافع شخصية وقد تورط عبد السلام جراد في قضايا فساد ولا يخلو ملف حسين العباسي من ذلك أيضا.

ليس موضوعنا البحث في قضايا الفساد فذلك من شأن القضاء، بل الذي أود قوله كيف يرضى الاتحاد العام التونسي للشغل أن يكون أداة سياسية في يد الرئاسة، وقد بات واضحا للجميع أن الأمين العام الحالي نور الدين الطبوبي يستغل المواقف السياسية لتحقيق مآربه الشخصية، ونعلم جميعا أن هناك صراعا محتدما بين قصر قرطاج والقصبة حول الحكومة الحالية، فبينما يصرّ رئيس الجمهورية على إسقاط الحكومة، وقف البرلمان صامدا وعزز وجودها، وبقيت أطراف أخرى بينهما، هناك من يساند رئيس الدولة وهناك من يدافع عن رئيس الحكومة.

ولا أدري لماذا انساق الطبوبي إلى فكرة السبسي والانضمام إلى صفه ودعوة الحكومة إلى الاستقالة وإلا افتعال المشاكل باستخدام ورقة العمّال، وقد استغل الوضع الاقتصادي المتدهور وعدم قدرة الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد على الموافقة على كل مطالب الاتحاد التعجيزية في هذه الفترة الزمنية، هل هو نوع من الضغط على الحكومة لإجبارها على الاستقالة والاتجاه إلى تشكيل حكومة وهنا نستطيع أن نقول أن الأمين العام قد سيّس الاتحاد وجعله يخوض حربا سياسيا وانحرف به عن أهدافه النبيلة، أو هو تحقيق مآرب شخصية لأن الساحة التونسية تخلو اليوم من قيادة سياسية ونقابية قوية صارمة وحازمة من شأنها أن تقود تونس إلى بر الأمان؟ وبالتالي هو يظهر نفسه أمام العمال أنه قوي وقادر على زعزعة الحكومة الهشة في نظره والتي لم تحقق شيئا من مطالب التونسيين.

وأيا كانت أهداف الطبوبي من خلال موجة الاحتجاجات التي يقوم بها الاتحاد العام التونسي للشغل، ومهما كانت نواياه فإن الكلمة الأخيرة للشعب التونسي الذي أراد لهذه الحكومة الاستمرار إلى حين الانتخابات المقررة في آخر هذا العام، وعندها يُفرق كل أمر، وليس أمام الطبوبي إلا أن يسلم بذلك في نهاية المطاف وقد يُحاكم إذا سار بالاتحاد نحو تحقيق منافع شخصية بحتة كالاتفاق مع رئيس الجمهورية على مصالح معينة أو استغلال الظروف السياسية والاقتصادية واستغلال احتجاج العمال لظهور أمام الشعب أنه صاحب التغيير ويملك قوة التأثير على الشعب.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here