فوزي بن يونس بن حديد: صراع الأقوياء في ليبيا وإدلب.. وتغيير موازين القوى

فوزي بن يونس بن حديد

عند الربط بين المنطقتين المنكوبتين ليبيا وإدلب، ندرك يقينا حجم المعاناة التي تتحمّلانها في مثل هذا الوقت حيث الحرب تستعر بين الأقوياء والدّخلاء، فإدلب المحافظة السورية التي تشهد اليوم نزاعا قويا بين دول كبرى لا علاقة لها بسوريا سوى أنها دخلت إليها من زوايا مختلفة، فروسيا تزعم أنها كانت حامية السوريين من الإرهابيين، وتركيا ترى أن حدودها مهددة وعليها تأمينها، فدخلت القوّتان الأولى برغبة من النظام السوري والثانية برغبة من نفسها ومن الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى في القوات التركية جدار صدّ للقوات الروسية في سوريا، وتحاول أن تناور من أجل أن تكسب المعركة لصالحها، فأمريكا اليوم تشاهد الوضع عن كثب وتأمل أن يجد الروس صعوبة كبيرة في توحيد رؤاهم مع الأتراك، ولا أخفيكم أنها أيضا تتمنى أن يختلف الأتراك مع الروس لتنفضّ عرى الصداقة بينهما.

وأيا كانت نواياها، فإن ادلب اليوم تشهد تصارعا للقوى الكبرى على أرضها، والقوات السورية عازمة على تحريرها من جهة أخرى ولا تبعد عن مركز المدينة سوى كيلومترات معدودة، وتركيا تستنجد بالأمم المتحدة أن تطلب من روسيا لتمارس ضغطها على الجيش العربي السوري أن يتقدم أكثر وتطالب بخفض التصعيد رغم التجييش الكبير الذي حشدته في المنطقة، وكلها معركة من أجل إثبات الذات وعدم الظهور في صورة الخاسر على الأرض، لأن روسيا تعتمد استراتيجية الحرب الجديدة، عدوّ صديقي صديقي إلى حين، فسايرت تركيا وما تريد حتى لا تعرقلها في التسويات الماضية كالغوطة الشرقية وحلب وغيرها من المناطق التي سيطر عليها النظام السوري، وتركت تركيا في الجانب الآخر تحتلّ عفرين ومنبج حتى وصلت إدلب بزعم تأمين حدودها.

ولما انقضى الأمر في هذه المناطق بعد حرب شرسة مع الإرهابيين والمعارضة، استطاعت سوريا أن تبسط نفوذها فيها بدعم روسي وإيراني، وحصر الإرهابيين في منطقة إدلب وما جاورها، بدأت الأنظار تتجه إلى هذه المحافظة التي تسيطر عليها قوات معارضة مدعومة بقوة من تركيا، وما مؤتمر أستانا واتفاق سوتشي إلا حبوب مخدرة لتركيا لتأخير إحجامها واندفاعها لبلبلة الوضع الأمني في سوريا، ومحاولة رص صفوف القوات السورية واستعادة مجدها وقوتها وأنفاسها، وهو ما حصل فعلا، لتبدأ الآن مرحلة جديدة وهي الورقة الأخيرة مع تركيا لفض النزاع وإجلاء القوات التركية من الأراضي السورية، ويبدو أن روسيا تتبع سياسة المراحل وبطريقة ذكية وهادئة حتى لا تخسر الطرفين وحتى لا تجذب إليها المجتمع الدولي الذي يراقب كل تحركاتها، ومن ثم هي تتحرك ببطء شديد وتكسب الجولات جولة إثر جولة، ويبدو لي أن الصدام التركي الروسي أو التركي السوري مستبعد في هذه المرحلة لأن روسيا لا تستفيد من هذا الصراع فيكفيها ما تلاقيه من المعارضة السورية والإرهابيين بكافة تشكيلاتهم، وإنما هي تبحث عن مسار آخر بأخف الأضرار الممكنة وقد تنجح في إقناع تركيا أخيرا بالانسحاب من الأراضي السورية كلها وتأمين حدودها وإغرائها بامتيازات.

وقد اعتدنا على تصريحات أردوغان التي يحاول أن يظهر فيها قدراته العسكرية وأنه قوي في المنطقة سواء في سوريا – إدلب أو في ليبيا، وطالما حذر حفتر  من أعمال عدائية تجاه طرابلس وحكومة الوفاق، ولكنه لا يفعل شيئا على الأرض بل يستسلم في كثير من الأحيان لمن هو أقوى منه، خوفا من أن تتضرر سمعته ومصالحه، لذلك فإن ليبيا اليوم تشهد صراعات بين الأقوياء على أرضها مستخدمين حلفاءهما كورقة ضغط على الطرف الآخر، وقد فشلت الأمم المتحدة إلى حد الآن في فرض السلام في ليبيا لعدم اقتناع الطرفين بالجلوس للمفاوضات ولاقتناع الطرفين أن كلا منهما على الطريق الصحيح، ولممارسة الضغط من قبل حلفاء كل طرف على حليفه في الصراع لتبقى ليبيا مسرحا للقتال بين الفرقاء، ولن تجد ليبيا حلا على المدى القريب ما دام هناك من يضخّ السلاح، ويموّل العصابات، ومادامت ليست هناك إرادة دولية حازمة وحاسمة لوقف القتال وإرسال قوات دولية كالتي أرسلتها إلى مناطق عدة في العالم، فالحل إذا هو تدخل أممي عاجل من خلال إرسال قوات دولية تشرف عليها الأمم المتحدة، مهمّتها الإشراف على وقف نزيف الدم، وإنهاء تمويل الطرفين من أي جهة وإجبار الفرقاء على الجلوس لطاولة المفاوضات، وفرض حلّ سلمي من خلاله يمكن أن تتنفّس ليبيا الصعداء وتختفي القوات القوية المتصارعة من أجل ليبيا وأقصد القوات التي يقاتل من أجلها حفتر والقوات الأخرى التي تساند فايز السراج.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here