فوزي بن يونس بن حديد: سحب مشروع قرار إدانة إيران من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. هل الحكمة أم المصلحة دافعه؟

 

 

فوزي بن يونس بن حديد

قامت الدول الأوروبية بإيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية ودعمها بسحب مشروع قرار  إدانة إيران من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لفتح حوار جدي مع إيران وإفساح المجال لمزيدٍ من منح الفرصة لإيران والدول الغربية للجلوس لطاولة المفاوضات لا سعيا إلى التصعيد والتوتر من الجانبين الذي قد يعقّد المسألة أكثر مما يحلها، وبالتالي لا تريد كل من أمريكا وأوروبا أي تصعيد في هذا الاتجاه وفي هذا الوقت بالذات الذي تواجه دول العالم عدوا شرسا لم تستطع التغلب عليه إلى حد الآن، وهو مرض كورونا الذي تفشى بشكل مرعب خلال الفترة الماضية وأحدث إرباكا كبيرا في المنظومة الاقتصادية للبلدان الكبرى وبالأحرى المتوسطة والصغرى.

لكن الذي يدور في كواليس الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال هذه الأيام يوحي بأن هناك حراكا كبيرا عبر عنه رئيس الوكالة والأوربيون جميعا، ولا أدل على ذلك المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والرئيس الإيراني و تأتي في هذا الإطار محاولة لتخفيف التوتر بين المعسكرين وإرجاع الأمور إلى نصابها، والمياه إلى مجاريها في هذا الملف الشائك والبالغ التعقيد بعد أن انسحب دونالد ترامب من الاتفاق سنة 2017م وأحدث شرخا كبيرا في هذه المنظومة النووية العالمية، وكادت إيران أن تصل إلى مبتغاها في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لولا أن الاتفاق أُبرم في آخر ولايته الثانية، ولكن الذي حدث أن ترامب دمّر ما قام به سلفه انتقاما من الإجراءات التي أقدم عليه أوباما وأغضبت ترامب حتى قبل أن يستلم مقاليد الحكم.

واليوم وبعد هذه المناوشات الكلامية بين إيران وأمريكا ومن يتنازل أولا، وبعد تدخل الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا تغيرت المفاهيم وتحركت البوصلة قليلا نحو خفض التوتر ومحاولة إيجاد طريقة مناسبة للوصول إلى نقطة الالتقاء والبناء عليها من جديد، ومن ثم يأتي تفسير سحب خطة إدانة إيران من الوكالة الدولية للطاقة الذرية كبادرة حسن نية من الدول الأوروبية تجاه إيران التي اشتعلت في الفترة الأخيرة وهدّدت بالانسحاب من البروتوكول الإضافي بل وعدم التعاون مع وكالة الطاقة الذرية حتى تنظر الأطراف الأخرى في مطالبها الأساسية وهي رفع العقوبات الأمريكية بأي شكل من الأشكال، وقد قال رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن رفع العقوبات عن إيران يمكن أن يفيد في تعاون إيران ويجبرها على الالتزام بالاتفاق النووي لكن أمريكا مازالت ترفض إلى اليوم الحديث عن رفع العقوبات عن إيران خاصة بعد أن تم استهداف قاعدة عين الأسد في العراق واتهام أعضاء الكونجرس الأمريكي الأذرع الإيرانية في العراق بأنها كانت وراء هذه الهجمات، ويطالبون الرئيس الأمريكي جو بايدن بمعاقبتها كما فعل في سوريا.

وفي الحقيقة، فإن تعامل الدول الأوروبية وأمريكا الناعم تجاه إيران هل  سيستمر إلى ما لا نهاية أم له حدود معينة، وهل محاولة دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا الأخيرة تأتي في هذا الإطار، أو يمكن أن يكون  تفسير هذه المحاولة  من باب الحكمة في تدبير الأمور، أم المصلحة الغالبة على أمرها، لا شك أن إيران ستظل تصرّ على مطلبها خاصة إذا تشدد الغرب في  مطالبة إيران بالالتزام دون أن يقدم لها دليلا عمليا على صحة ما يقول، ولا ريب أن إيران مازالت تغلب عليها الحكمة في ردها على جميع الأطراف بالتعاون والرجوع إلى الاتفاق كما كان ودون إضافات قبل أن ينفرط العقد، وبالطبع فإن أوروبا تخشى أن ينفرط العقد وتتأزم مصالحها وتخسر الكثير إذا كانت ستتبع سياسة العصا التي كانت تتبعها إدارة ترامب، وهي غير مفيدة في الوقت الراهن مع إيران، وبالتالي فهي تغلّب المصلحة على الحكمة في كثير من الأمور خاصة إذا تعلقت بدولة مثل إيران لها عداوات صريحة مع أمريكا وإسرائيل.

كما أنه ينبغي أن نعلم أن إسرائيل لن تستسلم للأمر الواقع وستظل تناوش وتناور من أجل عدم الحصول على اتفاق بين هذه الدول وإيران، وتختلق المشاكل والأكاذيب محاولة منها لتوريط إيران ومحاسبتها على ما تقوم به في المنطقة من مساعدات للحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان أو أذرعها الأخرى في العراق، وبالتالي تبقى إسرائيل ترتع في الميدان دون محاسبة أو مراقبة على خلاف إيران التي عادة ما تكون تحت المراقبة الشديدة واللصيقة لأي تحرك في أي مسار، وإذا استطاعت إيران أن تتمسك بقوتها وبسحرها في جعل الملف النووي ملفا ساري المفعول طوال السنوات الأربع القادمة في إدارة بايدن فستكون بذلك قد حققت نصرا مبينا.

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here