فوزي بن يونس بن حديد: حرب المدارس القرآنية في تونس تحت ذريعة مكافحة الإرهاب

فوزي بن يونس بن حديد

الكبت الذي مارسه زين العابدين بن علي في فترة حكمه، وحرمان الشباب التونسي من الحرية الدينية والشخصية أنتج هذا الكم الهائل من المنضمين لتنظيم داعش، حيث كان النظام آنذاك، ينكر الهوية الإسلامية للشعب التونسي، فحارب كل ما يتعلق بالإسلام، وأبقى على شكله وقشرته الخارجية الهشة، حارب الشباب الذين يؤدون صلاة الفجر في المساجد والجوامع، حارب اللباس الشرعي من الحجاب واللباس الطويل الساتر الفضفاض، وألزم المرأة بنزعه ولبس القصير من الثياب وإظهار العورات، وهاجم كل شاب طالت لحيته ولو كانت مليميترا واحدا عن وجهه، لا يقبل صورا  للمرأة لاستخراج الجواز إن كانت حاملة للحجاب بدعوى مكافحة الإرهاب، ولا يقبل صورا للرجل ان كان ملتحيا بدعوى أنها مشوهة للمنظر العام.

حارب النظام السابق كل أشكال الدعوة، من محاضرات ودروس، وخطبٍ تدعو الناس إلى الالتزام بالدين، ظن أنه قادر على القضاء على كل شبهة تتعلق بالدين، واعتقد أن الشباب سيستكين، ومرّ في غلوه وإرهابه للشعب التونسي وتدخّله السافر في أحوال الشخص الخاصة، ماذا يقرأ، ماذا يلبس؟ ماذا يقول؟ إلى أين يذهب؟ مع من يتحدث؟ كيف يمشي؟ وإلى أبعد من ذلك بكثير متحديا كل الأعراف والقوانين الدولية المتعلقة بالحرية الشخصية، لإسكات صوت الإسلام، لإسكات صوت الحرية، لإسكات أي صوت معارض، لكن الذي حدث كان مدويا للرئيس نفسه، نتيجة لم يكن يتوقعها، شباب متطرفون اتخذوا أساليب أخرى لإشباع الروح، وجدوا منافذ أخرى من خلال أبواق السلفية الجهادية التي تحارب كل نظام كافر في نظرهم لا يطبق الشريعة الإسلامية، ونتيجة للمفهوم الخاطئ للخلافة الإسلامية، ظهرت قيادات متطرفة كانت خلايا نائمة تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الحكم، ولكن وعي الشعب التونسي وثقافته المعتدلة وقوة الجيش التونسي وأمنه حالا دون حدوث كارثة محققة.

كما لم يتوقع الرئيس بن علي موجة الغضب العارمة التي عمت الشارع التونسي يوم 14 يناير 2011م بسبب الفقر والبطالة وفرض الأداءات واغتصاب الممتلكات والتعدي على حرية الإنسان ونشر الفوضى والفساد بكل أنواعه، أحدث ثورة من الداخل وتمردا على الحكم القائم نادت بالمساواة في الحقوق والواجبات وأنهت حكما دام 23 سنة، ثورة على الظلم والاستبداد بسبب التدخل في الحريات الشخصية وبسبب الضغط على الشعب لإفراغه من الروح الإسلامية والهوية العربية وغيرها من المحاولات اليائسة والبائسة،  وها هي  الحكومة اليوم تقع في المطب نفسه عندما تحاول معالجة ملف المدارس القرآنية، وابتدأت بمدرسة مدينة الرقاب  بولاية سيدي بوزيد، ظنت أن خطف تلاميذ من المدرسة وإلقاء القبض على المسؤولين عنها رغم أن المدرسة تعمل بترخيص، سيقضي على الإرهاب، هذه المعالجة الخاطئة لهذه المواضيع الحساسة تؤدي في الغالب إلى نتائج عكسية، فإذا أغلقت الحكومة المدارس القرآنية فسيتعلم هؤلاء الأطفال في الكهوف والمغاور وفي الجبال، وفي أي مكان، كما أن الحجج التي اعتمدت عليها الحكومة واهية، ومنها تصريح وزيرة المرأة والطفولة في برنامج “بتوقيت تونس” يوم الثلاثاء، حيث صرحت بأن هذه المعالجة جاءت بناء على الحفاظ على الطفولة في تونس.

بيد أن الواقع يثبت أن الطفولة في تونس منتهكة في كثير من الحالات وليس فقط في هذه المدرسة التي كشفت النقاب عنها وفضحتها في وسائل الإعلام، فهناك أماكن كثيرة في تونس تُنتهك فيها الطفولة، هل زارت الوزيرة الأماكن المشبوهة في تونس وخاصة في الشمال الغربي والجنوب الغربي والوسط الغربي، ورأت وسمعت ماذا يُفعل بالأطفال، من انتهاك جنسي واستغلال في الأعمال الشاقة ومنع من الدراسة او خروج منها لأسباب تتعلق بالفقر والحاجة، والأطفال الذين يقطعون مسافات كبيرة في جنح الظلام للوصول إلى المدرسة، والأطفال الذين يتعرضون للابتزاز والأطفال المجنّدين للعمل داخل البيوت، وهل أن الوزيرة لم تر إلا هذا النوع من الأطفال  الذين أصابهم الجرب والقمل وغيرها من الأمراض، أكاد أجزم أن الكثير منهم يتعرضون لذلك للإهمال الطبي.

ملف الطفولة في تونس لو فتح على مصراعيه سنرى العجائب، ولست مع الذين ينادون بفتح مدارس للقرآن دون ترخيص وتنظيم، كما أني لست مع الحكومة في معالجة هذا الملف، فهناك من يستغله لأغراض سياسية وأغراض أخرى تشوّه مدارس تحفيظ القرآن الكريم في البلاد والكتاتيب، وهناك من يتخذها ذريعة كالوسلاتي المحلل برنامج “بتوقيت تونس” للقضاء على كل جميل في تونس، أبناؤنا يا سيدي يعيشون في بلد إسلامي عربي، وحبهم للقرآن الكريم فكرة لا تستطيع أنت ولا غيرك انتزاعها من قلوبهم، والقرآن الكريم كتاب المسلمين يغذي الروح ويساهم في تقوية شخصية الإنسان وتكوينه الفكري ونضجه الاجتماعي وتقويمه اللغوي، ومساره الانتقالي من فترة إلى فترة أخرى، وكل من يحاول إقصاء القرآن عن هويتنا العربية والإسلامية إنما يعيش في وهم، ونتائج حكم بن علي ماثلة أمام اعيننا.

وهنا أورد هذا التقرير لتعلم الوزيرة وغيرها من المسؤولين الذين يركزون على الحملة على المدارس القرآنية باعتبارها مدارس تفرخ الإرهاب وتقضي على براءة الطفولة، فقد كشف التقرير السنوي لمندوب حماية الطفولة في تونس (منظمة حكومية) زيادة الاعتداءات على الأطفال بنسبة 15%، إذ بلغ عدد الإشعارات 10057 ثبتت جدية 87.2% منها، وذكر التقرير أن ولايات الوسط الشرقي تحتل المرتبة الأولى بـ24.6%، يليها إقليم تونس الكبرى في المرتبة الثانية بـ21.9%. وبلغت نسبة الإشعارات في الجنوب 6.4%، وفي الشمال الغربي 8.6%، بينما بلغ المعدل الوطني 457 إشعارا عن كل ولاية.

وتتراوح الاعتداءات بين سوء المعاملة والعنف البدني والعنف اللفظي والتحرش والاستغلال الجنسي واستعمال الأطفال في أعمال الدعارة. وبحسب التقرير فقد بلغت إشعارات الاعتداءات الجنسية 209، وبلغت نسبة التحرش فيها 50.5%، في حين بلغ الاعتداء الجنسي نسبة 35.5% أما سوء المعاملة فبلغ 1684 إشعارا، منها 70.3% إشعارا بالعنف البدني و8.3% إشعارا بالعنف اللفظي.

وذكر التقرير أن السلطة المعنية تلقت 129 إشعارا عن حالات استغلال الأطفال في الجريمة المنظمة، 79.1% منها تعلقت بزرع الأفكار الهدامة والتعصب، في حين لم يجاوز توظيف الأطفال في الأعمال الإرهابية 7% من مجموع حالات الاستغلال المذكورة في التقرير.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. يا سيد إتّقي الله و لا تُغالط الناس و لا تكن من أعوان التخريب. أيُّ ‘مدرسة’ هذه؟؟ أطفال يُقيمون في ظروف مُهينة، إنتهاكات جنسية في حقّهم و أمراض خطيرة تُهدّدُ حياتهم.
    أيُتعلّمُ القرآن في أوكار مثل هذه؟؟
    إتّقي الله و كُفّ عن المتاجرة بالدين، لغايات يعلمها كل عاقل.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here