فوزي بن يونس بن حديد: تونس على أبواب الفقر في القرن الحادي والعشرين

فوزي بن يونس بن حديد

ذهلت لما رأيت صورة على الفايسبوك تختصر معاناة طفلة متميزة ومتفوقة في دراستها وهي تنتقل على حمار بين بيتها ومدرستها، وسألت نفسي هل ما زال في تونس من يتنقل على حمار؟  هذه الطفلة ليست الوحيدة ولا الأولى ولا الأخيرة التي تمشي على استحياء على وسيلة بدائية لطلب العلم، وليس في الأمر سخرية بل في الأمر تعجبا كبيرا من دولة استقلت منذ أكثر من ستين سنة وما زال شعبها يعاني من ويلات الاستعمار الفرنسي، مازال شعبها يئن تحت وطأة الفقر والحاجة، ما زالت هناك مساحات شاسعة لم تطأْها التنمية ولم تحرّكها المدنيّة ولم تمسّها العولمة الحديثة، رغم أن بورقيبة في آخر أيامه الرئاسية تعجّب من أن تكون هناك قطعة في تونس ما زالت تعيش البدائية ولا تملك أدنى أدوات الإنسانية.

منذ ستين عاما والشعب التونسي يرزح تحت الاستعمار بعد الاستقلال الموهوم، أوهموا الشعب آنذاك أن تونس استقلت عن فرنسا وأنها أصبحت حرة، غير أن الشعب التونسي فاق متأخرا على نوبات من الجنون السياسي بعد الثورة وقبلها كانت النفوس مكتومة وكان بورقيبة وبن علي يجثمان على صدر كل من يملك الحقيقة ويصدح بالحق، كتموا أنفاسهم إلى يوم القيامة، ولم يخرج صوت الحق، لكن اليوم بدأت الأصوات تظهر شيئا فشيئا، وبدأ يبرز الرعب الكبير الذي مارسه بورقيبة وبن علي في حق الشعب المقهور المظلوم، الذي لم ينل حقه كاملا ولم يشعر بالسعادة والنشوة وهو يستمتع بثرواته، لأن نزوات الحكام لا تنتهي حتى لو فقر كل الشعب، والسياسة مصالح لا مبادئ، تجري بسفينة الهوى لا بسفينة الضمير والوازع الديني.

هناك في تونس حيث الفقر على أشدّه، وهناك في تونس حيث البطالة في معدلاتها المرتفعة، وهناك في تونس حيث المناطق المهمّشة، هناك في تونس حيث الحقوق مهملة، هناك في تونس حيث الفساد متفشيا في كل مؤسسات الدولة، هناك في تونس حيث الثروات المنهوبة والاتفاقات السرية المشبوهة مع الاحتلال الفرنسي، هناك في تونس حيث الضرائب المجحفة والأسعار العالية، هناك في تونس حيث صعوبة القدرة على العيش في زمن الغلاء الفاحش، هناك في تونس حيث الحكومات المتعاقبة في زمن قياسي فشلت كلها في رسم الابتسامة على الوجوه.

بم اليوم نحن مشغولون؟ هل بأمهات القضايا أم بقضايا خارج النص، لماذا نهتم بما يخالف الفطرة والمنطق والعقل ولا نلقي بالًا بأساسيات الحياة، كيف يعيش المواطن، وما هي اهتماماته؟ وكيف نبني جيلا متعلما؟ وكيف نوفر لأبنائنا العمل والصحة والسكن؟ وكيف نؤمّن العيش الكريم لآبائنا وأمهاتنا إلى آخر لحظة من حياتهم؟ وكيف نحافظ على مكتسباتنا ومؤسساتنا وثرواتنا؟ وكيف نطالب بحقوقنا؟ وكيف نجعل المحتل الغاصب يعتذر ويرد حقوقنا المسلوبة؟ وكيف نؤثر في العالم بأخلاقنا والتزامنا بكل الاتفاقيات الدولية غير المجحفة في حقنا؟ وكيف نفسخ كل اتفاق أساء أو يسيء إلى تونس من بعيد أو قريب؟

لن يسامح الشعب التونسي كل من أهدر ثروة الوطن لنزوة عابرة أو طموح سياسي أو مصلحة شخصية، فإيذاء شعب كامل يمكن أن يتسبب في كارثة عظيمة، وهو ما نشاهده اليوم بأمّ أعيننا، فلم يقم سياسيونا بشيء يفيد شعبنا بقدر ما قاموا بكبته وإيذائه وحرمانه من حقوقه بالقوة والعنف فولّد عنفا أكبر، وتمرّدا أكثر، ولا مبالاة بإداراتنا ومؤسساتنا، ولا اهتماما بالمسؤولية الاجتماعية ولا الأخلاقية، لأنه لا محاسبة ولا معاقبة من يستعلي على القانون ويظن نفسه أنه فوق القانون بدعوى الحصانة أو النفوذ، فتونس اليوم بحاجة إلى إرادة قوية من شعبها للتغيير، وعزيمة أقوى من شبابها للبناء، وتحدّ كبير من سياسييها الأحرار إلى الصرامة والحسم في طلب الحقوق المدنية للشعب التونسي بكل الوسائل الدبلوماسية الممكنة لننقذ الطفولة من أي استغلال على كل المستويات.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here