فوزي بن يونس بن حديد: ترامب يربك المشهد السياسي الأمريكي بتعيينه القاضية باريت

 

فوزي بن يونس بن حديد

رغم أن كل استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية تشير إلى تقدم مرشح الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية المقبلة جو بايدن، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما زال واثقا من أن هذه الاستطلاعات لا تمثل الحقيقة، ويستدل على ذلك بانتخابات 2016 التي رجحت جميع استطلاعات الرأي العام آنذاك هيلاري كلينتون، بينما فاز ترامب فيها بعد إجرائها في أجواء مشحونة كتلك التي تجري الآن، ويبدو أن المعركة الحالية ستكون أكثر احتداما، وأكثر قوة وسخونة، يستخدم فيها ترامب كل أسلحته لمواجهة خصمه جو النائم كما يحب أن يسميه، ولذلك عمد إلى ترشيح القاضية ايمي كوني باريت مكان القاضية روث بادر غينسبيرغ التي توفيت في 19 سبتمبر الجاري في وقت شديد الحساسية حيث طالب الديمقراطيون على إثر ذلك بتأجيل ترشيح القاضية الجديدة إلى حين الانتهاء من الانتخابات الرئاسية كما حدث الأمر مع الرئيس السابق باراك أوباما حيث سنّ الجمهوريون عدم ترشيح قضاة المحكمة العليا في العام الانتخابي، لكن الجمهوريين هذه المرة خالفوا القاعدة التي أرسوها واعتبروا أن من حق الرئيس ترشيح من يشاء في فترة رئاسته، ورئاسته تنقضي في العشرين من يناير 2021، ولا حق للديمقراطيين بالمطالبة بأي تأجيل لأن الدستور الأمريكي يمنح الرئيس هذا الحق في فترة رئاسته مما عدّه الديمقراطيون نفاقا سياسيّا.

هذا التعيين جاء في وقت حساس جدا فعلا، يريد من خلاله دونالد ترامب أن يكسب نقاطا في مواجهة خصمه اللدود جو باين، وستكون القاضية المرشحة داعمة له دوما في قراراته المصيرية التي تهم الشعب الأمريكي، وما دامت هي من المحافظين الكاثوليكيين فإنها ستعمل على تعزيز ترشّحه مرة أخرى لولاية ثانية محتملة، ولم يضعف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الرأي العام الأمريكي كثيرا، حيث ظلت الأرقام ثابتة طوال تلك الفترة بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري، وكلما ازداد موعد الانتخابات قُربا احتدمت المعركة أكثر وتحوّل الأمر إلى ما يشبه الحرب الباردة بين الرجلين، الحرب باللسان وهو السلاح الوحيد الآن الذي يمكن من خلاله أن ينتصر خصم على خصم، لكن يبدو أن ترامب لن يستسلم بسهولة ولن يرضخ للنتيجة إذا لم تكن في صالحه، وسيشكّك في الانتخابات التي حصلت خاصة تلك التي أجريت عن طريق البريد، وبالتالي فنحن أمام مشهد ساخن جدا في نوفمبر القادم، ولن يكون الأمر بهذه السهولة ولن ينتقل الحكم بكل مرونة كما يحدث في كل مرة، فقد نشهد هذه السنة تدخلا قضائيا في الانتخابات الأمريكية لحسم النتائج النهائية وهذا احتمال كبير في أن يقع هذا الإجراء في سابقة أمريكية في تاريخ الانتخابات بين الخصمين الديمقراطي والجمهوري، وربما نشهد تعليقا للنتائج فترة معينة يبقى فيها الجدال قائما بين المعسكرين مادام لم يتنازل أحدهما عن الآخر.

وقد حدث هذا قبلُ في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وآل جور، حينما اشتد الخلاف على نتائج الانتخابات وتنازل في الأخير آل جور لصالح جورج الابن، بفارق لا يكاد يذكر، ولكن هذه المرة تبدو مختلفة تماما، إذا يصر الرئيس دونالد ترامب بشدة على عدم استجابته للنتائج فيما لو أعلنت اللجنة العليا للانتخابات فوز المرشح الديمقراطي بمنصب الرئيس، وقال بالحرف الواحد “إن هذا لن يحدث”، معتمدا في ذلك على أنصاره الجمهوريين الذين يحشدون كل طاقاتهم من أجل تحقيق فوز ترامب بولاية ثانية، وبعد ترشيح القاضية الجديدة تبدو آماله منتعشة لتحقيق ما يريد رغم ما أوردته استطلاعات الرأي العام من نتائج نشرتها مختلف المواقع الإعلامية، وفي الوقت نفسه أعتقد أن ترامب لم تعد تهمّه العملية الديمقراطية أن تنجح بقدر ما يهمّه بقاؤه في البيت الأبيض لولاية أخرى، فهو يربك المشهد السياسي الأمريكي من خلال إرباك خصمه الذي لم يستطع إلى حد الآن تجاوز العقدة في حربه مع ترامب، ومن خلال تركيزه على مستويات معينة من نقاط الخلاف ونقاط الضعف لذلك كان دائما يوسمه بالضعيف والنائم وغير ذلك، فنحن أمام مشاهد جديدة من الفلكلور السياسي الأمريكي، أمام رئيس يميني متطرف شعبوي محافظ يتمسك بالسلطة بكل قواه دون اعتبارات للديمقراطية والتعددية، نحن أمام دكتاتورية جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية وتصنّع المواقف المتصلبة، لكن في النهاية سيقول الشعب الأمريكي كلمته في انتخابات الرابع من نوفمبر القادم، وبعدها لكل حادثة حديث، ولكل مقام مقال، ولكل نبأ مستقر.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here