فوزي بن يونس بن حديد: ترامب وأون…. صفاتٌ جينيّةٌ واحدةٌ، ديمقراطيةٌ تبحث عن استبدادٍ، واستبدادٌ يبحث عن ديمقراطيةٍ

فوزي بن يونس بن حديد

قديما قالوا إن أصحاب الصفات الواحدة يحملون جينات متشابهة، ويحصل عادة التوافق بينهما، ويكون عادة في حدود معينة، فالطغاة في العالم يتفقون على أن الطغيان والاستبداد حلّ وحيد لإدارة الشعوب. بينما يرى الديمقراطيون أصحاب الجينات التي تفضل الشورى مع الشعب، أن الديمقراطية هي الحل الوحيد الذي يمكن أن ينقذ الناس من حال الضيق والكآبة التي تصيب البشرية نتيجة عدم إشراكها في القرار السياسي، واختلف العلماء في تحديد صفات الجينات كاختلافهم في مسائل عدة متعلقة بالإنسان.

وعند تحليلي لشخصيتين مختلفتين في عالم اليوم، رأيت أو اقتنعت بالأحرى أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ورئيس كوريا الشمالية الزعيم جيم كونج أون يحملان الجينات نفسها، وإن كان الرئيس الأمريكي يعيش في بلد يزعم أنه يطبّق الديمقراطية في الحياة السياسية. غير أن حياة ترامب العادية قبل أن يتولى الرئاسة تنبئ بحالة الفوضى التي كان يعيشها، وحالة الطمع والجشع التي كان يمارسها، وحالة الجنون والعظمة التي كان يتوهّمها، ويُخيّل إليه أنه عظيمٌ في مجتمعه له كل الاحترام والتقدير للمال الذي يملكه وما درى أن غباءه سيفضي به إلى نتيجة عكسية كما هو الآن بعد أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية نتيجة إصراره وعناده وتعنته وعدم الاكتراث بالنتائج السلبية التي تؤدي إليها قراراته المجحفة في حق التاريخ والشعوب.

أما أُون الشخصية الغامضة التي عاشت في كنف أب شديد وصارم، فقد ورث من عائلته هذه الصرامة والرأي الواحد دون جدال، فلا شورى ولا رأي مع رأي أون، يمارس حياته كأنه الحبر الأعظم في البلاد، الكل يركع له في حضرته وفي خشوع تام، يقود شعبا بأكمله لا يستطيع فردٌ منه أن يقول له كلمة “لا”، ولو قالها لفني وانتهى دوره في الحياة، حياة شعب بأكمله مرتبطة بقرار من زعيم واحد في البلاد، له السلطة التامة ويمسك البلاد بيد من حديد، هذه الصفات لا يملكها أي زعيم في العالم، بل هي صفات الطغاة كما جاء في التاريخ، لكن نهايتها مؤلمة في أغلب الأحيان، لأن الفرد من الناس لا يملك الكمال حتى وإن بلغ من العلم ما بلغ فهو يحتاج دائما إلى الاستشارة ولا يكتفي بقوله ويصرّ على أنه الأفضل وينبغي تطبيقه بكل الوسائل والطرق.

ما جعلني أتأكد أن الشخصيتين وأقصد ترامب وأون تتحدان في الصفات، توافقهما على اللقاء في وقت عجز الرؤساء الأمريكيون السابقون جمهوريون وديمقراطيون عن إمالة الرئيس الكوري الشمالي السابق وحتى الحالي، بل إنهم لم يعقدوا أي محادثات مباشرة معهم، للتخوف الذي يبديه الأمريكيون من صرامة النظام الكوري الشمالي وعدم الثقة به، وأيضا لعدم تقديم أي تنازل أو مبادرة سلام من الطرف الكوري الشمالي للأمريكيين، ولما جاء ترامب إلى الرئاسة أراد أن ينحو منحى مختلفا عن سابقيه، ونجح إلى حد الآن في إمالة أون وإقناعه بضرورة الحوار مع أمريكا مباشرة عبر وزير خارجيته مايك بومبيو الذي زار كوريا الشمالية عدة مرات سرّا قبل الإعلان رسميّا عن اتفاق كوري شمالي أمريكي عن عقد قمة بين الطرفين، وقبلها كانت هناك قمّة بين  رئيسي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية اتفقا فيها على الخطوط العريضة.

فالمتضادان مع العالم يجتمعان على طاولة المفاوضات للاتفاق، بينما كل منهما له رؤى متطرفة في الاتجاه الذي يريده، ورغم الفارق بينهما من حيث إن ترامب يعيش داخل دولة ديمقراطية وأون يعيش داخل دولة مستبدة إلا أن كل منهما يرنو إلى تجربة الآخر، فترامب وحسب سلوكه المعتاد والغريب في الآن نفسه يريد أن يعيش الإمبراطورية الكاملة في أمريكا بمعنى يريد أن يحكم أمريكا من منطلقه ومنطقه الذاتي  ولو توفرت لديه الفرصة لغيّر نمط الحكم في البلاد، بينما أون يحنّ إلى الديمقراطية التي لم يعشها بعدُ في البلاد ولو لبرهة من الزمان، يريد أن يجرّبها ربما تحيي ضميره من جديد، لكن يبقى هذا التوافق منقوصا إلى حين.

[email protected]

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here