فوزي بن يونس بن حديد: بين لبنان وتونس… الحكومة المتعثرة والبحث عن الإنقاذ

 

 

فوزي بن يونس بن حديد

تشابه كبير بين لبنان وتونس هذه الأيام مع الفارق، فبينما تعيش لبنان احتجاجات مستمرة من أجل تغيير النظام الذي كان ولا يزال يسير حسب اتفاق الطائف، تعيش تونس فراغا حكوميّا باهتا، حيث لم تتشكل إلى اليوم الحكومة التونسية رغم تكليف الحبيب الجملي لهذه المهمة التي طالت حسب الشارع التونسي مع الصخب والجدل الذي دار ومازال يدور في أروقة مجلس النواب، وبينما تعيش لبنان أجواء الانتظار لولادة حكومة جديدة يبدو أنها مغايرة للتي كانت وإلا لن يقبلها الشارع وسيظل يحتج عليها إلى حين قلع اتفاق الطائف الذي لم يعد مناسبا حسب رأي المحتجين، فهم يريدون حكومة معبرة عن طموحات الشعب اللبناني بكامل طوائفه دون محاصصة طائفية ودون الالتزام بخط الطائف وهو الأمر الذي ترفضه الأحزاب الشيعية والمسيحية إلى اليوم، وبقي لبنان ينزف اقتصاديا كما تونس حتى يجدا الطريق والسبيل إلى إنشاء حكومة ينبغي أن تكون اقتصادية في المقام الأول في البلدين تشرف على الحياة العامة وتنشغل بهموم الإنسان اللبناني والتونسي، وإلا فهي غير مقبولة عند الشعبين اللبناني والتونسي.

ومن هنا يتبين أن الرئاستين اللبنانية والتونسية في موقف حرج للغاية، لأن كليهما مرتبطان بدستور واتفاق معين لا يريدان خرقهما، فبعد انتخاب الرئيس قيس سعيد ديمقراطيا، وجد الشعب التونسي نفسه أمام مأزق جديد وهو تشكيل حكومة تونسية تشتغل بالمواطن وتحاول إيجاد طريق للتخفيف من حالة الاحتقان وصل إلى مرحلة الانتقام مما أفرز تصرفات مريبة كمحاولات الانتحار والاعتصام داخل أروقة البرلمان الجديد والانتصار للايديولوجيا العصبية، وبقاء الأحزاب في تعصبها الحزبي دون النظر إلى مصلحة الشعب والوطن، فمازال في أيامه الأولى غير مستقر وغير ناضج وغير متحمل للمسؤولية الخطيرة والأمانة التي على عاتقه، والناس في عوز وبطالة وفقر وتهميش وينتظر من النواب الدفاع عنهم لا الدفاع عن أنفسهم وايديولوجياتهم ومصالحهم الشخصية، ومن هنا ينبغي إيجاد قانون يحرّم النقاشات الأيديولوجية  والتنابز بالألقاب، في قبة البرلمان ويفرض عليهم العمل سويا من أجل الوطن والمواطن.

وفي لبنان، اُنتخب الرئيس ميشال عون وعُين رئيس الحكومة وبدأ عمله، لكن الشارع ضاق ذرعا بالضرائب ولم يعد يتحمل مصاريف الحياة ليعيش أجواء قريبة من أجواء تونس، ويعلن الانتفاضة الكبرى على الحكومة أولا فاستقالت، ثم على الرئاسة وما زالت تقاوم، ويبدو أن الشارع اللبناني لن يسكت حتى يتغير اتفاق الطائف، وحتى تنتهي الطوائف، ولن تنجح أي حكومة أو رئيس حكومة كما رأينا عندما رُشح الصفدي ثم الخطيب وكلاهما استقال لأنهما رأيا أنهما بعيدان عن الشارع وأمنياته، وكلاهما خاف على نفسه من الفشل الذريع والصدام المباشر مع الشارع في أول وهلة، ورميا الكرة في ملعب الحريري الذي يبدو أنه يشترط أن تكون الحكومة القادمة حكومة تكنوقراط صرفة، أو كفاءات بعيدا عن الأحزاب وهو الرأي الأصلح في هذا الوقت حتى تستقر النفوس وتهدأ، وتبدأ الأحزاب  بعدها في نقاش مستمر تتنازل فيه عن العصبية الحزبية وتدخل في نقاش حضاري من أجل لبنان البلد الذي لم يعد يتحمل ما يحدث فيه، ولكن هل ترضى الأحزاب الشيعية بذلك؟ لأنها تخاف من الإقصاء المتعمد الذي يريده الغرب أن يحدث اليوم في لبنان لإبعاد حزب الله عن المشهد السياسي، وهو أيضا أمر ينبغي أخذه بعين الاعتبار لأن الحزب له ثقله السياسي في البلاد ويمكن أن يحدث رجّة وهزّة إذا تم إقصاؤه عن عمد.

ومن ثم فإن التشابه بين البلدين كبير، في ظل مؤسسات دولة تعمل ولا تنقطع، حيث تجنب الانهيار الكلي للدولة سواء في تونس أو لبنان، وتبقى راية الشعب خفاقة نحو نيل الحقوق كاملة والاستمتاع بثروات البلاد.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here