فوزي بن يونس بن حديد: بينما يتحقق سلام الشجعان مع طالبان، تخضع الإمارات والبحرين إلى السلام بالإكراه

 

فوزي بن يونس بن حديد

تلجأ الدول أو أطراف النزاع عادة إلى السلام بعد خوض حروب قد تكون قصيرة أو طويلة حسب اشتداد النزاع بين طرفي الصراع، وهو قيمة حضارية لها نكهتها الخاصة التي تضفي على الجميع صفة الهدوء والسكينة بعد حالة الفوضى والخراب والدمار والقتل وجميع أنواع الأذى، ويكتب السلام بين الدول أو الأطراف المتنازعة كاتفاق يجري بينهما لإيقاف نزيف الدم، ووضع حدود وخطوط حمراء يلتزم بها الطرفان ويبقى الالتزام هو سيد الموقف، فإذا نقض أي طرف العهد أو الاتفاق المبرم بينهما عُدّ خائنا، ويجوز للآخر أن ينقضه، وقد حدثت اتفاقات كثيرة في العالم حاولت أن تنهي الصراعات والنزاعات والحروب سواء كانت بين أطراف في دولة واحدة أو بين دولتين أو بين دولة ودول أخرى أو بين كتلة وكتلة، منها ما نجح ومنها ما فشل ومنها ما تم قبْل نشوب حرب، إلا أنها كلها جاءت بعد نزاع شديد بين طرفي الصراع على الميدان أو في معاملات وبعد أن كانت للطرفين علاقات تعاون ربما، فالصراع العربي الإسرائيلي قائم لا محالة منذ سبعين عاما أي منذ أن احتلت إسرائيل فلسطين، واعتبر العربُ فلسطينَ القضيّة الأولى التي لا يمكن التنازل عنها بأي حال من الأحوال، كما اعتبروا أيضا أن إسرائيل اغتصبت الحقّ الفلسطيني بموجب وعد بلفور الذي استباح الأرض الفلسطينية وبدأ يتمدّد الاستعمار اليهودي في المنطقة دون وجه حقّ ودون أن تعترف إسرائيل بأي حق من حقوق الفلسطينيين.

ورغم القرارات الدولية التي كانت تطالب إسرائيل بالانصياع للقانون الدولي واحترام العهود والمواثيق الدولية إلا أنها الدولة الوحيدة التي تتصرف فوق القانون ولا تُعاقب، لأنها تتمتع بدعم أمريكي كبير ولا محدود، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، مما جعل الدول العربية تخضع لضغوطات كبيرة من البيت الأبيض للقبول بسلام بارد لا طعم ولا لون له لأنه دون مقابل تحققه الدول العربية على حساب إسرائيل، فلا سلام بالإكراه، إنما يكون السلام بتحقيق المنافع بين الطرفين، فالكل يستفيد من هذا الاتفاق، سواء كان ضعيفا أو قويا، ولكن هل يكون السلام بالإكراه كما حدث مع الإمارات والبحرين سلامًا؟ وما الفرق بينه وبين السلام الذي وقع بين ذات الدولة القوية الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان في الوقت نفسه وهما طرفان متصارعان أيضا.

بل إن حركة طالبان كانت تعدها أمريكا يوما ما حركة إرهابية وحاربتها في أفغانستان منذ 2001م بعد الحادي عشر من سبتمبر بعد أن آوت أسامة بن لادن الذي تبنى تنظيمه هذه العملية الكبيرة التي حدثت في قلب نيويورك، واستمرت الحرب التي قادها آنذاك جورج الابن سنوات واستخدم فيها كل القنابل المتاحة له لدكّ تورا بورا، ولم يفلح في القضاء على هذه الحركة التي استماتت في وجه الاحتلال الأمريكي لأفغانستان حتى استنزفت أمريكا قواها هناك، وبعد رحيل بوش الابن اضطر باراك أوباما أن يعلن عن سحب الجنود الأمريكيين من تلك البقعة الساخنة ليتبعه الرئيس الحالي دونالد ترامب ويواصل المشوار ويسحب مزيدا من الجنود الأمريكيين واضطر كذلك أن يجلس معهم على طاولة واحدة للمفاوضات لأنها في نظره رقم صعب لا يمكن هزيمته، فهذا الإقرار جعل الرئيس الأمريكي يعتقد اعتقادا جازما أن لا فائدة من الوجود الأمريكي في أفغانستان ما دام لا يحقق إنجازات، ولذلك اعتمد أسلوب المراوغة والمناورة مع دول العالم وأراد أن يثبت للعالم أنه محبّ للسلام، والحقيقة أنه فعل ذلك مضطرا مع أن حركة طالبان لا تحكم في أفغانستان، بل هناك حكومة في البلاد ولكن فضّلت أمريكا التعامل مع الخصم العنيد في أفغانستان لأن الحكومة لا تملك السيطرة على حركة طالبان بل تفوقها عسكريا ربما، وفعلت ما تريد، وتوصلت إلى اتفاق معها، لكنه سلام جاء بعد حرب ضروس وصراع شديد القوة، فهذا السلام جاء بعد تمكّن حركة طالبان وفرض شروطها على الأمريكان لتحقيق السلام بينهما.

وتدرك الولايات المتحدة الأمريكية معنى السلام جيدا، لأنها خاضت معارك حامية ووقعت اتفاقات متعددة بهذا الشأن، كما تدرك إسرائيل ذلك أيضا، ولكن إسرائيل تتعامل بحذر مع الفصائل الفلسطينية، ولم تظهر القوة الحقيقية لكلا الطرفين، كلما قامت حرب أطفأها العرب قبل العجم، وتُجبر إسرائيل على التهدئة لعدم قدرتها على مواصلة الحرب سواء في الجبهة الشمالية مع لبنان أو في الجبهة الثانية مع غزة، فهي تظهر قوتها على مراحل حتى لا تخسر كل شيء، لأنه لو قامت حرب طويلة المدى ستفنى إسرائيل عن آخرها رغم الدعم الأمريكي. فالسلام الحقيقي هو الذي يأتي بعد استماتة ونصر مبين وفرض معادلة جديدة على الأرض، ويفرض أصحاب الأرض أجندتهم على المحتل فيخرجونه بالقوة أو باتفاق سلام كما يقولون ذليلا منكسرا لا يملك شيئا، أما السلام الذي وقع بين إسرائيل من جهة والإمارات والبحرين من جهة أخرى فهو سلام بالإكراه الأمريكي، بين طرفين غير متصارعين على أي جبهة من الجبهات، طرف أعجمي مغتصب للأرض العربية وفخور بما أنجز، وطرف آخر عربي ضعيف لا يملك من القوة والجرأة شيئا، بل خضع لضغط شديد من طرف ثالث قوي له مصالح كبيرة مع الطرف الأول (إسرائيل)، ويستنزف الطرف الثاني (الإمارات والبحرين) لأنه يراهما بلدين ثريّان وعليهما أن يدفعا للأمريكان وإسرائيل بقدر ما يمكّنهما من السيطرة على المنطقة، فهل هذا سلام حقيقي أم سلام بالإكراه، سلام مقابل سلام كما قال نتنياهو، سلام فارغ من المضمون، فكيف ستقبله الشعوب؟

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here