فوزي بن يونس بن حديد: بعد استقالة بوتفليقة.. الشعب الجزائري يعلّم العالم معنى الديمقراطية ويبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة العصرية

­­­­­­­­­­­­

فوزي بن يونس بن حديد

أطاح الشعب الجزائري بالعملاق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعد أن قضى في الحكم عشرين عاما دون أن تُسكب قطرة دم واحدة ودون أن يتعرض أحدٌ للاعتقال والزج به في السجون، ودون أن تكون هناك محرقة كالتي حدثت في بلدان أخرى، كان الشعب الجزائري واعيا بما يفعل، هادئا في مسيرته، مثقفا في احتجاجاته في كل المدن الجزائرية، محافظا على نظافة بلاده، معبر عن إرادته التي لم تُكسر وكُتب لها النجاح، كما كانت القيادة على وعي بقدرة الشعب على تغيير الحكم في البلاد بالقوّة الحضارية، فكانت الجزائر ولا تزال تمثّل الديمقراطية في أعمق معانيها.

ومن خلال هذا الحراك السّلمي الحضاريّ، رأينا شعبا متحضّرا جدا، امتزجت فيه العروبة بالإسلام، فكانت تقوده الثقافة والوعي،  وتحرّكه القيم والمبادئ، أهدافه واضحة ومحددة أصرّ عليها بثقافة ووعي دون تخريب  أو تدمير، ودون سبّ أو شتم،  رافعين علم  الدولة متحدين خلف راية وطنهم، أرادوا العزة والكرامة بعيدا عن أيّ حسابات معقدة، حاول المحيطون بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة تهدئة الوضع بقرارات الواحد تلو الآخر،  لكن هذه القرارات لم تفتّ عضدهم يوما بل واصلوا الحراك وأصرّوا على رحيل النظام بكامله وعلى رأسهم عبد العزيز بوتفليقة نفسه.

قدمت الرئاسة حلولا من شأنها أن تخفّف الاحتجاجات، لكن الاحتجاجات كانت تزيد في كل مرّة وتعمّ البلاد شرقها وغربها، وحاولت مراودة الشعب لكن شباب التغيير لم تنطل عليهم حيل النظام الجزائري وظلوا متمسكين برحيل النظام كاملا، ومغادرة الوجوه السياسية الجزائرية القديمة لتفسح المجال لوجوه جديدة تقود البلاد، همها خدمة الوطن والمواطن والقضاء على الفساد وشبهاته، وإحياء روح العزة والكرامة في بلد المليون شهيد، وقد تحقق لهم ما أرادوا بعد أن قدم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة استقالته يوم الثلاثاء، معلنا نهاية حقبة قديمة من التداول على السلطة، وبداية مرحلة جديدة من الحكم.

اليوم صار الشعب الجزائري حرّا طليقا كطيف النسيم، بعد أن كسّر كل القيود بينه وبين السلطة، وصار هو الحاكم الفعلي في البلاد، اليوم فقط استعاد الشعب الجزائري الجزائر وحكم الشعبُ البلادَ بقوة الحراك في الشارع والضغط على أصحاب القرار أن يستقيلوا جميعا ويتركوا مناصبهم للشعب ليختار من يمثّله ويقوده في المرحلة المقبلة.

اليوم وبعد استقالة الرئيس الجزائري وطاقمه الرئاسي ومن حوله، صارت الجزائر في أيدي الشعب، وينبغي عليه في هذه المرحلة الحسّاسة أن يكون يقظا من أي محاولة لتقوبض هذا النضال سواء من الداخل أو الخارج، والبحث عن طرق ووسائل تكفل لهم المحافظة على عناوين الحراك الرئيسة حتى لا تفقد نكهتها، وتظل براقة يحفظها الدهر،  ومن أساسيات هذه المحافظة، المحافظة على حالة الاتحاد التي ظهر عليها الشعب بكافة توجهاته الحزبية والدينية والعرقية، ودحض أي محاولة لإشعال فتنة قد تحدث من خلال تأجيج الصراعات المذهبية أو القبلية أو العرقية،  والتنبه واليقظة وممارسة أقصى درجات الحذر  لأي محاولة لإيقاد جذوة الفتنة، فإذا  أُوقدت اشتعلت وأحرقت كل مكتسبات الحراك النضالي.

هناك شخصيات ودول ومنظمات لا تريد للشعوب العربية أن تتحرّر ولا أن تتطوّر، ولا أن تُبدع، ولا أن تُعلّم الدول الأخرى معنى الديمقراطية بسلم لا بحرب، وبثقافة لا بهمجية، وبهدوء لا بفوضى، وتقف بالمرصاد لأي محاولة سواء من إثارة المشاكل الداخلية أو العزف على أوتار الفقر والمذهبية والقبلية أو من خلال تضييق الخناق عليها من الخارج عن طريق العقوبات الاقتصادية وغيرها، وبعد أن فرح العالم بالتجربة الديمقراطية الناشئة والحضارية في الجزائر لم تحدث حتى في عالم الغرب الحديث ستظل الجزائر تحت المراقبة الشديدة لما ستؤول عليه الأوضاع في المرحلة المقبلة، وكيف ستتعامل مع جيرانها ومستعمرتها فرنسا، والدول الأوروبية الأخرى.

الدرس الذي علّمته الجزائر أقرانها أن لا شيء مستحيل، والشعب إذا أراد الحياة بعزّة وكرامة يستطيع أن يغيّر الأحداث، والثقافة لها دور كبير في التحول الدراماتيكي الذي شهدته البلاد، كما أن استجابة الرئاسة الفورية وعلى مراحل لمطالب الشعب ساهم في حل المشكلة دون تعقيد، ويبقى اليوم أن يواصل الشعب الجزائري ما بدأه بهمّة وعزم لا يلين ولا يلتفت لدعوات التقسيم والتمسك بالوطن الواحد واتخاذ القرارات الجريئة التي تفيد البلاد أولا، والمحافظة على علاقات طيبة مع الجيران والأصدقاء، واحترام الآخر مهما كان.

لستُ أقدّم حلولا، لأن الشعب الجزائري مثقّف وواع بما فيه الكفاية، ولكن من باب التذكير لا غير، وإن الذكرى تنفع المؤمنين، وأقول هنيئا لشعب الجزائر هذا النصر والتمكين، وهنيئا لشعب الجزائر هذا التغيير، وإلى الأمام دائما بعزّة وكرامة ومجدٍ وحريّة، وهنيئا لشعب الجزائر الدولة الجزائرية الجديدة تبنونها بسواعدكم لبنة لبنة، وتشهدون في مستقبل الأيام الدولة العصرية الجدية المتألقة، وفقكم الله لما فيه خير الجزائر، ودامت الجزائر حرّة أبيّة عزيزة مكرمة مزدهرة متطورة.

كاتب تونسي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اتمنى على أخينا فوزى بأن لا يستبق الأحداث لان الامور تقاس بخواتيمها . حقا لقد انجزوا الجزء الأول بكل رقى وسلوك سلمى عالى التقدير وبقى الجزء الثانى الهام جدا جدا جدا جدا جدا الذى بانجازه كما يجب تحقق الحلم ونالوا المراد ( لا تنسى بأنه الأصعب كما تعرف بأننا العرب نعرف كيف نثور ولكننا نادرا ما نحسن جنى الثمار كما يجب والتاريخ العربي والإسلامي امامك )
    قطعا من كل قلبى اتمنى للاشقاء بلد المليون شهيد ان يتجاوزوا ازمتهم ويحققوا حلم التغيير المنشود دون ضربة كف ناهيك عن قطرة دم وان يكونوا قدوتنا ونتشرف بهم وهم أهل لذلك .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here