فوزي بن يونس بن حديد: بسبب المعيشة… هل تنفجر البلدان؟ عدوى السترات الصفراء تنتقل الى تركيا والسودان

فوزي بن يونس بن حديد

بعد الانفجار الذي أحدثته السترات الصفراء في باريس وفرضِ الأمر الواقع وإجبار الرئيس الفرنسي على تقديم تنازلات أو التلويح والتصريح بإقالته من منصبه، أصابت العدوى كثيرا من البلدان الأوروبية والإفريقية وما زال صداها يتردد بين القارات، فلما تنازل الرئيس الفرنسي عن كبريائه وعناده بعد أن تلقى ضربات موجعة كادت أن تطيح بعرشه، ها هي بلجيكا تنتفض وحتى إسبانيا وربما إيطاليا والبرتغال وغيرها من البلدان التي تعيش ديمقراطية موهومة من قديم الزمان، لماذا ينتفض الناس في أوروبا وهم في نظر العرب وغيرهم يعيشون الترف بكل أنواعه، يعيشون الترف الفكري والترف الأخلاقي والقوانين الصارمة في محاربة الفساد، إلا أننا نشاهد الفساد يعشّش في أغصانهم، والشعوب تعيش القهر كما الشعوب العربية في بلدان إفريقية عدة، فلماذا انتفض الشعب يا ترى؟

انتقلت العدوى إلى تركيا البلد الذي حقق طفرة اقتصادية في عديد السنوات في عهد أردوغان، واليوم يجوب آلاف الأتراك الشوارع مطالبين الدولة بالنظر في أحوالهم، يدفعهم إلى الشارع غلاء المعيشة وهو السبب نفسه الذي من أجله انتفض أصحاب السترات الصفراء في باريس، وهو نفسه السبب الذي انتفض من أجله السودانيون، وربما تلحق دول أخرى عدة تطالب حكوماتها بسرعة الاستجابة وإلا الفوضى والدمار، ترى ما الذي يحرك الشعوب أن تنتفض على حكوماتها شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، لماذا تتعرض الدول لخطر الإفلاس بعد أن كانت تنعم بالعيش الرغيد يوما؟.

إذا نظرنا للعالم اليوم نظرة تأمّلية ندرك السبب الرئيس في ذلك، إنه غياب العدالة الاجتماعية، فالشعوب لا تُقهر إذا انتفضت، ربما تستكين بالقمع لفترة من الزمن، لكنها يومًا حتمًا ستنتفض، وإذا أرادت الشعوب تغيير الوضع الراهن لن يقف في وجهها رئيس ولا حكومة ولا قمعٌ ولا شرطة ولا جيشٌ، وإنما الحكمةُ وحدها من تستطيع أن تهدّئ روع الشعوب، وتجعلها تستجيب لنداء الحكومة، الحكمة وحدها من تجعل الشعوب لا تلجأ للفوضى ولا تحدث أزيزا، وبعدها تأتي العدالة في أسمى معانيها، فالحاكم الذي لا ينظر لشعبه هو خاسر في الأساس، سواء رشّحه حزبه أو ضمّده أغنياء بلده.

وما دامت الشعوب تعيش المعاناة في أقسى معانيها، والبؤس في أتعس صوره، والفقر في أحدّ أشكاله، فإنها لا تسكت، ستعلي صوتها وستطالب بحقوقها، فهي ترى أن من يحكم يبقى في برجه العاجي ولا يرى الشعب إلا من خلال وزرائه، وهؤلاء ينقلون له الأخبار الكاذبة عن شعبه، حتى يفاجأ بثورة أمام قصره، فالشعب يحتاج إلى حاكمه يبث فيه السكينة والطمأنينة، يرعاه بنفسه، يبحث عن الحلول لمحنته، كثير من الشرائح تعيش فقرا وتهميشا وربما جهلا وأمية، يحتاج إلى تقارير صحيحة، يحارب الفساد والفاسدين، يردّ الظلم عن المظلومين ويأخذ حقوقهم من الظالمين، الشعب يحتاج إلى العدل لأنه أساس الحياة، فلا حياة دون عدل، ولا عيش دون مساواة، فلا فرق بين غني وفقير ،ولا فرق بين رجل وامرأة، ولا فرق بين أبيض وأسود، هذه هي الأسس التي تريدها الشعوب من الحكام أن ينفذوها واقعا.

إذا أرادت الدول أن تستقر، عليها أن تكون عادلة وهو المبدأ الأساس الذي قامت عليه الثورات، هو المبدأ الذي جاء به الإسلام، وحينما طُبق في عهد من وُصف بالعدل كان له أثره الكبير في الشعب، فانظروا إلى عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، كيف وجد خزينة الدولة وكيف وجد الشعب يشكو من ظلم الأمويين، ففي سنتين فقط حوّل الدولة من وجه إلى وجه آخر غير معهود، في سنتين فاضت خزينة المسلمين، في سنتين سدّد ديون المدينين، في سنتين زوّج الشباب الراغبين، في سنتين لم تعد هناك أسرة فقيرة ولا محتاجين، إنه العدل والحِكمة في التصرّف بوازع ودين، وهذا ما ينقصنا في هذا العصر  المشين، الذي ينشد العدل كأساس للخروج من هذه الأزمات المالية المتلاحقة.

كاتب تونسي

 

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here