فوزي بن يونس بن حديد: بدبلوماسيتها الناجحة.. إيران تخترق الجدار الأمريكي بصمت 

فوزي بن يونس بن حديد

أثبتت إيران مرة أخرة أنها قادرة على المواجهة والمناورة وأنها رقم صعب في العالم، حتى إذا وضعها القدر في مواجهة مع أعتى دولة في العالم، فهي لا تأبه للقوي الذي يظن أنه قوي، وباستطاعته الدوس على الضعيف ومحقه والاعتداء عليه وإلحاق أقصى الضرر به، كما أثبتت للولايات المتحدة الأمريكية أنها قادرة على إيلامها إذا تعرّضت هي لسوء تسببت فيه أمريكا بطريقة مباشرة كما فعلت بعد اغتيال قاسم سليماني بضربها قاعدة عين الأسد الجوية ضربة موجعة ومؤلمة أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية على الداخل الأمريكي وعلى وجودها الخارجي، وقد استطاعت إيران أن تخرج من عزلتها العالمية بعد أن تحالفت مع القوى الكبرى في العالم التي تنافس الولايات المتحدة الأمريكية كالصين وروسيا، والدول الأوروبية الكبرى، خاصة بعد الاتفاق النووي الأخير الموقع في سنة 2015، الذي جلب احتراما دوليا كبيرا لإيران خاصة من الوكالة الدولية للطاقة النووية التي رأت أن إيران ملتزمة بكل الاتفاقات الدولية وبالاتفاق النووي بحذافيره ولا داعي لإثارة البلبلة والقلق، وحظيت باحترام أوروبي لأن أوروبا تعتقد بأن إيران لديها قدرات هائلة ويمكن التعامل معها كحليف استراتيجي في المنطقة، ومادامت قد وافقت على الحوار الذي طال بين جميع الأطراف سنوات وانتهى باتفاق بينهم والتزمت به إيران فهي في عين أوروبا أفضل من أمريكا التي تمارس في حقهم سياسة العقوبات والإقصاء والانفراد بالرأي.

ومن خلال ذلك رأت إيران أن لغة الحوار هي التي تسهم في التناغم والتواصل مع الأطراف الأخرى، أما لغة الانتقام والاحتقار والازدراء والاستهزاء والمكابرة والتهديد فلا تنفع معها لأنها تعدّ دولة ندّا للولايات المتحدة الأمريكية التي مازالت تعتقد أن إيران العدو الأول بالنسبة لها بناء على توصية من دونالد ترامب ونتنياهو لتغيير المعادلة في الشرق الأوسط، ولذلك يرفض ترامب التحاور مع إيران رفضا قاطعا في هذه المرحلة لأنه يريد أن يكون الحوار على مقاسه ووفق شروطه الخاصة وهو ما ترفضه إيران أيضا بكل قوة، وتعتبر ذلك نوعا من الإجحاف والظلم الذي لا مبرر له، ولذلك يسود توتر كبير في العلاقات بين الطرفين اليوم خاصة بعد أن عبر ترامب عن امتعاضه من الأوروبيين الذين كسروا حاجز الانفراد بالسيطرة على سلطة القرار في المنظمة الأممية، وأرادوا أن يبينوا لترامب أن إيران لا تخفينا نحن، وبالتالي سنتعامل معها بكل أريحية، وما دمتَ أنتَ تريد إنهاكها بالعقوبات فذلك شأنك.

وعلى هذا الأساس نجحت إيران وانتصرت مرة أخرى على الاستفزاز الأمريكي بأسلوب حكيم لا تشنّج فيه ولا تهجّم، وإنما كان الرد عليه من خلال الحلفاء الأوروبيين الذين رفضوا قرار الولايات المتحدة الأمريكية تمديد العقوبات الأممية على إيران، ووجهوا صفعة قوية لترامب وحلفائه نتنياهو وبن سلمان، ومن ثم سيسعى ترامب إلى البحث عن سبل أخرى لممارسة شعوذة العقوبات الوهمية على إيران ولا يخول له القانون الدولي ذلك لأنه قد انسحب رسميا من الاتفاق النووي، وبهذا تجد أمريكا نفسها منعزلة عن العالم بانفرادها بالرأي ويمثل توطئة مبطّنة بنهاية الاستفراد بالقرار فلم تعد في العالم قوة واحدة قاهرة لكل القوى الأخرى، وإنما صار العالم متعدد القوى، وأصبحت الدول الكبرى كالصين وروسيا وبعض الدول الأوروبية تتحدى أمريكا لأنها ملت من التهديدات الترامبية والعقوبات التي يلوح بها في كل مرة، بل إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اقترح على الولايات المتحدة التوسط لحوار هادئ وبنّاء مع إيران وإذا ما تحقق ذلك ورضي ترامب بمثل هذا الحوار، فإنه قد اعترف ضمنيا أن إيران ليست دولة إرهابية كما يسوق ذلك في العالم ولم تعد تمثل تهديدا خطيرا كما يظن، بل أصبحت طرفا مهمّا في الحوار عن طريق وسيط يثق به الجانبان، ومهما حصل فإن إيران رابحة في الجانبين حتى لو توجّه الرئيس الأمريكي إلى فرض عقوبات جديدة لأنها لا تؤثر على إيران بصفة مباشرة وعدّها كثير من السياسييّن والمراقبين وهْمًا وسرابًا يركض وراءه ترامب لتحقيق مكاسب قبل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر القادم.

ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول إن إيران كسبت نقاطا مهمة في معركتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعليها أن تحافظ على هذا النهج حتى تستطيع أن تكسب مزيدا من النقاط أمام المجتمع الدولي، وهي اليوم في مرحلة قوة لأن حلفاءها وقفوا بجانبها وتستطيع أن تحرج الإدارة الأمريكية حتى لو فاز ترامب بولاية ثانية، وهي في الوقت نفسه تمثل ضربة قوية لمعنويات ترامب الانتخابية التي أصبحت اليوم ساخنة جدا خاصة بعد وفاة أبرز قاضية أمريكية روث بادر غينسبورغ ليسابق ترامب الزمن ويحاول أن يعين خليفة لها قبل الانتخابات الرئاسية ويضغط على مجلس الشيوخ لتعيين بديل لها وتأمين غالبية مريحة للمحافظين في المحكمة التي تملك الكلمة الفصل في عدد من القضايا الحساسة مثل الإجهاض واقتناء السلاح وعقوبة الإعدام وغيرها وأكد رئيس مجلس الشيوخ الأمريكي ميتش ماكونيل ذلك حيث ذكر أن المجلس سيصوت على مرشح الرئيس دونالد ترامب ليحل محل القاضية غينسبورغ في المحكمة العليا بينما يصر الديمقراطيون على تأجيل ذلك إلى ما بعد الانتخابات لأن ذلك من شأنه أن يستغل ترامب منصبه لتعيين من يريد ومن يتبع سياسته.

وفي الأخير تبقى إيران بصراعها المرير أمام أمريكا وجبروتها، تحاول أن تقنع العالم أن أمريكا رغم قوتها الكبيرة إلا أنها لا تخيف إيران، ولا تستطيع تركيعها بأي وسيلة ولأي سبب من الأسباب لأن موازين القوى في صالحها سواء في الداخل أو في الخارج، وعلى أمريكا بعد الانتخابات سواء فاز ترامب أو لم يفز أن تفقه أنها أمام منافس شرس وشريف.

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. الحروب العربية اودولة الكيان الصهيوني متفق عليها
    مسبقاً لاستنزاف الدول العربية
    الحرب يشعلوها كما يشاءون وتقف كما يشاءون
    ايران دولة مستقلة قوية لها قرار في الحرب ولا احد يتوقع ما يحدث في الحرب مع ايران
    امريكا تستقوى على أنصاف الرجال ولا تسترجي
    على مجابهة الرجال

  2. كل دولة تقف مع الحق الفلسطيني قولا وفعلا تصير بشكل أو بآخر ذات وزن إقليمي وممكن دولي (إذا كانت هذه الدولةكبيرة كمصر أو إيران أو تركيا). والعكس صحيح ، كما هو حال مصر وباكستان تقريبا هي دول هامشية لا نفوذ لها إقليميا بعدما أبعدا القضية الفلسطينية من اولوياتهما.
    أما إيران فقد اختارت سنة1979 الوقوف ضد الصهاينة في فلسطين. فصارت الرقم الصعب إقليميا ودوليا بعكس مصر التي خسرت وزنها بعد كامب ديفيد.

  3. بسم الله الرحمن الرحيم.
    الاستاذ فوزي بن يونس بن حديد المحترم.
    بارك الله فيك و حفظك الله و احسنت بمقالك هذا.
    ان العزة لله يؤتيه من يشاء بغير حساب.
    دمتم بالف خير.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here