فوزي بن يونس بن حديد: البشير إلى الجنائية الدولية.. لماذا يفعل ذلك السودان؟

 

 

فوزي بن يونس بن حديد

كنا نسمع الرئيس السوداني السابق عمر البشير في خطاباته الرنانة أيام كان رئيسا أنه لن يسلم أي سوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية وكان يفاخر بذلك ويعتبر السودان دولة تحافظ على مواطنيها وتحاكمهم داخل السودان إن ارتكبوا جرائم في حق المال والبشر والدولة، ولا ترسلهم إلى أي جهة خارجية تتولى محاكمتهم، غير أن الوضع اختلف الآن كما يبدو بعد عزل البشير عشية العاشر من أبريل 2019م بعد تدخل الجيش السوداني وإزاحته بالقوة من السلطة، وبدا البشير متّهما ومحكوما عليه بعد أن كان حاكما يصول ويجول في طول البلاد وعرضها، فما الذي تغير؟ وما الذي حدث في السودان فجأة بعد تغيير النظام هناك؟

في اليوم العاشر من شهر أبريل الماضي لم يعد عمر الحسن البشير رئيسا للسودان بل أصبح رئيسا معزولا من الحكم بالقوة العسكرية بعد مطالبات الشعب برحيل النظام أو تغيير النظام لأنه فشل في تأمين حاجيات الشعب السوداني، أو لأنه في الحقيقة نظام إخواني عملت أمريكا وإسرائيل على اجتثاث الإسلاميين من الحكم كما فعلت ذلك مع الرئيس المصري السابق محمد مرسي ومع البشير الآن ومع غيرهما من الحكام الذين لا ترغب في التعامل معهم، ولأن البشير قاد حربا ضد الحركات المتمردة في دارفور وجنوب السودان فقد كلفته غاليا الآن، كلفته تقسيم السودان إلى شطرين، وكاد أن ينقسم الشمال إلى شطرين آخرين، لكن الاحتجاجات الشعبية هي التي سرّعت في نهاية البشير، وكان في المخطط الأمريكي الإسرائيلي استقلال دارفور عن الشمال السوداني، هذه المنطقة الغنية بالنفط والموارد الطبيعية، كان الصراع عليها منذ عقود من الزمان بين الحكومة وما يسمى بالمتمردين، ولكن الغرب لن يترك شيئا للعرب إلا وحطّ عليه عينه كما يفعل اليوم في مناطق أخرى من العالم العربي في العراق وليبيا وسوريا من نهب للثروات وتأجيج الاحتجاجات ونشر الفوضى وإحداث بلبلة لعدم الاستقرار.

والغريب في هذه القضية أن رئيس مجلس العسكري أو السيادي بالسودان عبد الفتاح البرهان كان يرفض تسليم عمر البشير إلى محكمة الجنايات، لكن يبدو أن لكل شيء مقابل كما يقال، فلا يأتي شيء مجانا من أمريكا وإسرائيل، بل كل ما يجري في الساحة السودانية يكون تحت ضغوط أمريكية وإسرائيلية كبيرة حتى يستجيب السودان لأوامر الحكام الأمريكيين والإسرائيليين، ولكي يرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولأن المعارض محمد نور الذي يعيش خارج السودان طالب بتسليم البشير للمحكمة الجنائية لأنه في نظره ارتكب جرائم حرب يستحق أن يحاكم ويعاقب عليها وجعل ذلك شرطا أساسيا لعودته للسودان والانخراط في الحكومة، لقد تغير موقف الحكومة السودانية في هذه القضية الشائكة، وأصبحت لا تمانع من تسليم الرئيس السابق إلى هذه المحكمة الدولية رغم رفض  قطاعات واسعة من الشعب السوداني، ومناصري الرئيس السوداني المعزول، وفي الوقت نفسه كان مطلبا إسرائيليا لمواصلة الجهود الرامية إلى تحقيق تقدم في العلاقات السودانية الإسرائيلية، التي بدأت تتوطد نتيجة التفاهمات الأمريكية مع إسرائيل.

نحن اليوم أمام منعرج خطير، وقد تسلم الحكومة السودانية البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويحاكم على ما ارتكبه في حق المواطنين  السودانيين في دارفور وفي الجنوب إبان رئاسته، وقد يحكم عليه بالسجن المؤبد، وقد يتعرض للموت المفاجئ نتيجة إهمال طبي كما حدث لمحمد مرسي، كل ذلك يجري في صفقة تبدو غير منطقية، لأن السودان تغير كثيرا بعد تغيير النظام وآلت الأمور إلى أسوأ مما كان فما زال السودان يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة ومازال تحت خط الفقر ومازال تحت قائمة الإرهاب ومازال يعاني في اليمن ومازال ينتظر تحقيق تقدم اقتصادي، ومما لا يعلمه أنه لن يتقدم إلا إذا تنازل عن شيء ثمين للغرب الذي ظل وسيبقى يساوم ويستنزف القوى الصغرى والدول النامية حتى يبقيها على شفا الانهيار المحقق وعندئذ يرفع يده ويتركها للفوضى كما هو حاصل الآن.

هل يسلم السودان عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهل هذه هي ضريبة حكم الإخوان في كل مكان، أم هو فعلا كان عمر البشير مجرم حرب فعل بأهل دارفور ما يستحق العقاب، دع الأيام تفعل ما تشاء، وللسياسة أحكام.

كاتب تونسي

Abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. كل أمة تسلم رئيسها حتى لو كانت طاغية زمانه الى غيرها فهي أمة ذليلة ومهانة وسيزداد السودان جوعا وذلا وشاهت وجوه المتظاهرين الخائنين الجاهلين وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون يا امي رغم الذل العربي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here