فوزي بن يونس بن حديد: أم ناصر … خنساء فلسطين تتحدى الصهاينة

فوزي بن يونس بن حديد

هي امرأة في السبعين من عمرها، تتحدى الصهاينة المجرمين الذين دمروا بيتها وأسروا أبناءها الستة وسابعهم استشهد، قام الصهاينة المجرمون بهدم بيتها أمام عينيها وأعين العالم المسكين الذي لا يحرك ساكنا، هدّموه بدم بارد وبكل عنجهية وهمجية الجيش المحتل الذي لا يصرف قوته إلا على الأبرياء العزل ولا يصوّب بنادقه ويظهر شجاعته إلا في وجه النساء والولدان والضعفاء، أمّا أمام جند القسام فهو قزم لا يكاد يُرى، وقد علّمتهم المقاومة معنى الدفاع عن الشرف. ولأن الصهاينة ليس لهم شرف فهم يعبثون بكل شيء، حياتهم عبث، وعملهم عبث، وقتالهم عبث، ظنوا أنهم بهذا الهدم سيكسرون حدة المقاومة وبقتلهم الشباب سيضعفون شرارة الدفاع عن المقدسات والأعراض، إنهم والله واهمون ولن ينجحوا في مخططهم الاستعماري الامبريالي.

خنساء فلسطين التي ظهرت على الشاشات ليست الأم الأولى ولا الأخيرة التي تفقد أبناءً في عمر الزهور، ولكنها الأم التي أثبتت أنها صامدة في وجه الاحتلال الصهيوني بإيمان ثابت وعزيمة قوية وإرادة لا حدود لها، جعلها تصمد وتحتسب أمرها لله وتدعوه أن يوفّق المقاومة في دحر الاحتلال الصهيوني وتعليمه درسا كالذي قامت به في غزة وعند الحدود، يبدو أن الصهاينة لم يتعلموا الدرس ولم يفقهوا أنهم منقرضون ومغادرون هذه الأرض التي دنّسوها بقطعانهم المشرّدين، وأن القدس الشريف ستتحرر بإذن الله تعالى اليوم أو غدا وإن بدت ملامح التحرّر قريبا بعد أن هبّ الفلسطينيون للدفاع عنها وعن كرامتهم وحرّيتهم وتركوا كل العروض البالية التي طرحها من طرحها وراء ظهورهم، لا ينتظرون شيئا من العرب ولا من العجم، كل الفلسطينيين صاروا مقاومة وكلهم يبتغون الشهادة وإلا النصر وكلهم لا يرضون بالذل والهوان، وكلهم كتلة واحدة في مواجهة العدو الصهيوني.

أم ناصر بكلماتها حركت الشجون، وأشعرت العرب الملايين أنهم عن الوعي غائبون وأنهم في ملذاتهم غائصون، هل هناك من يصغي إلى هذه الأم الرؤوم، إنها أم لستة من الأبناء ولا أحدا منهم بقربها يسألها كل صباح، يناديها يا أمي كيف حالك وماذا تحتاجين، ترسم له ابتسامة وتدعو له بالخير، تطلب منه أن يعينها في شراء الحاجيات، تحتضنه ويقبّل رأسها بِرّا بها، كل ذلك لا يحصل لأم ناصر، هي تدعو لهم بالغيب، تدعو أن يفكّ أسر من بقي على قيد الحياة وتترحم على الشهيد الذي استشهد ورحل عنها تزفه الملائكة.

أمّ ناصر هي مثال للأمّ الفلسطينية الشجاعة الصامدة، وشجاعتها وصمودها يرهب الصهاينة، هي تنجب الابطال بالفطرة، والاحتلال ينجب الجبناء بالفطرة، هي أمّ مثالية لكل الفلسطينيين الشجعان الأبطال الذين يعتمدون على أنفسهم في مواجهة الطغيان الصهيوني المدجج بالسلاح والسيارات العسكرية والديناميت الذي يفجر المنازل ويترك العائلات في العراء وفي البرد القارس، يا له من مفارقة عجيبة وما أجمل الصمود إذا كان على هذه الصورة التي تفزع الإرهاب الصهيوني وتجعله يفكر ألف مرة قبل إقدامه على أي عملية سواء في الضفة أو في غزة، إنه الصمود بأتم معانيه والشجاعة بأتم معانيها.

كيف لأم أن تتحمل فراق أبنائها الستة بين شهيد وأسير، كيف لأمّ أن تصبر على فراق أبنائها الستة جملة واحدة كما فعلت الخنساء يوما حين دفعت بأبنائها الأربعة للذود عن دين الله تعالى فقالت لهم: ” يا بَني.. إنكم أسلمتم طائعين.. وهاجرتم مع رسول الله مختارين.. والله الذي لا إله إلا هو إنكم لأبناء رجل واحد كما أنكم أبناء امرأة واحدة.. ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم.. وأنتم تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الأجر الجزيل في حرب الكافرين.

يا أبنائي إن الدار الباقية خير من الدار الفانية، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. صدق الله العظيم.. فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله تعالى سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين.. وبالله على أعدائه مستنصرين.. فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سباقها، وجعلت نارًا على أوراقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالمغنم والكرامة في دار الخلود والمقامة.

لقد استطاعت الخنساء أن تغذي أبناءها بحبّ الجهاد في سبيله، وربتهم على الفضائل والأخلاق، فتقدم أولادها الأربعة إلى أوائل الصفوف لمقاتلة الفرس، واحتدم القتال، وتقدم الأربعة واحدا تلو الآخر، يبذلون دماءهم زكية على أرض القادسية؛ حتى قضوا جميعا شهداء.

لكنها لم تطلِ البكاء عليهم كما فعلت مع أخويها، لذلك وقف كثير من الباحثين أمام هذه الظاهرة، ظاهرة الشاعرة الخنساء التي عاشت حياتها حتى بعد الإسلام تبكي أخاها صخرًا.. ولم تذرف دمعة واحدة على أبنائها الأربعة شهداء معركة القادسية”.

كل نساء فلسطين خنساء أيها الصهاينة المجرمون مهما فعلتم ومهما اعتديتم، فالأم الرؤوم ستظل صامدة كالجبال الراسيات تدفع بأبنائها الأبطال نحو الفداء، ونحو الشهادة في سبيل العزة والكرامة، وسيظل الصهيوني أبد الدهر جبانا يقتل ويدمّر ويهدم من بعيد، وترتعد فرائصه عندما يلاقي الشجعان من فلسطين.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here