فوزي بن يونس بن حديد: أردوغان سيخرج من سوريا طوعًا أو كرهًا.. بعد تدخّل روسيا

 

 

فوزي بن يونس بن حديد

تعودنا على فقاعات أردوغان، يزمجر هنا ويرعد هناك، ولقد ثبت تاريخه السياسي أنه يتحدث أكثر مما يفعل، لأنه يصطدم بواقع جديد لا حول له ولا قوة، كما فعل في غزة مع الفلسطينيين، وكما فعل مع السعوديين في قضية اغتيال خاشقجي، وكما يفعل اليوم في ليبيا وسوريا، وفلسطين، خطابات وتصفيق حار، لكن الواقع يبدو مختلفا جدا، هو أردوغان الذي يحسن التمثيل على الشعب التركي ويستميل المسلمين في العالم، واليوم وهو  مشتت لم يحرك قضية واحدة نحو الحل النهائي، بل ظل يعكر الأجواء من خلال استحداث المشاكل والنزاعات، ويبدو ان النزاع بين الجيش العربي السوري والجيش التركي سيتفاقم  خلال الأيام القادمة إذا لم يتدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وينهي الصراع الذي يمكن أن يطول إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة للحد من السباق نحو المجهول، وإذا كانت سوريا مقتنعة تماما أن تركيا تحتل أرضها في الشمال فإنها لن تتردد في تحرير كل أراضيها وهذا من حقها طبعا، لأن أي احتلال يمكن أن يؤدي إلى صراع بين دولتين جارتين من المفروض أن يحترم كل منهما الآخر ولا يتدخل أحدهما في شؤون الآخر مهما طال الزمان أو قصر وحتى لا يكتب التاريخ أن الجارة اعتدت على جارتها دون وجه حق، وهي اليوم وبعد الانتصارات التي حققتها سوريا على الإرهاب واسترجاع نفسها وقوتها تدريجيا وبسط نفوذها على مواقع الدولة التي احتلتها الجماعات الإرهابية في وقت سابق، تسعى إلى تحرير كل شبر  تسيطر عليه قوات أجنبية حتى ولو كانت تركيا.

وبما أن تركيا تزعم هي الأخرى أنها دخلت إلى سوريا لحماية السوريين الهاربين إليها من القصف والموت وإنشاء منطقة آمنة يمكن للسوريين البقاء في أراضيهم دون تحميل تركيا أعباء تنقلهم من سوريا وإيوائهم في مخيمات لا تصمد أمام التحديات المناخية، فإنها ستواصل تحرّكها وتعتبر ما فعله النظام السوري من قصف قواتها اعتداء سافرا عليها، ومن ثم فهي تتوعد النظام بالتدخل فورا وإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه إذا لم يستجب الرئيس بشار الأسد، ولم يعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يذكر الرئيس السوري بالاسم ولم يعد يوجّه له التهم كما كان يفعل في السابق، واكتفى في حديثه واقتصر على كلمة النظام، وعلى هذا فإن النزاع التركي السوري سيستمر على الأرجح وربما سيشتد في الأيام المقبلة إذا لم تتدخل روسيا لوضع حد لهذه المأساة التي استمرت أكثر من تسع سنوات، فالحرب في سوريا طال أمدها، وينبغي إيقافها، وإيقاف نزيف الدم، ولا يمكن لأردوغان أن يغير النظام السوري بالقوة ودعم الإرهابيين الذين يعتبرهم ثوارا  لكي يمسكوا بزمام في سوريا الحضارة والثقافة والسياحة والتجارة.

هذه النزعة الامبريالية الاستعمارية التي يحملها أردوغان بدعوى إحياء تراث أجداده لا بد أن تنتهي، ولا يمكن أن تحتل تركيا تحت أي ذريعة من الذرائع إلا إذا طلب منها التدخل، طبقا للقانون الدولي الذي لا يسمح لأي دولة أن تتدخل في شؤون غيرها من الدول إلا في إطار من الشرعية الدولية والقانون الدولي، وبما أن العالم اليوم يعيش الفوضى على وجهها الأكمل، فإن الدول القوية لا تلتزم بهذا القانون وتسعى لفرض سيطرتها بالقوة وإرساء واقع جديد يسبب الآلام لملايين البشر، فالقوة والاحتلال لا يجلبان إلا الدمار والخراب وهذا ما يحصل الآن، وكان على أردوغان وهو الرجل الذي يزعم أنه يحمل قضايا الأمة أن يكون قدوة للدول الأخرى لا أن يزيد الطين بلة، ويتدخل في سوريا بإجحاف، ويحاول فرض سيطرته من خلال إرسال وحدات من جيشه، ورفع العلم التركي على مؤسسات سورية، فماذا لو فعلت اليونان أو قبرص أو أرمينيا بتركيا، ماذا سيكون موقف أردوغان، سيرعد ويزبد ويطالب العالم بالتدخل فورا وإنهاء هذه المهزلة كما يحب أن يسميها.

اليوم نحن أمام مشهد جديد، قد يطول وقد يقصر حسب تدخل القوى الكبرى لفض النزاع التركي السوري حول ادلب المنطقة الساخنة حاليا، التي توجد بها قوات تركية وسورية وروسية ربما، مما يرفع سقف المواجهة الشاملة عاليا، ويوجد واقعا جديدا من شأنه أن يعكر الأجواء ويزيد المشاكل، أما آن لأردوغان أن يخرج قواته من سوريا طوعا أو  كرها، فالاحتلال ليس من شيم العظماء إذا كان يعتبر نفسه عظيما وقائدا للأمة الإسلامية، وليترك سوريا للسوريين أن يختاروا طريقهم، ويختروا قيادتهم، فالشعب السوري أنهكته الحرب بسبب ما يدسّه هؤلاء القادة الكبار الذين يظهرون على الشاشات ويعقدون الاتفاقات ويفرشون الطرقات بالمصفحات والدبّابات ويتركون الشعب يعيش الويلات والويلات في ظل مناخ قاس وكثير من الصعوبات، فلا تعليم ولا مأوى ولا صحة ولا أمن وأمان ولا أكل ولا شرب ولا لباس، أما آن لأردوغان أن يشعر بالسوريين حقا ويترك بلدهم ويحصّن حدوده من أي تدخل في تركيا عوض أن يسرح ويمرح في بلاد غيره لإثبات أن بلده قوي يملك قدرات عسكرية كبيرة.

كاتب تونسي

abuadam-ajim4135@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here