فوزي بن يونس بن حديد:هل استقلت تونس فعلا؟

فوزي بن يونس بن حديد

تحتفل تونس هذه الأيام بعيد الاستقلال، بعد أن ذاقت مرارة الاستعمار، وما زالت إلى اليوم تتذوق مرارته وتبعاته، ولكن هل هو الاستقلال الفعلي أم هناك صفقة أو صفقات طُبخت أو تطبخ من وراء حجاب بين فرنسا وتونس، لتظل تونس تابعة دوما لمستعمرها السابق مقابل أن تمنحها الاستقلال الشكلي وخروج القوات الفرنسية التي تكبدت خسائر فادحة من مناضلين أبلوا بلاء حسنا خلال حقبة الاستعمار وطواها بورقيبة بسرعة البرق ليتحدث عن إنجازاته إبان رئاسته تونس.

وبعيدا عن كل المناوشات التاريخية التي نعرف أغلبها، ونعلم أن النظام البورقيبي متواطؤ مع المستعمر الفرنسي الذي لم يترك تونس إلا بعد أن أخذ حصته من ثرواتها من خلال صفقات سرية لم يبح بها أي رئيس للجمهورية، وفي إطار من الكتمان جعل الشعب التونسي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب اليوم يتساءل عن ثروات البلاد إلى أين ذهبت طوال خمسين سنة من الاستقلال.

وماذا يفسر السياسيون اغتيال كل من الشهيد فرحات حشاد والشهيد صالح بن يوسف اللذين لم يوافقا على ما يبدو على هذه الصفقات التي تمت بين تونس وفرنسا، وتسلم بموجبها بورقيبة سدة الحكم سنة 1956م  ومارس ضغوطا قوية على صالح بن يوسف حتى يقبل بالاتفاقية المبرمة بين تونس وفرنسا ولكن الأخير رفض تلك الإملاءات الاستعمارية وطالب بمواصلة النضال حتى الاستقلال التام عن فرنسا، غير أن فرنسا البلد المستعمر لا يريد أن يخرج من تونس خالي الوفاض ودون أن تدفع تونس فاتورات مقابل ذلك، فبادرت إلى إرغام بورقيبة على التوقيع لتظل تونس منذ ذلك الوقت وإلى الآن رهينة للدولة الفرنسية وتابعة لها.

وعندما يحتفل الشعب التونسي بالاستقلال لا يدري تاريخ تونس وما جرى فيه من صفقات  بعيدا عن الأضواء، وما تعانيه  تونس اليوم من شحّ في الموارد ونقص في التنمية وبطالة متفاقمة، لم يكن ليحصل إلا نتيجة لهذه التصرفات اللامسؤولة في العهد البورقيبي وكذلك الأمر في عهد بن علي، حيث بيعت الجمهورية وما تملكه إلى آخرين وظلت الموسيقى السيفونية التي طبل بها النظام البورقيبي آذاننا آنذاك تردد أن المجاهد الأكبر وهو الحبيب بورقيبة هو الذي كان سببا في استقلال تونس بينما نسيت تونس الحكومة آنذاك المناضلين الذين عرّضوا أنفسهم وأسرهم وأموالهم للخطر، ولم تتحدث عن النهب في الأراضي والمؤسسات والمواقع التي استولت عليها فرنسا ولم تتحدث عن استغلال فرنسا تونس عقودا من الزمان.

فإذا كانت تونس مستقلة فعلا فلماذا لا تصارح شعبها بالمخزون النفطي وأين يذهب، ولماذا لا تصارح شعبها بمخزون الفسفاط وأين يذهب، ولماذا لا تصارح شعبها بكل الموارد الطبيعية والثروات المنجمية، ولماذا لا تعتني بشعبها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ولماذا لا تخصص لشعبها وقتا لتهتم به من جميع النواحي، لم نر حكومات تعمل بجد وإخلاص، لم نر حكومات تهتم بالتشغيل والتنمية وتوفير الوظيفة، لم نر حكومات تهتم بتطوير الجيش ومنظومته العسكرية، لم نر حكومات تحث على استقلال القضاء وتعمل على توفير المناخ الملائم للعناية بالقضاة، لم نر حكومات تهتم بالصحافة وتستمع لأقوال المحللين والكتاب والنقاد، لم نرى علاقة وثيقة بين الشعب والحاكم، هناك فجوة كبيرة بينهما منذ الاستقلال إلى الآن، بل إن بعض الحكومات عملت ضد الشعب وكرست مفاهيم الطبقية واللامسؤولية والانشغال بالصراعات الحزبية والمصالح الذاتية مما أفقدها ثقة الشعب وأفقدها توازنها.

لو كانت هناك حكومة جادة تعمل من أجل الوطن والشعب بإخلاص وتفان بعيدا عن الحسابات الحزبية المعقّدة التي أرجعت تونس عقودا للوراء، لو كانت هناك حكومة صارمة وحاسمة ومرنة في الوقت نفسه تعمل بجد وإتقان، ما رأينا هذا الانحلال الوظيفي الذي طغى على كل الإدارات، فالإدارة التونسية منذ عهد بورقيبة إلى الآن تعاني من الإفلاس الثقافي وتفاقم الرشوة والمحسوبية والانحلال الأخلاقي وإذلال المواطن دون رقابة تشريعية أو معاقبة الفاسدين حتى استشرى فيها الفساد من أعلى الهرم إلى أبسط موظف.

كيف لتونس أن تنجح وتستقل إذا كانت مرهونة لفرنسا، ومازالت هناك تبعات خطيرة لم تفصل فيها الرأي، كيف تنجح تونس والإدارة التونسية فاسدة والاقتصاد منهار والأحزاب تتصارع على الكراسي، والثقافة مهملة والتنمية متوقفة والتشغيل ليس له اهتمام والشباب التونسي محتار وحارق ومفلس ثقافيا واجتماعيا، هناك فجوة حقيقية وحبل منقطع ينبغي أن يوصل بين الشعب والحكومة إذا أرادت تونس أن تستقل.

 [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال فيه كثير من اللخبطة! ! لم أفهم الآراء التي أراد أن يوصلها الكاتب.
    1. بورقيبة رغم أخطائه المتعددة كان له مشروع للدولة التي أقام لها كل المؤسسات في وقت قياسي. لقد كان له بعض الفشل خاصة في إرساء طريق الحريات و الديمقراطية ولكن إنجازاته كبيرة: دولة عصرية، سياسية تعليمية شعبية واضحة المعالم كان يرصد لها أكثر من ثلث الميزانية، إرساء مجلة الأحوال الشخصية التي أخرجت حقيقة المرأة من ظلمات العصور المنحطة وجعلها جزء حقيقي من المجتمع…
    2. آراء الكاتب عن انعدام وجود استقلال حقيقي لتونس “انشاءي ” وليس فيه مقاربة موضوعية. إذا كانت له معلومات دقيقة عن البترول و الفصفاط المنهوب فاليعطنا هته المعلومات!!!
    3 . الجميع اليوم يعلم حالة تونس خاصة الاقتصادية، فهل تتحمل دولة الاستقلال وبورقيبة ما وصلنا اليه؟ لماذا مثلا لا يعطينا الكاتب رأيه في “انجازات” الحكومات ما بعد الثورة بما فيهم حكومات حزب النهضة؟؟
    قراءة تاريخنا منذ الاستقلال تتطلب أكثر واقعية وأقل انحيازه!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here