فوزي الهنداوي يكتب رواية عن الغجر

بغداد – حمدي العطار:

مما لاشك فيه ان الدكتور فوزي الهنداوي مغرم بالبحث في (تأريخ التاريخ) وهو في كتاباته يركز على (الفكر التاريخي) ويعده جزء مهم من الثقافة،كما أنه يدافع عن الاقليات ويرفض التهميش والاضطهاد تحت اي ذريعة،ومن هنا ينطلق في روايته الجديدة (لعنة كين) من هذه المفاهيم  الصادرة سنة 2018

*اختيار الموضوع

احساس الروائي فوزي الهندواي هو الذي يقوده في اختيار مواضيع رواياته،ففي هذه الرواية يطرح مشكلة الغجر عبر التاريخ متمثلة بما تتعرض له هذه الاقوام من ظلم واضطهاد وترحيل! وهو ينطلق من امكانية بلد مثل العراق ان يستوعب كل الاجناس والاقوام واستقطاب الثقافات من كل العالم،وخاصة وان في فترة ليست قصيرة كان العراق يحكم العالم!

*اصل الغجر

في الرواية التي يكون فيها البطل هو السارد وتعمد الكاتب ان يجعله (مجهول الاسم) ولم اجد لذلك تبريرا! حيث يسكن اهله في منطقة (الكمالية) موطن الغجر! والسبب رخص اسعار البيوت هناك،(ريما) الغجرية هي من تثير فضول البطل (الطالب في السادس ثانوي) وتجعله يبحث عن اصل وتقاليد الغجر”دفعني الفضول ورغبة اكتشاف أسرار الغجر” هو حضوره لحفلة زواح شقيق (ريما) ومن خلال البحث والقراءة يتضح ان اصل الغجر من الهند”عرفت أنهم قبائل يعود تاريخها الى ما قبل ثلاثة الاف عام تجمعت انذاك على شواطئ الهندوس” اشتهر الغجر في العراق بالرقص والغناء وفي مراحل اخرى توفير مكان (للدعارة) غير انهم في اوربا الشرقية لهم شأن في التجارة السوداء(التهريب) وكذلك تربية وتدريب الخيول وقراءة البخت! “كقبائل يتقن أفرادها صنع المعادن،ويعرفون أسرار البرونز” والغجر منتشرون في كل العالم،وقسم منهم مسلمين (البوسنة والهرسك) وقسم منهم كانوا (مسيحين) في صربيا وكانوا يطلقون عليهم (سيكا) في يوغسلافيا الاتحادية! المرأة الغجرية تحترم لأنها هي من تكسب المال،وللغجر في اسبانيا حكاية اخرى “غجر اسبانيا هم بقايا العرب والمسلمين في الاندلس … وتعود كلمة (فلامنكو) التي تعني (فلاح منكم) اي أن الاسبان بعد أن سيطروا على الاندلسـ أخذوا يطلبون من السكان العرب الباقين في الاندلس أن يرقصوا معهم رقصة (فلاح معكم)!

*خطايا كين

استطاع الروائي ان يضع القارئ على العتبة القادرة على خلق تعاطف مع الغجر،اسم الرواية له علاقة بالغضب الرباني على الغجر (لعنة كين) “الاسطورة تقول ان جدكم كين المخمور دائما، هو الذي تبرع بصنع المسامير ووضعها في الصليب الذي صلب عليه السيد المسيح النبي عيسى(عليه السلام)، ولذلك غضب عليه الرب وشتت ذريته في الارض” وبعد هذه المقدمات التاريخية يبدأ الروائي في التركيز على اساليب استغلال الغجر اولا من قبل (الحاج صالح) لأن الغجر لا يملكون الجنسية العراقية ولا يحق لهم تسجيل الاملاك بأسمائهم،فأخذ الحاج صالح بتسجيل الاراضي بأسمه مقابل وصل كمبيالة يوقعه لهم  بقيمة الشراء،كما انه زوجته الثالثة (غجرية) واستغلهم بالحصول على نصف اجور حفلات الرقص والغناء!

*الانماط السردية

الروائي بما يمتلك من خبرة سردية بدأ ينتقل بين المواضيع المتنوعة برشاقة،فهو جعل السارد طالب جامعة قسم اعلام وله علاقة عاطفية مع احدى الطالبات ومن قبل ذلك اقام علاقة مع بنت الحاج صالح (سعاد) وجعله يعمل في جريدة الراصد ليوقع في حبائله العديد من الموظفات في ابان فترة الحرب العراقية – الايرانية وخلو مكان العمل من الشباب الا هو! كما ان الغجر تبدلت احوالهم في هذه المرحلة وتم منحهم الجنسية العراقية وتبرع الغجر بالذهب للمجهود الحربي حتى ان “الرئيس أشاد بإشارة عابرة إلى دور الغجر”! وبذلك “تحولت أزقة الغجر الى محميات لهؤلاء المسؤولين الذين يغدقون الاموال شرط أن تظل خاصة بهم” ولم تستمر الامور على احسن ما يرام حيث اصطدم احد الضباط بزوجته تمارس الجنس في احد بيوت الغجر! من المؤكد أن الحرب تخلخل منظومة القيم الأخلاقية”

*المسرح التجاري

التطور الاخر الذي سلط عليه الروائي الضوء هو دخول الغجر الى مجال الفن في المسرح والتلفزيون”طردت بائعات الهوى بعد أن تحولن إلى عبء على الغجر، لم تبق سوى شابات جميلات لتلبية طلبات كبار الضيوف.في تلك الفترة ظهرت المسارح التجارية في بغداد..نص ركيك بلغة عامية منحطة ذوقيا،ممثلون من الدرجة العاشرة ومطرب شعبي غير معروف،هذا الطاقم بحاجة إلى راقصات لتكتمل دائرة المرح والهرج.” وليس هناك افضل من الغجر لتوفير هكذا راقصات “بتمايل أجسادهن الرشيقة “

*مصير الغجر

كما هو حال الغجر “عدم الاستقرار”، بعد 2003 كان هناك رجل دين قد سكن في الجامع قبل الاحتلال وبمجرد حدث الاحتلال سيطر هذا على المنبر واخذ يلقي الخطب الدينية المحرضة ضد الغجر “أدعوكم لتطهير مدينتكم، مدينة الزهراء، نعم هذا اسمها الجديد، طهروها من النجاسة والرذيلة، هبوا لطرد الغجر الأنجاس منها، فهم كفرة زناة”

*الخاتمة

تنتهي الرواية من حيث بدأت ،بقصيدة غجرية وخوف من قبل الغجرية (ريما) التي اصبحت نجمة غناء في التلفزيون لتختفي في بيت السارد حتى يتدبر لها طريقة للهروب “أنها لعنة كين، كتبت علينا، نحن الغجر، توارثناها جيلا بعد جيل، لا وطن دائم ندفع ثمن التاريخ الأسود لأجدادنا، ألا يكفي الآلام والهجرات للتكفير عن خطايا كين وأجدادنا وجداتنا…- الى أين؟ يسال السرد (ريما) – سوريا ستكون وجهتي الأولى، هناك أخطط للمحطة الثانية/ – ماذا ستعملين في سوريا؟/ اعرف غجريات يعلمن في نوادي، سأعمل معهن.”

انها رواية تصف حياة الغجر وضياع الوطن التي يعاني منها الغجر في اكثر من مكان!

القراءة النقدية لرواية (لعنو كين) للروائي “فوزي الهنداوي”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here