فهيم ابو ركن: إضاءات على رواية نزف الفراشة للأديب ناجي ظاهر

فهيم ابو ركن

تكتسب الرواية في الأدب العالمي أهمية كبيرة، وتزداد أهميتها في الأدب العربي عامة، وتتضاعف في الأدب المحلي بشكل خاص. لا نقول لندرتها، بل نشير إلى قلة عدد الروايات الجادة التي ظهرت حتى الآن.

أهمية الرواية تنبع من الإمكانيات المتاحة لها لرصد تفاصيل فترة زمنية، وأحداث ومشاعر عامة وشخصية، ورسم ملامح الشخصيات الروائية بأبعادها النفسية الاجتماعية وجوانب فعالياتها التربوية الثقافية والسياسية، والتي نتعرف من خلالها على حياة شعوب كاملة أو طوائف أو فئات أو عائلات أو حتى أسر بسيطة، وبالطبع نقابل أنماط شخصيات متنوعة، وذلك من خلال رسم الكاتب لتلك الشخصيات بأبعادها ومميزاتها، ومن ثم نقيمها وفقا لرؤية الكاتب ووصفه سواء أكانت نتيجة تأثير الوراثة والفطرة، أو تأثير البيئة الاجتماعية والظروف.

من هذا المنطلق ننظر إلى كل رواية تصدر في أدبنا المحلي نظرة التقدير والاحترام، ونعتبرها ثمرة أخرى في محصول أدبنا المحلي، خاصة إذا كان مؤلفها أديب له مكانته وخبرته الأدبية كمؤلف رواية “نزف الفراشة” الأديب ناجي ظاهر.

ونبدأ حديثنا عن الرواية من بابها الأول، ألا وهو عنوان الرواية، لأنه البوابة التي تستقبلنا أو العتبة النصية التي تثير انطباعنا الأولي، وتؤثر في تقبلنا لهذا العمل أو ذاك. العنوان هو البوابة التي يمكن الإشراف منها على حدود النص وأعماقه، وهي تساعد على اكتشاف مفاتيح أغوار النص، وفهم مغاليقه.

ونحن نرى أن العنوان الذي اختاره المؤلف لهذه الرواية عنوان موح، لما يحَمّله الكاتب من دلالات الحزن والفرح، الأمل واليأس، التفاؤل والتشاؤم.

فالفراشة عادة ترمز إلى الفرح والمرح، إلى الطفولة وبراءتها، إلى الربيع وجماله بألوانه الزاهية، لكن النزف يرمز إلى الألم والجراح، ويتبع النزف الإرهاق والضعف حتى الموت! فإضافة النزف إلى الفراشة أعطى العنوان عمقا كبيرا، أبعادا واسعة ودلالات متقابلة ليكون مفتاحا جذابا للرواية.

في سرد أحداث هذه الرواية يعتمد المؤلف موقفا محايدا فلا يتدخل في سير الأحداث أو في أسلوب الحوار ومضمونه، إنه يدع الأحداث تنساب بيسر طبيعي وتسلسل مقبول لتتطور الحبكة الروائية بتشويق ناجح دون مفاجآت أو نتوءات أو مطبات تعكر صفو العملية الاستيعابية للقارئ، فيتقبلها القارئ بقناعة تامة.

في البناء الروائي يعتمد الكاتب أسلوب السرد والحوار، وقد وظف الوصف بطريقة بارعة، ففي فقرات عديدة وصف الطبيعة بما يحاكي ويتلاءم مع طبيعة الحدث وما يخيم عليه من حالات الحزن أو الفرح، اليأس أو التفاؤل؛، مثلا صفحة 22 يقول: “وتمنت لو أن عاصفة حملته إليها”، تعبيرا عن غضبها حين أرادت أن تطرح عليه أسئلة صعبة. أو صفحة 84 حين أراد وصف حالتها النفسية الكئيبة، فرأت أن الأنوار وكأنها خافتة لحزنها، وها هو يصف حالتها النفسية بهذه الكلمات: “أرسلت نظرة آسية إلى الأنوار الكابية المنبعثة من نوافذ البيوت النائمة في الظلام”،  والمعنى الحرفي لكلمة “كابي” هو الفحمُ الذي خَمَدت ناره فخلا كل النار، وكبا النورُ : نقص، وكبا جثم أو سقط. وهذه معان تفيد حالة الحزن أو اليأس، وأنا على ثقة لو كانت حالتها النفسية سعيدة لوصفها وكأنها رأت الأنوار زاهية تنبعث من نوافذ البيوت الساهرة بسعادة وفرح.

من جهة أخرى وصف مشاعر الشخصية وأحاسيسها وأفكارها حيال ما يصادفها أو تجاه ما يقابلها أو يواجهها من  قضايا، مشاكل وأحداث، بما يتلاءم وسير تطور الشخصية والجو العام للرواية. ثم يتحفنا المؤلف بحوار بين الشخصيات وكأنك تعيش معها وتسمع كلماتها التي تتلاءم والشخصية، خلفيتها الثقافية والاجتماعية، عدا إطالة بعض الفقرات الحوارية في بعض الأحيان والتي سأتطرق لها لاحقت..

في هذه الرواية المؤلف لم يتدخل في الأحداث بل وضع نفسه جانبا، وترك أحداث الرواية وأبطالها يتصرفون وفق أفكارهم ومبادئهم، مشاعرهم ومواقفهم من قضايا المجتمع. لذلك نجد أن القارئ يتفاعل بسرعة مع الرواية ويندمج بأحداثها، ويتضامن مع البطلة ثم يحتج على البطل أو يعاديه أو حتى يكرهه، وهذه من علامات نجاح أي رواية.

وقبل أن ندخل في مضمون الرواية لا بد من تسجيل بعض الملاحظات بالنسبة للأسلوب؛ فالمؤلف يستعمل في السرد ضمير الغائب “هي”، مثل: “لقد فضلت أن تبقى في سريرها” صفحة 7، أو: “أرادت أن تقول”، صفحة 10، أو: “ماذا ستفعل الآن؟” صفحة 43،… والأمثلة كثيرة. ولم يستعمل الكاتب ضمير المتكلم الذي يجعل من العمل الأدبي اقرب إلى السيرة الذاتية منه إلى الرواية.

بعض الحوارات كانت تعتمد على جمل أو فقرات طويلة نوعا ما، مثلا صفحة102 وصفحة 103. واقرأوا معي هذا الحوار كنموذج للإطالة، وهي تعاتب حبيبها صفحة 49:

(وقالت بشعور خانق بالأسى: – لماذا؟ ما الذي غير وبدل؟ يوم زرتك في المكتب هنا أول مرة، أغدقت علي بالوعود، يومها رحتَ تبني لي قصور الأماني الكبيرة الفخمة. وبقيتَ تردد ما حفلت به قريحتك من كلام جميل حتى أيقظت المرأة النائمة في داخلي، بعدها ملكتني وملكت قلبي، جعلتني أشعر بالشلل عن التفكير، فأسلمتك مفتاح روحي وقلبي، وبعد هذا تقول لي مثلما تقول، وتطلب مني ألا أتدخل في شؤونك وشؤون عملك؟ أنا من كنت في الأمس تطلب منها أن تدلي برأيها في كل صغيرة وكبيرة، بتّ بغيضة لديك إلى هذا الحد؟ ما الذي غيرك؟ أريد أن أعرف ما الذي غيرك!؟”

قال لها وهو يرسل….. الخ).

حسب اعتقادي كان يجب على الحبيب المعاتب (بفتح التاء) أن يتدخل فورا، أن يقاطع، أن يشرح، أن يحاول أن يبرر موقفه.

مثل هذا الاستغراق الطويل في الحوار يدخله في نوع من الأسلوب الخطابي، وكان يمكن اختصار بعض الحشو فيها، والاكتفاء بما هو ضروري لإيصال الفكرة واتباع طريقة ما اسميه مقتبسا من المصطلحات الرياضية “هات وخذ” إذا صح التعبير. بينما في معظم الفقرات الحوارية كان الحوار ناجحا، معقولا ومقبولا.

أما مضمون الرواية والفكرة هي في وصف معاناة امرأة مطلقة في مجتمع محافظ وذكوري، هي في العقد الخامس من عمرها، تحاول أن تبدأ حياة جديدة سعيدة متفائلة بعد أن تم طلاقها من الرجل الذي لم تحبه رغم طيبته ورغم معاملته الحسنة لها!!

البطلة تحاول أن تعيش حياة جديدة وبناء علاقة جدية مع صحفي تعمل معه يعجب بجمالها وتعتقد في المراحل الأولى أنه يحبها، لتكتشف لاحقا أنه أخفى عنها حقيقة زواجه، وأنه أراد استغلالها للترفيه عن نفسه فقط، إذ عندما حانت له فرصة ثانية مع امرأة أخرى جميلة سرعان ما تنكر لعلاقته معها محاول قطع العلاقة، متجاهلا كل الوعود التي قطعها على نفسه معها.

وطبعا هناك شخصيات ثانوية ساعدت على بناء حبكة الرواية والوصول إلى العقدة بتصاعد درامي ناجح.

عدة عناصر جعلت من هذه الرواية رواية ناجحة، فهي أولا من ناحية الموضوع تعالج قضايا هامة في مجتمعنا وخاصة قضايا معاناة المرأة وبالأخص المرأة المطلقة في هذا المجتمع.

يقول الناقد إبراهيم طه في مقال له نشرته مجلة الكرمل في عدديها (18+19- 8/1997)، صفحة 303: “لعل الأدب الفلسطيني – في إسرائيل بصفة خاصة وعلى امتداد كل مراحله، من أكثر الآداب العربية التصاقا بالواقع والتحاما به”.

هذه الرواية تطرح القضايا بكثافة متفاوتة، حيث ركزت على بعض القضايا أكثر من قضايا أخرى، ولكن مجمل هذه القضايا يتعلق بتصرفات المجتمع العربي المحافظ والذكوري.

من هذه القضايا؛ الزواج غير المتكافئ تحت الضغوط والذي يؤدي في النهاية إلى المعاناة في أروقة المحاكم للحصول على ورقة الطلاق، وذلك رغم المعاملة الحسنة أو النوايا الطيبة. وعلى ذلك نتعرف صفحة 43 + 44 حيث تخاطب البطلة خزامى نفسها قائلة: “ثم إن الأمر مع غازي كان مختلفا تمام الاختلاف عنه مع شاهر، هي لم تحب غازي في أي يوم من الايام، أما لماذا تزوجت منه فهي لا تعرف حتى الآن رغم مرور السنوات الطوال على ما حدث. ربما كانت انصاعت لضغط من أمها أو سواها، ربما رضخت لضغط ما لم يكن بإمكانها هي الطفلة الزهرة المنورة حديثا على الحياة مواجهته، هي لا تتذكر وتبدو لها الصورة غائمة الآن، غير أنها تتذكر أمرا واحدا شكل نقطة تحول في حياتها ودفّعها ثمنا غاليا تمثل في تضييعها لسنوات وسنوت من حياتها قضتها في المحاكم وأفضت في النهاية إلى الطلاق”.

قضية استغلال المرأة في العمل والتحكم بها كعضو ضعيف بحاجة لرعاية وحماية.

قضية استغلالها الجسدي لإرضاء نزوات بعض الرجال الذين لا يملكون ضميرا.

قضية استغلال النساء في العمل المؤقت وغير الثابت، والذي يخلو من أبسط الشروط والحقوق الاجتماعية.

ومما ساعد على نجاح الرواية توظيف أجواء الرواية لتعبر عن مشاعر شخصياتها وعن حالتهم النفسية، وتوظيف عناصر الطبيعة لتتماهى مع الحالة النفسية للبطلة وترسمها بخطوط واضحة لا غبار عليها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر صفحة 52 نقرأ: “وانطلقت خارجة من المكتب دون أن تنطق بأي كلمة.. انطلقت في شوارع بلدتها ومساحاتها الضيقة”. في هذا التعبير ضاقت مساحات البلدة وشوارعها كالضيق الذي ألم بها. وفي حالة القلق والترقب يتغير وقع الزمن فنقرأ صفحة 104 مثلا: “ما هي إلا دقائق بطيئة ثقيلة تمر عليه حتى يعود ذلك التلفون اللعين للزنين”. وفي حالة اليأس ترى الطريق طويلا طويلا: “الطريق إلى مركز البلدة بدا لها ممتدا طويلا، زاد في امتداده إحساسها بأن كل شيء انتهى وأنها رجعت مهزومة وحيدة…” صفحة 84.

أما من ناحية اللغة فقد استعمل المؤلف لغة سهلة لم يختر الألفاظ الجزلة أو المعجمية، بل ترك اللغة تسير مع الشخصيات والأحداث لتتناغم مع الحالة الثقافية للناس ووظف الكلمات التي أدت رسالتها على وجه حسن في مشاكلة المعنى وتصوير الأحداث وذلك لتقريب المشهد الروائي إلى مستوى القارئ العادي. فالقارئ لا يحتاج إلى البحث في المعاجم عن كلمات غريبة منفرة، ومع ذلك نجح بالحفاظ على مستوى لغوي أدبي جيد.

كذلك في لغة الحوار على بساطته لم ينجرف المؤلف إلى الركاكة، ولم يسمح لألفاظ سوقية بدخول نصوص هذه الرواية مما يعد نقطة ايجابية أخرى لصالح المؤلف.

يقول الناقد الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه “النقد الأدبي الحديث”: “إن اللفظ والمعنى متلازمان، فالعملية الفكرية واحدة، وفيها تتجلى الصورة الأدبية عن طريق صياغتها”. ص 260.

وأخيرا في نهاية الرواية نجح المؤلف ناجي ظاهر عند نقطة التنوير بالارتقاء بروايته إلى الحل الأمثل والنهاية الفضلى، إذ بعد أن رضخ الصحفي شاهر لتهديد صديق البطلة ووافق على الزواج بها، هي رفضت الزواج به، إذ أن كرامتها لا تسمح لها بالعيش مع رجل بفضل التهديد. لقد فضلت أن تبقى الفراشة النازفة على أن تدوس كرامتها التي عانت الكثير الكثير من أجل المحافظة على نقائها ورفعتها.

لقد فضلت البطلة اختيار وتبني الماهية الكلية التي بواسطتها أطلقت حكمها على الأشياء، كما نوه الفيلسوف (لويس لافيل) في الكتاب الفلسفي “معنى الوجودية” الصادر عن “مكتبة الحياة – بيروت” سنة 1967 صفحة 84 بالقول: “الماهيات الكلية بواسطتها نطلق حكمنا على الأشياء، وهناك ماهيات القيم التي تدفعنا إلى العمل وتحثنا على النشاط، وهناك أخيرا الماهيات الممكنة التي نختار من بينها تلك التي نستهدف تحقيقها ونقلها من عالم الإمكان إلى عالم الفعل”.

وبالفعل اختارت البطلة ماهيات القيم في اتخاذ قرارها الجريء المصيري.

لقد نجح المؤلف بوضع إطارين للرواية؛ إطار واقعي وآخر نفسي، مزج بين عناصرهما مصورا من جهة حالة اجتماعية أو ناحية من نواحي حياتنا، ومن جهة أخرى طرح قضايا شائكة تمتزج فيها العقائد والتقاليد والعادات وتتصادم مع التطور والحاجات الاجتماعية الملحة في عصر السرعة والضغط.

هذه بعض النقاط أو الإضاءات التي أوجزتها في هذه العجالة، فرواية “نزف الفراشة” للأديب ناجي ظاهر تستحق دراسة عميقة كباقي رواياته وأعماله الأدبية الجادة.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. استشهاد الناقد ب((وهناك ماهيات القيم التي تدفعنا إلى العمل وتحثنا على النشاط)) في غير محله لأن اتخاذ البطلة قرارها كان بواسطة الماهيات الكلية. القرار حكم تنفيذه يحتاج إلى القيم. نقطة أخرى ماهيات القيم قد تكون سيئة وقد تكون جيدة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here