فلسفة محمود عباس

عبد الستار قاسم

الكاتب لم يلتق محمود عباس أبدا، ولم يكلمه أو يجالسه، ولم يقرأ له شيئا منشورا. حاول الكاتب أن يصل إلى مقالات كتبها عباس أو أبحاث علمية أو كتبا، ولم يجد. وكل هذه مهمة في فهم تفكير الشخص المعنى وتشخيص استراتيجياته وخططه المستقبلية، وسياساته الداخلية والخارجية وقدرته على إدارة شؤون الناس وسوسهم.

لم يجد الكاتب أمامه إلا بعض التصريحات الإعلامية بشأن القضية الفلسطينية والخطابات التي ألقاها عباس على المستوى الداخلي وفي المؤتمرات الدولية وهيئة الأمم المتحدة. والمشكلة أن هذه الأقوال بالتصريح أو الخطاب تركزت في إطار سياسي محدود، ولم تتناول قضايا ثقافية واجتماعية واقتصادية إلا ما ندر ولا يمكن البناء عليها في فهم فلسفة عباس في الحياة على اتساعها إن كانت له فلسفة.

من المتوقع أن يمتلك رجل الدولة، أي الرجل الذي يتمتع بصفات قيادية تمكنه من السير بشعبه قدما إلى الأمام في نهضة تشمل مختلف مناحي الحياة، برؤية نظرية واضحة أو فلسفة معينة لإدارة شؤون الناس المختلفة، ونقلهم نوعيا  إلى أوضاع معيشية اقتصادية وأخلاقية واجتماعية وثقافية ترتقي بهم وتحسن نوعية حياتهم وتوفر لهم أجواء المحبة والوئام والأمن والاطمئنان. ورجل الدولة لا يطوي رؤيته أو فلسفته داخل نفسه، إنما يشارك بها الناس على اختلاف مشاربهم وقدراتهم ليكونوا على بينة من طرق مقاربات همومهم ومشاكلهم وأساليب مواجهتها وحلها، ولكي يتمكنوا من إثارة جلسات النقاش والجدل والحوار والتقييم لما يتوقعونه، ومن ثم المشاركة الفعالة في التخطيط العملي والتنفيذ.

تنطلق الرؤية أو الفلسفة من افتراضات أساسية يؤمن بها صاحبها على أنها حق وصحيحة، ومنها يشتق افتراضات ثانوية تمس مختلف نواحي الحياة. وحسبه هو، الاشتقاقات تعبر عن الحق أيضا لأنها منبثقة عما يفترضه هو أنه الحق. وهذه الافتراضات قد تكون استنباطية عقلية نظرية مستندة إلى فهم الكون والكليات الكونية التي لا بد أن ينسجم معها السلوك الإنساني، أو تكون استنتاجية مستندة إلى معرفة عملية من خلال العراك الحياتي والتجارب الإنسانية. من الاستنباط، أن يفترض رجل الدولة أن الكون خير وأجزاؤه جميعها متكاملة لتكوّن كلا متكاملا ومن ضمنها الإنسان. وعليه يكون الإنسان خيّرا بالطبيعة، ومن المفروض أن يتم ترتيب مؤسسات الدولة وثقافة المجتمع ومناهج التعليم وبرامج الإعلام بطريقة منسجمة مع هذا الافتراض وتتساوق معه وتتناغم. أي أن هدف الدولة يتمحور حول ترسيخ فكرة الخير الإنساني.  وفي هذا المجال، تبدو الفلسفة الاستنباطية صحيحة لكل الذين يؤمنون بالافتراضات الأساسية ويقتنعون بصحتها، لكنها مرفوضة مطلقا من قبل الذين لا يرون صحة في هذه الافتراضات.

من الناحية الاستنتاجية والتي تنطلق من جمع المعلومات ومن ثم الخروج بتعميم، أي تنطلق من الخبرة الخاصة إلى المفهوم العام، قد يرى رجل الدولة أن الحق للقوة، ومن ثم يرتب أوضاع دولته بطريقة تمنع ظهور مراكز قوى تطغى على الناس، ويرتب أوضاع شعبه بطريقة تقوده إلى مراكمة القوة وردع الآخرين من تجاوز حقوقه. بما أنه يرى العدالة من حق الأقوياء من خلال قراءته لواقع الأمم، فإنه يتبنى سياسات لا تفسح مجالا لأقوياء يطغون على شعبه أو أمته.

رجل الدولة يقدم رؤيته للناس ويشرحها، لكنه قد لا يتمكن من تطبيقها تماما. هذا وارد جدا، لكنه يحاول دائما الصعود بنظريته أو فلسفته تطبيقيا، وكلما شارك الناس بالتطبيق واستمع لمقترحاتهم وآرائهم يكون قد اقترب بقوة من التطبيق الفعلي المتنامي.

هذا حديث بعيد عن قادة العرب لأنهم ليسوا رجال دولة، بل هم رجال شهوة. ولهذا أغرقوا شعوبهم بالظلم والقهر والقمع والذل والفقر والجهل والهزائم أمام مختلف التحديات. فهؤلاء الحكام لم يصلوا الحكم لأنهم كانوا مقنعين لشعوبهم، ولكن لأن أيدي خارجية تلاعبت بالناس وقادتهم إما إلى الخنوع والاستسلام، أو إلى انتخاب من روجت له قوى ترى مصالحها في حاكم معين.

على المستوى الفلسطيني، لا يبدو أن الشعب الفلسطيني قد حظي بقيادة ذات رؤية حتى الآن، ولا يبدو أن رئيس السلطة الفلسطينية غير الشرعي، والذي هو رئيس منظمة تحرير لا تتمتع مجالسها بالشرعية، يمتلك رؤية شاملة للحياة والسير بالشؤون الفلسطينية العامة إلى الأمام. إنه لا يمتلك فلسفة أو نظرية سياسية يقدمها للناس ويصمم سياسات نحو تطبيقها. هو لا يمتلك فلسفة حياتية أو فلسفة إدارية أو أخلاقية أو اقتصادية أو ثقافية محددة. والدليل على ذلك أنه لم يقدم للناس شيئا بهذا الخصوص، وكل ما قدمه حتى الآن مجرد خطوات عملية تتعلق بصراع الأمة مع الكيان الصهيوني. ولهذا لا توجد لديه مقاربات متناسبة مع طروحات نظرية، وإنما لديه مقاربات تبحث عن مكانة دولية لحقوق فلسطينية، وأخرى تؤكد للعدو ومن دعمه ووالاه ضعف الشعب وعجزه وعدم قدرته على خوض عراك متناسب مع القوة التي يمارسها العدو ضد الشعب.

موقفه من الحقوق الفلسطينية

عباس لا يرى أن الشعب الفلسطيني قادر على تحرير فلسطين واستعادة حقوقه الوطنية، وإنما يرى أنه بالإمكان استعادة بعض هذه الحقوق. هو يرى أن الصهاينة أقوياء عسكريا وأمنيا، وهم قادرون على النفاذ إلى صفوفنا وتجنيد لأعداد ليست بسيطة منا لخدمتهم، وهم يتمكنون من النفاذ إلى البلدان العربية، ويجدون من بين العرب والمسلمين من يناصرهم ويقف معهم. وهو يردد بأن دولا عظمى تقف معهم بخاصة الدول الاستعمارية أمريكا وبريطانيا وفرنسا. ومهما حاولنا، وفق ما يراه، نحن لن ننتصر عليهم. والشواهد أمامه كثيرة من حيث أن العرب مجتمعين هزموا أمام الصهاينة مرارا.

والأهم أنه يرى أن محاولاتنا لاسترداد كامل الحقوق الفلسطينية تأتي علينا بالأحزان والويلات والآلام. يكفينا ما خسرناه حتى الآن، ولسنا بحاجة لخسران المزيد من النفوس والأموال والتشريد. ولهذا هو يرى أن المطالبة بكامل الحقوق الفلسطينية مضيعة للوقت والجهد، وعلينا أن نطالب فقط بما يمكن أن يقدموه لنا بالشراكة مع الأمريكيين. لنأخذ ما لديهم الاستعداد لإعطائه، وعلينا ألا نستفزهم حتى لا يراجعوا أنفسهم فيتراجعون عما كان من الممكن أن نأخذه.

الموقف من المقاومة

إذا كانت الحقوق الفلسطينية خاضعة للاستجداء، وأن علينا أن نصبر حتى يقدموا لنا حلا، فإن المقاومة المسلحة لا ضرورة لها، وقد تكون تكاليفها باهظة. ولم يخف عباس موقفه هذا في مناسبات عديدة وعندما كان لاقط الصوت أمامه ليتحدث بشؤون العامة. هو ردد وما زال يردد أنه ضد المقاومة المسلحة، وهو يعمل على منعها. وهو ضد تسلح الفلسطينيين، وضد التنظيمات القائمة على أساس الجهاد أو الكفاح المسلح، وهو ضد صناعة الأسلحة وضد تطوير الصواريخ وضد الأنفاق الأمنية العسكرية، وضد كل ما يمت لمواجهة الصهاينة بالعنف. وهو أيضا ضد الانتفاضات التي هي في الغالب احتجاجات وتتميز بنشاطات احتجاجية. إنه ضد قذف الحجارة ووضع الحواجز على الطرق، وضد كل عمل استفزازي يمكن أن يثير غضب الاحتلال. فهو يخشى أن تتطور الانتفاضة إلى قنابل مولوتوف، أو إلى عمل عسكري مسلح. ولهذا يرع أن قطع دابر الذين يمكن أن يحركوا الشارع الفلسطيني ضد الاحتلال من البداية، أفضل من الانتظار وتطويع الأمر للاحتمالات.

وهذا موقف ينسحب على التعامل مع المستوطنين في الأرض المحتلة/67. هو لا يسمح بمواجهة المستوطنين بالسلاح أو بالحجارة أو بأي طريقة عنفية أخرى، ولديه الاستعداد لتوظيف الأجهزة الأمنية الفلسطينية لملاحقة كل من يقوم بأعمال يمكن أن تؤدي إلى رد فعل صهيوني. وهذه فلسفة بعثت الطمأنينة إلى حد ما في نفوس المستوطنين. بالنسبة لهم، هناك أجهزة أمنية صهيونية وجيش صهيوني يسهرون على أمنهم وبمساعدة فلسطينيين.

ولهذا يقف عباس بقوة ضد المقاومة الفلسطينية في غزة، ويلاحق كل من يقع في دائرة الشك بأنه يفكر بممارسة الجهاد أو النضال. وكم من الإجراءات اتخذ عباس ضد غزة علّ عسى أن يتحرك الناس في غزة ضد المقاومة وتهدأ المنطقة بعد ذلك. وهنا تبرز مشكلة خطيرة في فلسفة عباس وهي أنه يتم تفسير سخونة الأوضاع في فلسطين المحتلة/67  أنها نتيجة الذين يمارسون العنف من قبل كل الأطراف. أي أن هذه الفلسفة تساوي بين الذي يمارس الاحتلال والقتل والتدمير وبين ممارسات الذي يقع تحت الاحتلال. لا يتم في هذه الفلسفة تبيان السبب والمسبب، وإنما هي تبقي مسألة العنف غامضة من ناحية تحميل المسؤولية.

لماذا المقاومة مرفوضة؟

إجابة عباس واضحة وهي أن المقاومة تستفز الصهاينة، فيستنفرون بكل طاقاتهم ويقومون بأعمال وإجراءات عقابية ضد الشعب الفلسطيني. هم يثأرون بقتل الناس وهدم البيوت وتدمير المزارع واقتلاع الأشجار، ونصب الحواجز وعرقلة حركة المواطنين وتعطيل الحياة. هم يقومون بإجراءات قاسية جدا لا طاقة لنا على تحديها أو منعها. في عمل المقاومة، قد يقتل فلسطيني مستوطنا أو جنديا صهيونيا، وقد يدمر عربة عسكرية، وقد يصيب بعض الصهاينة بجروح، لكن في المقابل يدفع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة/67 ثمنا باهظا، وتتحول أوضاعه ولو مؤقتا إلى جحيم. وفي النهاية يصل الصهاينة إلى منفذ العملية ويقتلونه، ويهدمون بيته ويتشرد الناس من جديد. خسائر الفلسطينيين تبعا لأعمال المقاومة كثيرة جدا، وليس من الخير أن يمارس أحد المقاومة ويضع الناس بعد ذلك في ضائقة شديدة وخسائر فادحة. المعنى أن فلسفة عباس تقول إن القبول بالقهر أفضل من مراكمة القهر على قهر. ووفق المثل العربي: ” اليد التي لا تتمكن من كسرها بوسها وادعو عليها بالكسر.” والسؤال: ماذا كان سيحصل في الجزائر وفيتنام وإيران ودول أوروبا الغربية تحت الاحتلال النازي لو أنها عملت وفق هذه الفلسفة؟

يرى عباس أن من واجباته حماية أمن الشعب الفلسطيني، وحمايته لا تأتي من خلال مواجهة الاحتلال، وإنما من خلال منع المقاومة الفلسطينية حتى لا تأتي علينا بالويلات. ببساطة، الاحتلال ينتقم وانتقامه هو تعريض امن الشعب الفلسطيني للخطر. وببساطة أيضا، لقد حملنا السلاح تقريبا منذ عام 1967 حتى عام 1982 ولم نحصد إلى المزيد من الشهداء وخراب البيوت والمصالح، وآن لنا أن نهدأ حتى لا تتفاقم الأمور بالمزيد.

الشعور بالقوة

تبعا لموقفه من المقاومة، عباس لا يرى في القوة منفعة، ويقدر أن الشعور بالقوة قد يقود إلى ما لا تحسن عقباه. الشعور بالقوة قد يدفع أفراد المجتمع للتحدي والتصدي للعدو الأمر الذي يقود إلى دورة عنف بين الفلسطينيين والصهاينة يكون الفلسطينيون فيها خاسرين. وهذا جزء خطير من هذه الفلسفة لأن الشعوب لا تنهض ولا تحقق الإنجازات إلا عندما يشعر أبناؤها بالقوة وهي مرحلة المد. الشعور بالقوة هو دافع قوي نحو العمل والنشاط والتدبير السليم، أما الشعور بالضعف، وهي مرحلة الجزر، فمدمر مهلك، وأول ما يقضي عليه هو المنظومة الأخلاقية التي اعتاد عليها الناس.

وتبعا لذلك، أي بالاشتقاق، من يهرب من الشعور بالقوة لا يفضل وجود تنظيمات ولا يرغب بإنجازات أصحاب القوة. ولهذا لاحظنا عبر السنوات أن عباس ليس مغرما بالتنظيمات الفلسطينية وعمل على تهميشها. وليس أدل على هذا من إصراره على عقد مجلس مركزي فلسطيني ومجلس وطني فلسطيني بدون توافق فصائلي. وما يشير إلى هذا المنحى في الفلسفة العباسية موقفه من صواريخ المقاومة في غزة، ومن نتائج الحروب المتتالية التي شنها الاحتلال الصهيوني على القطاع. كان يقول عن الصواريخ بأنها تنك بدل أن يغض الطرف ويقدم الدعم من طرف خفيّ للذين يصممون الصواريخ ويصنعونها. المنطق البديهي الأولي يقول إن قائد الناس يشجعهم على الإنجاز، ولا يحبطهم من أجل التراجع. وفي الحروب المتتالية على غزة نجحت المقاومة الفلسطينية في صد الجيش الصهيوني، ولم يتمكن جيشهم من دخول مائة متر في القطاع. كل العالم انبهر بأداء المقاومة الفلسطينية المحاصرة إلا عباس ومن والاه إذ طفقوا يقولون إن الصهاينة تفوقوا لأنهم قتلوا فلسطينيين كثرا وهدموا البيوت وشردوا الناس. ما قالوه صحيح لكن نتائج الحرب لا تقاس بالخسائر وإنما بتحقيق الأهداف. فشل الصهاينة وأصحاب البحث عن الضعف الفلسطينيين يؤكدون انتصارهم.

وبما أن الشعور بالفوة يشكل خطرا على الشعب فإنه من الأفضل نشر الأمراض الاجتماعية وتمزيق الناس وتفتيت نسيجهم الاجتماعي والأخلاقي، وتدمير ثقافتهم الوطنية لكي يبقى الشعور بالضعف قويا. وهذه هي القوة الوحيدة المطلوبة وفق هذه الفلسفة.

وأيضا بهذا المنطق البعيد جدا عن العلمية نستطيع تفسير إجراءات عباس ضد قطاع غزة والتي تتوالى ولا يبدو أنها تتوقف عند حد، وإجراءاته داخل حركة فتح والتي تضعف الحركة، وتحول مراكز القوى المتواجدة داخلها إلى متنافسين وأخصام.

تجارة الضعف واستدرار العطف

ربما تأثر عباس بنهج الصهاينة الذين كانوا دائمي البكاء والعويل محاولين استدرار شفقة الأمم عليهم لحل ما كان يسمى المشكلة اليهودية. وفعلا تمسكن الصهاينة كثيرا وبكوا ومزقوا ملابسهم عن أبدانهم تعبيرا عن مأساتهم مع الشعوب الأوروبية، وارتفعت أصوات تنادي بضرورة الوقوف معهم وتمكينهم من إقامة وطن قومي لهم. لكن الصهاينة لم يكونوا واقفين عند حد اللطم والعويل وإنما كانوا يدبرون ويخططون ويعدون لإقامة وطن قومي لهم. كانوا يدركون أن الضعف لا يمكّن أحدا، وأن عليهم إثبات وجودهم لكي يطلب الآخرون ودهم. هم تمكنوا ماليا وإعلاميا في الدول الغربية حتى بات المرشحون للانتخابات في تلك الدول يطلبون ودهم حبا بالمال والإعلام مقابل تأييد مطالب الصهاينة. ربما استجدى الصهاينة الغير بعض الوقت، لكن دون أن يلهيهم الاستجداء عن بناء القوة. وعندما بدأ الصهاينة بالتوافد إلى ديارنا الفلسطينية، أخذوا يخططون لإقامة مراكز إنتاجية وأماكن سكنية لكي يثبتوا على الأرض. بدأوا بشراء أراض زراعية وبدعم بريطاني لكي يقيموا بنية زراعية قوية تضمن لهم سلة الغذاء التي تشكل النشاط الاستراتيجي الأول الذي تحرص عليه الدول. الزراعة هي الخطوة الأولى نحو الاعتماد على الذات. ثم بدأوا بإقامة المستوطنات بتمكين من بريطانيا أيضا، وذلك لتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين. المعنى أن بناء القوة كان على رأس أولويات الصهاينة. ولهذا باشروا أيضا ببناء أجهزتهم الأمنية وقواتهم الشرطية والعسكرية. ما وصلنا إلى عام 1948 حتى كان لدى الصهاينة جيش من 68000 مجند ومجندة، وقاتلوا جيوشا عربية هزيلة تآمرت عليها  حكوماتها.

يهتم عباس باستمرار كثيرا بإيصال رسالة إلى العالم عموما وإلى الصهاينة والأمريكيين خصوصا بأن الشعب الفلسطيني شعب مسالم ويبحث عن السلام، وأنه شعب مظلوم مقهور، ولا يجنح نحو العنف وسفك الدماء. ولهذا أقامت السلطة الفلسطينية منذ بداياتها أجهزة أمنية للتأكيد على مقاومتها لما يسمى الإرهاب والإرهابيين، أي المقاومة الفلسطينية. علما أن الاتفاقيات مع الصهاينة تنص على إقامة جهاز شرطة فقط. وطبعا مسألة نبذ الإرهاب تطلبت مثل هذه الإجراءات للتأكيد على تنفيذ الاتفاقيات مع الصهاينة بأمانة. وترتب على هذه المسألة التضييق على الفصائل الفلسطينية بخاصة تلك التي لديها نوايا مقاومة الاحتلال بالسلاح الناري. وكم من كتائب شهداء الأقصى تمت ملاحقتهم واعتقالهم وذلك للتأكيد على الالتزام باللاعنف وبالاتفاقيات مع الصهاينة. ولتبرير هذه يتم التمسك بمثل الهند التي تخلصت من البريطانيين بالمقاومة الغاندية  اللاعنفية. لكن مثل الهند لا ينطبق على الشعب الفلسطيني لاختلاف الظروف والمعطيات لدى الشعبين الهندي والفلسطيني.

يبحث عباس عن السلام ، أو بالتحديد عن دولة من خلال تجارة الضعف ولسان حاله يقول: أيها العالم! نحن ضعفاء ولا نملك من القوة لمواجهة الاحتلال أي شيء، ونحن ملتزمون بالضعف حتى لو تمت إقامة دولة فلسطينية. أي أنه يرى أن سر قوة الضعيف في ضعفه، أو أن الضعف هو مصدر القوة. الطرف الآخر في الصراع هو الذي يقتل ويذبح ويسفك الدماء، وهو الذي يسبب حالة عدم الاستقرار في المنطقة. ولهذا على العالم أن يقف معنا ويضغط على الصهاينة من أجل أن يتوقفوا عن العنف والقتل وإزهاق النفوس. ولهذا نحن نتمسك بالطرح الخاص بحل الدولتين على الرغم من أن الطرف الآخر لم يترك مجالا لإقامة دولة فلسطينية خارجة عن سيطرته.

عباس يتاجر بضعفه ويصر على إضعاف الآخرين على الساحة الفلسطينية من أجل استدرار عطف الأمم ذات التأثير على الكيان الصهيوني.

فهل هذه فلسفة ذات فائدة حقيقية للشعب الفلسطيني؟ الإجابة عن هذا تتمثل بتجربة الشعب الفلسطيني على مدى خمسة وعشرين عاما من عهد السلطة الفلسطينية. لم ير الشعب بعد ثمارا لهذا الضعف ولن يرى إلا نتائج رديئة والتاريخ خير من يحكم على هذه التجارة البائدة والتي لم تسعف أي أمة تبنتها.  والكاتب متخصص في الفلسفة السياسية، ولم يجد في التاريخ من تبنى هكذا نظرية. هذه هي نظرية الضعف، the theory of weakness

المقاومة السلمية

يتمسك عباس بما يسمى المقاومة السلمية الشعبية. أي المقاومة الخالية من العنف التي لا تثير الاحتلال وتحرجه أمام العالم. وكلما أحرجنا الصهاينة أمام العالم يصبح الفرج أكثر قربا. هذا إن كان الصهاينة يشعرون يوما بحرج. على كل حال، هو لم يقدم لنا تعريفا حتى الآن للمقاومة السلمية الشعبية. ما هي أركانها، وما  هي عناصرها ومقوماتها، وما هي طرق تنفيذها، وما هي مساربها؟ هو لم يشرح للشعب الفلسطيني شيئا، ولم يقدم لهم خططا نحو تنفيذها أو استراتيجية أو رؤية. هو فقط يدعو إلى مقاومة سلمية ولا يقول كيف.

متطلبات المقاومة الشعبية، وفق معرفتي كثيرة، وتنفيذها يحتاج إلى خطط واستراتيجيات، وحشد الطاقات وتنظيمها لكي تكون فعالة ومجدية. فمثلا، ماذا نفعل ببطاقات الهوية التي نحملها وهي تحمل الرقم الصهيوني؟ وماذا نفعل بالمحال التجارية التي تقتني بضائع صهيونية؟ وكيف ندبر أسواق الخضار في مدننا؟ وهل نشكل لجانا شعبية مدربة على إدارة شؤون الناس فيما إذا عطل الاحتلال المؤسسات الإدارية؟ وكيف ندير الجامعات والمدارس، كيف ندبر المياه والطاقة للناس إذا صعد الاحتلال إجراءاته ضدنا؟ وهل نقوم بالعصيان المدني ونتمرد على أوامر الاحتلال العسكرية؟ الأسئلة كثيرة والمفروض أن يقدم صاحب الفكرة تفاصيلها لا أن يقولها فقط. تقديري أن عباس لا يستطيع.

الفلسفة الاجتماعية الثقافية الأخلاقية

كما أشرت سالفا، عباس لم يقدم لنا فلسفة في البناء المجتمعي أو الثقافي أو الأخلاقي أو التربوي. لا أجد بين أقواله غير المكتوبة ما يشير إلى أنه رجل دولة يهتم بتنظيم وترتيب مختلف نواحي الحياة بالتعاون مع المختصين والخبراء والأكاديميين وأصحاب الخبرة والعطاء. عباس لا يكترث بالنشاطات والمخططات والرؤى التي تؤدي إلى اكتساب التعليم. تدهور الأخلاق والتعليم وسوء التربية وضعف الثقافة وقلة الوعي تؤدي جميعها إلى تعزيز تجارة الضعف والانحلال.

أنظروا أيها القراء الكرام إلى تدهور المستوى الأخلاقي على المستوى العام، وإلى تدهور العملية التعليمية في المدارس والجامعات، وإلى سوء التربية الذي نعاني منه كثيرا. أنظروا كيف ازدادت جرائم القتل والطوشات (الصراعات) بين العائلات. وانظروا إلى ارتفاع نسبة الطلاق بصورة حادة بخاصة قبل الزواج الفعلي، وإلى تجارة المخدرات وتجارها، وعمليات الاغتصاب والفساد وضعف الانتماء للعمل وانهيار الثقافة الوطنية، وازدياد حالات النصب والاحتيال. وانظروا إلى الإنتاج الزراعي وتقلصه مع الزمن، وإلى اكتساح البنيان للأراضي الزراعية، وإلى الكثير من التراجعات التي لا تخفى على أحد منكم. هذه هي النتائج المترتبة على أخلاقيات الضعف والهوان. تقديري أن عباس إما أنه لا يعرف بهذه الأمور، أو أنه يعرف ويصر على سياسة الضعف والإضعاف. والإضعاف المجتمعي بالتالي هو الأخطر على الشعب الفلسطيني. إنه أكثر خطورة من الاحتلال نفسه.

اكاديمي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. العادة لا أعلق على الشأن الداخلي الخاص بالاخوة الفلسطنيين و لكن يا دكتور كلامك ينطق الحجر. أكتم كلامي و أسكت.

  2. استاذنا الفاضل
    فتح كانت تحمل في كل يد بندقية من بعدها يد تحمل بندقية والأخرى شجرة الزيتون واليوم شجرة الزيتون في كلتا اليدين امام العدو الصهيوني
    البندقية أصبحت باتجاه الإخوة الفلسطينين
    رحماء في ما بينهم اشداء على الكافرين
    وكما تفضلت انها حالة عربية

  3. إلى الدكتور عبد الستار القاسم
    محمود عباس هو وكيل إسرائيل و أمريكا والسعوديا لضمان تنفيذ مخططاتهم داخل الضفه الفلسطينيه في عام 2007 بفضل الله تم القضاء على مشروعه في قطاع غزه عباس لايؤمن بأي نوع من أنواع المقاومه ويتعامل على أنه دوله ذات سياده مع العلم أن الجيش الإسرائيلي يسرح ويمرح في راملله عاصمة السلطه العباسيه ووقتها يختفي جنود التنسيق الامني في جحورهم ويتركون شباب وشبات الضفه يواجهون الإحتلال لوحدهم عباس يطرح المقاومه السلميه وبالمقابل يمنع التجمعات ويقمع المتضاهرين كما فعل في الخليل ونابلس وراملله إذن هو يطرح الشعار ويطبق ضده عباس يا دكتوور دكتاتور يغيش في كنف الاحتلال يطبق سياسة التفرد بالسلطه في كل شيء لذا كل التوقعات تشيير إلى “نزاع الخلافه القادمه القادم ” بعد مرحلة عباس بين المتلهفين على السلطه الوهميه وهناك عدة شخصيات في فتح والسلطه تحضر نفسها في الضفه أمثال محمود العالول و توفيق الطيراوي و جبريل الرجوب المدعوم من قطر وماجد فرج المدعوم من السعوديا و عباس زكي المقرب من إيران و محمد دحلان المدعوم من الإمارات ومصر وطبعا لاننسى حماس الضفه والفصائل الأخرى أمثال الشعبيه والجهاد وهذا بالتأكيد سيزيد الطين بله لذا عباس هو أسوء مرحله في تاريخ قضيتنا الفلسطينيه وبالتأكيد بعده ستتغير الأحوال والأوضاع في الضفه والقدسولاكن يجب أن يكون لشعبنا ولشرفاء الضفه كلمة الفصل والكلمه العليا في الوضع القادم للتغير لحالة المقاومه والمواجه المحتدمه مع إسرائيل ومستوطنيها وزبانية أوسلو لتحرير ضفتا الغاليه والصلاة في المسجد الأقصى المبارك في بيت مقدسنا والايام بيننا الرجاء النشر وشكرا

  4. لماذا لا تسمي الأشياء بأسمائها يادكتور…هذه ليست فلسفه عباس بل هي نذالة عباس بنهجه الانبطاحي المذل للقضيه وكل ما جري لاعدل قضيه علي وجه الارض من تراجع وتهميش إنما جاء لتصرفات عباس والمحنطين من حوله لكي يتحولوا إلي أصحاب ملايين ثمنا لعمالتهم ورفضهم كافة أشكال النضال التي أقرتها كل المواثيق الدولية

  5. هذا ليس مقاله بل مجلد ؟!!! طويل وممل !! خصوصا لانه يتحدث عن شخصية مستسلمه مهزومه لاتملك رؤيا حقيقية وليست بحجم القضية الفلسطينية -شخصية موتورة تخشى الاعداء لدرجة الجبن وهنا استذكر قول الشاعر ” واذا لم يكن من الموت بد فمن العجز ان تموت جبانا ” !!

  6. عباس فشل ولكن نريد بديلا واقعيا لعباس لأن الوضع الفلسطيني لا يحتمل المزيد من الفشل.
    هنالك حقائق ذكرت في المقال لا يمكن نكرانها ولكن
    تحميل عباس كل مشاكل الشعب الفلسطيني غير مقبول.
    عباس هو الرئيس الشرعي المعترف به وبحكومته عالميا حتى وإن لم تجري الإنتخابات منذ زمن. حركة حماس لا يمكن ان تكون ممثلة للشعب الفلسطيني دوليا لأنها وقعت في مصيدة تصنيفها ورموزها على أنها ارهابيه . حماس شاركت في إنتخابات تحت مظلة اوسلو للالتفاف على ذلك ولكنها فشلت عندها قاطع العالم حكومة هنيه والتي حتى البنوك المحليه رفضت التعامل معها حتى لا يتم مطالبتها بدفع تعويضات لتعاملها مع حماس…
    عباس فشل في امور ونجح في أخرى مثلا على صعيد الاعتراف الدولي وتثبيت فلسطين كدوله له إنجازات ونجاحات دفعت أمريكا وإسرائيل لتجميد العضويه او للخروج من اليونسكو مثلا .
    هنالك جزء كبير من الشعب الفلسطينيي يرى ان المقاومه على طريقة حماس فشل في التحرير أيضا كما فشلت المنظمه بالمفاوضات. حماس في غزه غير قادره على تحمل مسؤوليه الشعب الذي تحكمه هناك وهي تريد من السلطه دفع فواتير موظفيها وفواتير الصحه والتعليم والكهرباء والماء وغيرها وإذا لم تدفع السلطه لها كما تريد يتهمونها بعقاب غزه او المقاومة.
    انا أستغرب كيف حماس تريد ان تحارب إسرائيل وبنفس الوقت لا تستطيع العيش بدونها و تطلب من إسرائيل تزويدها بالكهرباء والماء والسولار والبنزين والادويه وغيرها وتريد من عباس ان يدفع ويسدد فواتيرها لاسرائيل . رأيي الشخصي ان حماس يجب ان تتحمل مسؤوليه إدارة القطاع وعلى عباس ان يحول الأموال لمساعدة منطق ج المهدده بالاستيطان والمصادره والقدس حيث المعركه الحقيقيه او ان تسلم غزه كاملة للسلطه حتى تدير الأمور هناك. وصل الأمر ان تستلم إسرائيل قوائم موظفي القطاع حتى توافق على قوائم من يدفع لهم من أموال الدعم القطري. بالمناسبة إسرائيل قررت أن لا تدخل الأموال القطريه للقطاع هذا الشهر.

  7. محمود عباس غير مؤهل لقيادة شعب شجاع وحبار مثل الشعب الفلسطيني فارحل غير ماسوف عليك.

  8. كلما اقرأ مقالات هذه الجريدة المحترمة، اجد نفسي مندهش امام نفس الديناميكا الاجتماعية التي تسير جميع دول العالم العربي: دولة بترولية او بدون، دولة مستعمرة او مستقلة، اقصى شرقية او اقصى غربية.
    في كل مكان انتهازيين من نوع “عربي”، اي بمستوى معلمي الابتداءي، يديرون البلاد، وكذلك عن اصحاب المال.
    في كل مكان الاكفاء مهمشون او همشوا انفسهم.
    إذن:
    المسكلة اكبر من عباس، بل عباس ضحية !
    لأي نموذج يعود عباس ليبني مشروع شعبه؟

    ما اقوله ينطبق على شعب او دولة تتحكم في سيادتها. والشعب الفلسطيني في حالة مقاومة.

    لكن النموذج الثقافي الاقتصادي واحد.

    قد يكتب ابو مازن مقالة عنكم استاذنا الاكاديمي، يتسائل عن انفصام الانتلجنسيا العربية بين العلمانيين و المحافظين. عن اخفاءات هؤلاء و هؤلاء، وخاصة عن الفوارق العميقة التي تباعدهم، ويتساءل الى من يرجع؟

  9. لو كان قادة الشعب الفلسطيني بمستوى ثقافتك وعلمك وإخلاصك ووطنيتك يادكتور كان الان لا يجرؤ احد من العربان التطاول على الفلسطينيين والتدخل بوقاحة في قضيتهم لصالح الاحتلال الصهيوني وكان لا يجرؤ الكيان الصهيوني على التنكيل بالفلسطينيين وسرقة ارضهم ومصادرتها في الضفة العربية وكان لا يجرؤ قطعان المستوطنيين على الاعتداء على الاقصى او الاعتداء على المواطنيين الفلسطينيين واستفزازهم كما يحدث الان في ظل وجود سلطة اوسلو التي تقوم بحماية المستوطنيين والمستوطنات بدل من حماية الفلسطينيين العزل من ارهاب قطعان المستوطنيين ومن ارهاب جيش الاحتلال الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني الاعزل

  10. الاخ الكاتب
    اعتقد انه تم طبع كنيب صغير اسمه (اسرائيل قنطره الشر) وهي الرساله المقدمه في نهايه دراسته في الاتحاد السوفياتي وان لم تخنني الداكرة عام 1983
    والسيد ابو مازن ينفد ما كتبه او ما مهد له في رسالته

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here