فلسطين 1918.. مئة عام من المواجهة بين الحراك السياسي الفلسطيني والتماسيح

 

د. نهى خلف

يعتبر معظم الباحثين و المؤرخين عام 1918 كالعام  التأسيسي للحركة الوطنية الفلسطينية المنظمة، و ذلك  بضعة أشهر بعد إعلان ‘وعد بلفور’ و احتلال الجيش البريطاني بقيادة  الجنرال ‘أللنبي’ القدس في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1917.

ففي أوائل عام 1918، كانت الحرب لا زالت مستمرة في شمال فلسطين بين الحلفاء و  الأتراك، مما غيب نسبيا العمل السياسي الفلسطيني المعلن في فلسطين، رغم ان بعض الجمعيات الفلسطينية  كانت قد بدأت  تتأسس في يافا و الرملة، لمناهضة المشروع الصهيوني الذي أصبحت ملامحه واضحة بعد انتشار خبر إعلان وعد بلفور الذي بقي مغيبا في فلسطين في الأشهر الأولى بعد إعلانه. و قد بدأ ظهور التعبير السياسي الفلسطيني الرافض للحركة الصهيونية في النصف الثاني من عام 1918 حيث بدأت الجمعيات الفلسطينية تنتشر علنا  في فلسطين و خاصة بعد انتهاء الحرب حيث سمح  الفراغ السياسي النسبي بممارسة بعض الحريات في أول الأمر،  و لكن الاحتفالات و التظاهرات  التي  أقامتها اللجنة الصهيونية في فلسطين في الثاني من نوفمبر عام 1918 للاحتفال و التعبير عن فرحها بعيد الميلاد الأول  لوعد بلفور، كانت الخطوة الاستفزازية الأكبر و الشرارة التي أدت بالحركة الوطنية الفلسطينية الناشئة للخروج عن صمتها  و معارضة مخططات الحركة الصهيونية .

و في مواجهة هذا الحدث الاستفزازي، قامت الحركة الفلسطينية الناشئة بالإعلان عن تأسيس ‘الجمعيات الإسلامية المسيحية’و ذلك ردا على التعريف المهين للشعب الفلسطيني ‘بالطوائف غير اليهودية’ الوارد في وعد بلفور.و قد قامت هذه الجمعيات، بالتوافق مع كل الجمعيات العربية و الفلسطينية  الأخرى، بتقديم عريضة للحكومة البريطانية عبر الحاكم العسكري البريطاني في القدس‘ رونالد ستورز’، من قبل لجنة مشكلة من رؤساء الجاليات الإسلامية  والمسيحية برعاية رئيس بلدية القدس، موسى كاظم الحسيني، كما  وقع حوالي مئة من شيوخ  المناطق المحيطة بالقدس على العريضة. وكما قدمت نفس العريضة إلى الحاكم العسكري في يافا من قبل الجمعية الإسلامية المسيحية  اليافية المحلية .

و كانت الجمعيات الإسلامية المسيحية قد  تم تسجيلها رسميا بموافقة الانتداب البريطاني الذي أراد في أول الأمر أن يحافظ على توازن شكلي بين الحركة الصهيونية من جهة  و الحركة الوطنية الفلسطينية الناشئة من جهة أخرى، و خاصة إن أهداف هذه الجمعيات المعلنة ركزت على القضايا الاجتماعية و الاقتصادية و التعليمية، كما ان التباين في الآراء بين السياسيين البريطانيين أنفسهم حول مدى التطابق بين المصالح البريطانية و التطلعات الصهيونية، بسبب تخوفهم من إثارة الفوضى و فقدان صداقة الأطراف العربية التي ساندت بريطانيا في حربها ضد العثمانيين، قد دفع بالبريطانيين الى السماح ودعم ظهور هيئة فلسطينية تمثيلية للطرف الفلسطيني.

و من الجدير بالذكر إن الجمعيات الإسلامية المسيحية كانت تنشط على أساس لامركزي ، حيث أن كل جمعية محلية، كانت تبلور برنامج عملها بناء على خصوصيات وضع المنطقة الخاصة بها ،  و قد تطورت  هذه الجمعيات  حتى شكلت شبكه  ممتدة  في معظم المدن الفلسطينية، بالرغم من اعتبار مدينة القدس مقرا مركزيا لها .

وقد ارتكز نشاط الجمعيات الإسلامية المسيحية أساسا على تقديم العرائض  المناهضة للمخططات الصهيونية إلى المسؤولين البريطانيين، و خاصة ان ‘اللجنة الصهيونية’ التي تأسست في أذار1918، و المنبثقة عن الفدرالية الصهيونية البريطانية بزعامة ‘حاييم وايزمان’ كانت قد حضرت إلى فلسطين في شهر نيسان 1918 لتعمل من اجل تغيير وضع اليهود في فلسطين و للبدء بتطبيق برنامجها السياسي، بينما كان الانتداب البريطاني  يحاول إقناع العرب بان هذه اللجنة كانت تعمل بشكل مؤقت حتى التوصل الى تسوية سلمية بناء على اتفاقية لاهاي لعام 1909.

و على عكس الادعاء البريطاني كانت اللجنة الصهيونية قد بدأت تعمل بالفعل منذ عام 1918 كدولة داخل دولة،  ترفع العلم الصهيوني في المناسبات، و تحضر بصمت لتأسيس هيئة عسكرية للدفاع عن الحركة  الصهيونية (و قد  سلمت هذه اللجنة فيما بعد أعمالها في عام 1923 الى المنظمة الصهيونية لاستكمال المشروع الصهيوني.).

و قد صدر‘الإعلان الأنجلو فرنسي’  في شهر تشرين الثاني من عام  1918 كتكملة لاتفاقية ‘سايكس بيكو’، حيث وعد هذا الإعلان الشعبين  السوري و العراقي بتحقيق مصيرهم و التوصل إلى استقلال ، بينما لم يذكر فلسطين، مما أدى القيادات الفلسطينية بالظن انهم قد يحصلوا أيضا على وعود بالاستقلال الشبيهة، عبر التعبير عن رفضهم لوعد بلفور و  المطالبة بالانضمام إلى سوريا، خاصة إن  الحاكم العسكري البريطاني  رونالد ستورز، قد عمل بسبق الاصرار على توزيع نص ‘الاعلان الانجلو فرنسي’إلى القيادات الفلسطينية في القدس، بالرغم من استثناء فلسطين في هذا البيان. و عندما لاحظ الفلسطينيون هذا الاستثناء  طالبوا من الحاكم العسكري بعض التوضيحات: أولا:  التساؤل ان كانت فلسطين تعتبر جزءا من سوريا؟؟ و ثانيا: ان كانت فلسطين جزء من المجموعة التي يحق لها أن تطالب باختيار حكومتها؟؟؟ و ثالثا:   ما دامت  فلسطين مستثنية من هذا الاعلان، فلماذا أرسل الحاكم البريطاني لقياداتها  هذا البيان؟؟ و بما كانت الإجابة البريطانية غامضة ، اجتمع رؤساء الجاليات الفلسطينية في اليوم التالي، مطالبين بالانضمام إلى سوريا تحت حكم ‘شريف مكة’.

 و كان الخلاف الجاري بين بريطانيا و فرنسا في ذلك الحين، حول اقتسام الأراضي التي كانت سابقا تابعة للامبرطورية العثمانية،  يحول دون إمكانية التوصل إلى صيغة توحيد بين فلسطين و سوريا حيث كانت سوريا من حصة الانتداب الفرنسي و فلسطين تحت الانتداب البريطاني، هذا بينما كانت فرنسا تحرض عبر البعض من أعوانها ضد بريطانيا بسبب موقفها من الحركة الصهيونية و مسؤوليتها عن وعد بلفور، مع إصرارها لاعتماد مصطلح ‘سوريا الجنوبية’  لتعريف فلسطين و هو المصطلح الشائع فرنسيا، و الذي أصبح مصطلحا معتمدا من قبل جزء هام من الحركة الوطنية العربية و الفلسطينية.

و كانت جمعيتان قد تبنت هذ ا المصطلح و هي ‘المنتدى الادبي’ و‘النادي العربي’ التي كانتا تضمان فئات من الأجيال الشابة المختلفة  في تكوينها الايديولوجي  و الاجتماعي عن  قيادات الجمعيات الإسلامية المسيحية، التي كانت تضم شخصيات تقليدية رغم استخدامها لأطر تنظيمية  حديثة .

وبينما كان ‘المنتدى العربي’ مدعوما من جهات فرنسية  و مطالبا بانضمام فلسطين إلى سوريا ، كان  النادي العربي   المكون أيضا من فئات شابة و لكنها  تستند على أوساط عائلة الحسيني و أنسابهم ، الذين اعتبروا في ذلك الحين مقربين من البريطانيين حيث ان عدد من أعضاء هذه العائلة كانوا يحتلون وظائف هامة في إدارة الانتداب البريطاني ،  كما كان النادي العربي  يضم بعض الشخصيات الدينية و العسكرية التابعة لحكومة  ‘الأميرفيصل’ في دمشق المقربة أيضا من الحكم البريطاني. و رغم الاختلاف في تكوينهما الاجتماعي كانت  أهداف الجمعيتان متطابقة في اعتمادها تعريف فلسطين كسوريا الجنوبية. و بينما كانت دمشق المقر الرئيسي للنادي العربي  إلا انه كان  له فرعا هاما في القدس.

ان التخوف من استثناء فلسطين من عملية تقرير المصير المطروحة  في ‘الاعلان الانجلو فرنسي’، أدت إلى الدعوة لانعقاد ‘المؤتمر الأول للجمعيات الإسلامية المسيحية’ في القدس في شهر كانون الثاني من عام 1919، و الذي  كان يشمل كل أطراف الحركة السياسية الفلسطينية و ليس فقط الجمعيات الإسلامية المسيحية، رغم إن هذه الجمعيات  كانت  تعتبر نفسها   الممثل الرسمي للحركة الوطنية الفلسطينية،  بسبب تكوينها من قبل وجهاء العائلات التقليدية و بعض الشيوخ الشخصيات الدينية والاعتبارية. قد حضر هذا المؤتمر الذي انعقد في مبنى ‘المتصرفية’  في القدس حوالي ثلاثين شخصية فلسطينية من شتى المدن الفلسطينية والاتجاهات السياسية.

و قد ضم جدول أعمال المؤتمر أربعة نقاط أساسية: اولا:  مستقبل فلسطين، ثانيا : الموقف من الحركة الصهيونية، ثالثا:  انتخاب لجنة  لتقديم مطالب المؤتمر الفلسطيني إلى  مؤتمر السلام المنعقد في باريس، رابعا:  البحث في بعض الأمور الفلسطينية الداخلية.

و قد أصدر المؤتمر في ختام أعماله ميثاقا ضم البنود التالية: أولا: فلسطين هي سوريا الجنوبية وجزء لا يتجزأ من سوريا، ثانيا: الاستقلال التام لسوريا جميعها بلا حماية ولا وصاية ولا احتلال وضمن الوحدة العربية، ثالثا: رفض وعد بلفور ورفض الهجرة اليهودية إلى فلسطين ورفض كل دعوى لليهود فيها.

وكان ‘حايم وايزمان’ قد حضر مؤتمر السلم في باريس و قدم باسم  المنظمة الصهيونية العالمية  إلى المجلس الأعلى للمؤتمر في 3/2/1919 مذكرة رسمية  تطالب بضمان مطالب الصهيونية من مؤتمر الصلح، وعلى رأسها الاعتراف بما يسمى الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين وحق اليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. مما أدي الحركة الوطنية الفلسطينية الى إرسال  مذكرات مماثلة إلى مؤتمر باريس منها مذكرة الاحتجاج التي بعث بها وجهاء وأعيان مدينة نابلس ووجوه وعمداء قراها في 11/1/1919، والمذكرة التي بعثها المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في 3/2/1919، و تضم الاحتجاج على كل اتفاق يعطي اليهود حقوقاً في فلسطين.

و هكذا قد انتهى عام 1918 فاتحا المجال أمام عام 1919 الحافل أيضا بالتطورات السياسية اللاحقة لمؤتمر السلم في باريس،والتي سنعالجها فيما بعد.

و بينما يبدو من  الصعب الحكم على انجازات وإخفاقات قرن من المواجهة بين الحراك السياسي الفلسطيني و الإخطبوط الغربي الصهيوني،  إلا انه على المؤرخ أن يعمل كقاضي أمام التاريخ، رغم البعد الزمني و المكاني على الأحداث الماضية، و عليه أيضا ان يطرح الأسئلة باحثا عن الحلقات الناقصة  و المخفية في التفسير التاريخي، حيث ان المواجهة بين الحراك السياسي الفلسطيني و الحركة الصهيونية لم تكن مواجهة مبسطة بل تداخلت فيها عدة عوامل خارجية و داخلية. و ربما علينا ان نبحث عن الحلقة الناقصة في هذا التفسير عبر دواخل الأمور و الصراعات الفلسطينية الداخلية المطموسة، و التي لم تتخلص حتى هذا اليوم من رواسب العشائرية و الشللية و الجهوية،  رغم مرور مئة عام  على المواجهة مع كبار التماسيح .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. حديث منطقي جدا تشكري عليه, فقراءة التاريخ تحتاج الى دراية بكل التفاصبل وما كان يدور في الخفاء والعلن من اجل اظهار الحقائق لتستفيد منه الاجيال القادمة والباحثين وغيرهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here