فلسطين في عصور ما قبل التاريخ: “الإنسان العاقل” ظهر في فلسطين قبل 50 ألف سنة

iz aldeem manasra new

عزالدين المناصرة

– تنقسم جغرافية فلسطين الأثريّة التاريخية، حسب (زيدان كفافي) إلى الأقسام التالية:

  1. 1. الساحل، والسهل الساحلي الفلسطي: يتكون من (سهل عكّا)، الذي يمتدّ من رأس الناقورة في الشمال، حتى نهاية منطقة الكرمل في الجنوب. وتعتبر مدينة عكا من أهم المرافئ في هذه المنطقة، ولا تزال مأهولة منذ اقدم العصور. وازدهرت عكّا،خلال الألفين الثالث، والثاني ق.م. ويمثل (خليج حيفا)، الجزء السفلي لسهل عكا. وفي هذه المنطقة عدد من المواقع القديمة، أهمها: (تلّ أبو حوّام)، وله اهمية في العصور البروزنزية، كذلك موقع، (خربة هربج)، الذي كان ميناءً مهماً في العصور الحديدية. ثمَّ يُشكّل (سهل مرج ابن عامر): الممرّ الرئيس، الذي يقطع جبال فلسطين باتجاه غرب – شرق، ليربط بين وادي الأردن، وجبل الكرمل، المتاخم للسهل الساحلي عند حيفا، ويصل بينه وبين سهل عكا، نهر المقطَّع. وتقع في سهل (مرج ابن عامر)، مواقع تاريخية أثرية، مثل (تلّ المُتسلم = مجدّو)، و(تلّ تْعنّكْ)، وجنين، والعفولة، وبيسان. واشتهر المرج بمعاركه في منتصف الألف الثاني ق.م. ثمّ (سهل سارونا)، وهو المنطقة الممتدّة بين نهري الزرقاء شمالاً، وروبين، جنوبي يافا. وفيه مواقع أثرية، مثل: رأس العين، ودور، ويافا، ووادي ربّة، ويازور، والخضيرة، وبني براك. وتعود هذه الآثار إلى فترة العصور الحجرية الحديثة، والنحاسية، والعصر البرونزي الحديث. ثمَّ (السهل الفلسطيني الجنوبي): وتعتبر (غزّة)، أهم مدنه التاريخية، كذلك: أسدود، وعسقلان، وتل الصافي، وخربة المقنع. لقد لاحظ العلماء – والكلام لزيدان كفافي – أن الناس الذين سكنوا هذه المنطقة خلال الألف الرابع ق.م.،كانوا يدفنون موتاهم، داخل صناديق صلصالية، على عكس سكّان المناطق الشرقية، الذين استعملوا القبور العادية والجرار للدفن. وهناك أيضاً: (منطقة السفلة): تحتلُّ هذه المنطقة المساحة الواقعة ما بين الجزء الجنوبي للسهل الساحلي، ومنطقة جبال القدس والخليل. وهي مشهورة بزراعة الزيتون، ومأهولة بالسكان منذ أقدم العصور، ومن أهم مواقعها: جازر (تل أبو شوشة)، و(تل الرميلة)، و(تل الدوير).

  2. 2. سلسلة الجبال الداخلية: تعتبر سلسلة الجبال الداخلية، امتداداً لسلسلة جبال لبنان، وتنتهي بجبال الخليل جنوباً. وهذه الجبال هي: جبال الجليل، جبال نابلس، جبال القدس والخليل. أما (جبال الجليل)، فتتكون من: جبال الجليل الشمالية، وجبال الجليل الجنوبية. وتضم جبال الجليل والكرمل، مجموعة من الكهوف الصخرية، التي لجأ إليها (الإنسان الأول)، واتخذها مسكناً له منذ العصور الحجرية القديمة، كما في كهوف: الطابون، السخول، والقفزة. وتمثل (جبال نابلس)، موقعاً متوسطاً في سلسلة الجبال الداخلية، وتشمل عدداّ من المواقع الأثرية، منها: تلّ بلاطة (شكيم)، وسبسطية (السامرة)، وتل الفارعة الشمالي (ترزا)، وقد سُكنت منذ العصر الحجري، وذكرت مدينة بلاطة في الوثائق التاريخية المصرية. أمّا – (جبال القدس، والخليل)، فقد نشأت فيها مراكز حضارية مهمة، منذ عصور ما قبل التاريخ، ومثال ذلك: (القدس، وتل النصبة، وجت، وتلّ سيلون، وبيتين، وتل الدوير، وتل أبو شوشة، وتل بيت مِرْسيم)، وغيرها. وتحيط بجبال القدس والخليل من جهتها الشرقية، منحدرات عميقة، وبني على هذه الجبال عددٌ من المدن، مثل: (القدس، بيت لحم، الخليل). وهناك طريق كان يربط ما بين جنوبي فلسطين، وشرق الأردن، ماراً بمدن: أبو شوشة والقدس وأريحا، وعلى هذه الطريق، أقيمت مواقع (دويلات المدن) في الألف الثاني ق.م.، مثل: (الجيب). وهناك مواقع أثرية أخرى، تقع شرقي الخليل، مثل: (كهوف قمران، وعين جدي).

  3. 3. منطقة بئر السبع، والنقب: تقف بلدة (الظاهرية) الخليلية، كحدٍّ فاصل ما بين المنطقة الجبلية، وصحراء النقب. وإلى الجنوب من بئر السبع، وقبل الوصول إلى المنطقة الصحراوية، نجد أن هناك منطقة جبلية تمتدّ حوالي (90 كم) إلى الشرق والغرب، تتوافر فيها إمكانية الاستقرار والزراعة. ويوجد في منطقة بئر السبع، عدد من الينابيع، التي أُقيمت بالقرب منها، مواقع سكنية هامة في (الألف الرابع ق.م.): ومن بين هذه المواقع: بئر الصفدي، تل أبو مطر، وخربة البيطار. وهناك مواقع أنشئت في (الألف الثالث ق.م.)، مثل: تل عراد. وبقيت هذه المنطقة تؤدي دوراً مهماً في الألف الثاني، والأول ق.م.، ومن أهم مواقع هذه الفترة: (تل الشريعة، تل أبو هريرة، تل جمة، تل الفارعة الجنوبي (شاروحين)، وتل مشاش). ومن أهم الطرق المعروفة في صحراء النقب، الطريق الممتدّة من بيتين شمالي القدس إلى بيت لحم، والخليل، وبئر السبع. ومن ثمّ تتجه غرباً، ليتفرع منها، طريقٌ توصل إلى سيناء، وأخرى تنحرف باتجاه الجنوب الشرقي إلى خليج العقبة، ثم إلى شبه الجزيرة العربية.

  4. 4. وادي الأردن: وتشمل: (منطقة الحولة، ومنطقة طبرية، وغور الأردن، والبحر الميت، وادي عربة)، فمنطقة (الحولة)، هي المنطقة المحددة بجبل الشيخ شرقاً، ونهر الليطاني شمالاً، وطبريا جنوباً. وكانت قديماً تشكل منطقة حدودية ما بين الدول الآراميَّة الشماليَّة، ودولة (بيت أموري) الآرامية في شمال فلسطين. وتمَّ الكشف عن مواقع أثرية في منطقة الحولة، تعود إلى (الحضارات النطوفية)، ومن المواقع الأثرية فيها: (عين الملاَّحة، آبل القمح، دان (تل القاضي))، أما اهم هذه المواقع، فهو موقع حاصور، (تل القدح)، الذي كان مدينة ضخمة في العصر البرونزي الحديث.

أما في (منطقة طبرية): فيبلغ طول البحيرة (21 كم)، وعرضها (12 كم). وكانت المنطقة حولها مأهولة بالسكان، بسبب خصبها منذ العصور الحجرية. وأهم مواقعها الأثرية: موقع العبيدية، الذي يعود إلى العصر الحجري القديم، كذلك (موقع خربة الكرك)، التي عُرفت بفخّارها المتميّز، وكانت من مدن فلسطين الرئيسة خلال الألف الثالث ق.م. وفي منطقة لقاء نهري الأردن واليرموك إلى الجنوب من بحيرة طبريّة، هناك مواقع أثرية مهمة، مثل: موقع الاقحوانة، الذي يتميز بالحضارة المسمّاة (اليرموكيّة)، وتعود إلى الألف السادس ق.م. أمّا في منطقة (غور الأردن)، التي تمتدُّ مسافة (105 كم) من بحيرة طبريا، وحتى البحر الميت، وعرضها (3 – 5 كم)، باستثناء عرض (18 كم) عند أريحا. وهي (أكثر منطقة انخفاضاً في العالم). وتشير المصادر التاريخية إلى أن منطقة الغور، كانت مأهولة بالسكان، منذ العصر الحجري القديم، وفيها مواقع أثرية مهمة، مثل: (تل الشونة الشمالي، وطبقة فحل، وتل الحيَّات، وتل السعيدية، وتل أبو حامد، وتل المزار، وتل دير علاّ، وأريحا). أمّا في منطقة (البحر الميت)، فقد تمَّ التعرف على مواقع أثرية في الجبال الغربية القريبة من البحر الميت، ومنها: (موقع المربَّعات، وعين جدي، وخربة قمران). أما منطقة (وادي عربة)، فيبلغ طولها (170 كم)، وهو يعتبر المصدر الرئيس لخامات (النحاس) عبر العصور التاريخية المختلفة، وكانت له مراكز في الوادي لاستخراج النحاس، منها: (فينان، وخربة النحاس) في الجهة الشرقية من الوادي، و(تمناع) في الجهة الغربية لوادي عربة – انظر (زيدان كفافي: الموسوعة الفلسطينية).

– يقول (فيليب حِتّي): هناك كهوفٌ في فلسطين، وُجدت فيها، أدواتٌ من (العصر الحجري القديم)، أي أن هذه الأدوات تعود فيها إلى ما يقرب من (150 ألف سنة)، ومنها: كهف جبل الكرمل، وكهف (أُم قطفة)، شمال غربي البحر الميت، وكهف (الزُطيَّة)، شمال عربي بحيرة طبرية. كذلك وُجدت أدوات في مجرى نهر الأردن، جنوبي جسر بنات يعقوب. ويرى (حِتّي)، أن اقدم بقايا الهياكل العظمية، التي تعود إلى أواسط العصر الحجري القديم، هي التي عُثر عليها في كهفين من كهوف جبال الكرمل، وهما: مغارة الطابون، ومغارة السخول، كذلك في كهف (جبل القفزة)، جنوب الناصرة، وآخر في شمال غربي بحيرة طبريا، (مغارة الزُطيَّة)، ويعود عهدها إلى ما قبل (مائة ألف سنة على الأقل). وهي تظهر لنا سلسلة كاملة من بقايا الهياكل العظمية، تتراوح بين النوع النياندرتالي (باسم وادٍ في منطقة الراين)، وبين أنواع أرقى حتى تصل إلى أشكال، تكاد تكون من النوع البشري الحديث. واكتشفت (مغارة الأميرة) قرب طبريا، بقايا الهصر الحجري المتأخر، مثل الهياكل العظمية لحيوانات، مثل: الضبع، والكركدن، والثعلب، والماعز. كذلك بقايا بشرية، وتحتل (الغزلان) مكانة رئيسة بين البقايا الحيوانية. كما اكتشفت في جبل الكرمل، أقدم قِطَع من الفحم، ترجع إلى نحو (150 ألف سنة)، وهناك قِطَع أخرى تشير في تركيبها إلى نماذج السنديان والطرفاء والزيتون والكرمة، وأقدم هذه الاكتشافات، هو اكتشاف (النار). أما في (العصر الحجري الوسيط)، فقد عرف الإنسان، الأدوات الحجرية المصقولة (حوالي 12 ألف، ق.م.). ويقابل هذا العصر في فلسطين، اكتشاف (الحضارة النطوفية)، منذ أول العصر الحجري الوسيط، وحتى الألف السادس ق.م. وقد اكتُشفت في وادي النطوف في شمال غربي القدس في كهف بلدة (شُقْبة)، وفي مغارة الوادي، حيث كان البشر أقصر قامة، وكانوا نحاف الأجساد، لهم رؤوس مستديرة، ويرى البعض أن أفراد هذا العرق، هو الذي انتسب إليه الكنعانيون. أما البقايا الحيوانية، هي للأيل، والضبع المُرقَّط، والقنفذ. أما الصناعة، فتكثر فيها، العظام المشغولة، والمحفورة، ورؤوس السهام التي لها فَرْضَة. وفي هذه المرحلة، تمَّ تدجين الحيوانات (الكلاب والماشية كالماعز والغنم والخنازير، والبقر)، وجدت آثارها في (أريحا)، وترجع إلى الألف السادس قبل الميلاد. وشهد العصر النطوفي، بداية الاستقرار الزراعي. وكان الناس لا يزال أكثرهم من سكّان الكهوف، يجمعون الغذاء، ويستخدمون المناجل الصوانيّة. ويبدو أن المهاجرين الكنعانيين الأوَّلين إلى مصر، أدخلوا معهم القمح، وزراعة الكرمة. فالكلمة التي تعني القمح (gmhw)، كذلك الكلمة التي تعني الكرمة (karmu) في اللغة المصرية القديمة، هي بلا ريب، حسب فيليب حِتّي، مشتقة من اللغة الكنعانية. ثم أصبح الإنسان مع الزراعة، يسكن بيوتاً من الطين، أو اللِبْن. وقد وجدت بقايا المساكن البدائية في أريحا، وترجع إلى نحو (5 آلاف ق.م.)، وظهرت ملكية الأرض. وكان إحدى النتائج الهامة للحياة الاجتماعية، تطوّر اللغة إلى درجة الإتقان، وظهر الاعتقاد الديني بوجود مجموعة من الآلهة. وأقدم الأمثلة المعروفة للفن التشكيلي في فلسطين، هي تلك التقدمات النذرية على شكل صور الحيوانات الداجنة، وُجدت في (أريحا). أما في العصر الحجري الحديث (6000 – 4000 ق.م.)، فقد حصل تقدم محسوس في الزراعة – والكلام لفيليب حتّي – وتربية الحيوانات، واستعمال الأدوات الحجرية المصقولة، والحياة المستقرة. وسرعان ما حلّت (الأواني الخزفية)، محلّ أواني اليقطين، أو الجلد، أو قطع الحجارة والخشب المجوّفة. وظهر الخزف في أريحا، حيث يعتقد (غارستانغ)، أنه اخترع هناك. وقد شهد القسم الأخير من الألف الخامس، (أرفع مرحلة في تاريخ الفن الزخرفي القديم). وفي (العصر النحاسي)، تمَّ اكتشاف (النحاس) في (أدوم)، جنوب، وشرق البحر الميت، حوالي 2000 ق.م.، وأتى البرونز، والحديد بعد ذلك. واشتهرت فلسطين بزراعة الزيتون والعنب والتين والشعير والقمح. وتلت (الحضارة النطوفية)، حضارة أخرى هي (الحضارة الغسولية – السبعاوية)، نسبة إلى بلدة (تليلات الغسول)، شمالي البحر الميت، ومدينة بئر السبع، وقد وجدت نماذج هذه الحضارة في أريحا، ومَجدّو، وبيت شان (بيسان)، ولخيش (تل دوير) – انظر: (فيليب حتّي: تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين – ص: 7-27).

– أمّا، (مصطفى مراد الدبّاغ)، فيقول بأن العصر الحجري القديم، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من (150 ألف سنة)، شهد الإنسان، الذي يعيش عارياً، مرسل الشَعْر، يأوي للغابات في مرحلة (جمع القوت)، ثمَّ كان اكتشاف النار، انقلاباً من أعظم الانقلابات في تاريخ البشر. وهو يحدد آثار هذا العصر في فلسطين، بما يلي: عثر الباحثون على بقايا هياكل بشرية في (مغارة الزُطيَّة)، حيث وجدت جمجمة، أُطلق عليها اسم (جمجمة طبريا، أو الجليل)، عاش صاحبها قبل نحو: (200 ألف سنة). أما الهياكل العظمية، التي وُجدتْ في كهوف الكرمل والناصرة، فقد كان أصحابها من نوع (الإنسان منتصب القامة)، وقد اتفق الباحثون على أنَّ (إنسان مغارة الطابون) في جبل الكرمل بفلسطين، كان حلقة بين الإنسان البدائي، والإنسان الحالي، وأنه يمكن أن نقارنه أيضاً، بما أُطلق عليه اسم (الإنسان العاقل)، وقد سُمّيَّ هذا الإنسان، إنسان جبل الكرمل، (إنسان فلسطين). وقد عثروا على بقايا آثار وأدوات العصر الحجري القديم، من مقاشط، وفؤوس يدوية، ومحافر، وشفرات سكاكين عظمية في كهوف: الكرمل، أم قَطَفَة، الزطيّة، الأميرة، (ومغارة أبو سيف، شرقي الخليل)، كما عثروا على بلطات يدوية في جنوب جسر بنات يعقوب، كما عثروا على على ناب فيل في مغارة الطابون، كما عثروا على بقايا الفيَلَة، في بيت لحم. كما عثروا على بقايا حيوانات مثل: الوعل الفارسي، والثور الوحشي، وفرس النهر، وعظام الخرتيت (وحيد القرن). ومن أهم الأعمال التي حققها الفلسطيني في العصر الحجري القديم، نشوء النطق لديه، الذي يعدُّ أباً للعقل. ثم أخذ نطقه يتطور، وكانت لغته بسيطة، وليس لدينا وثائق عن هذه (اللغة الفلسطيّة الأولى). ويصل (مصطفى مراد الدباغ) إلى أنَّ (فلسطين كانت من أقدم مواطن الإنسان)، وأنّها كانت (مأهولة بالسكان، منذ نحو، 200 ألف سنة)، ويرى العلماء أنَّ (فلسطين، كانت مهداً للإنسان العاقل، (إنسان المجدل)). أمّا في العصر الحجري الوسيط، (12000 – 6000 ق.م.)، فقد كان عصر تدجين الحيوان، وممارسة الزراعة، واستمر الإنسان في سكن الكهوف والمغاور، وتمكن من صقل وتصغير أدواته الحجرية، كما مارس (صيد السمك) في الأنهار والبحيرات، بل حتى في وادي النطوف، (وادي خريطون، جنوب شرق بيت لحم). ومنذ اعتماد الإنسان على الزراعة، بدأت مرحلة (إنتاج الغذاء). وقد عثر الباحثون على أدوات حجرية مصقولة، وصحون حجرية، وجدت في (وادي المغارة)، كما وجدت هَواوين، ومدقّات من حجر جهنم في (مغارة الكبَّارة)، جنوب الكرمل. ووجدوا مناجل صوانيّة في (مغارة شُقْبة)، ويظهر من هذه الأدوات – يقول الدباغ – أنَّ (الفلسطيين، هم أول من مارس الزراعة في العالم)، حسب الباحث المصري أحمد فخري (دراسات في تاريخ الشرق القديم، 1958). وعثر الباحثون على تمثال وعل أو غزال، منحوت على قطعة من الحجر الكلسي الرمادي اللون، والحيوان، مضطجعٌ وقوائمه مطوية تحت جسمه، وعنقه ممتدّ إلى الأمام، وذلك في (زْويتينة)، جنوب الخليل. أما في (العصر الحجري الحديث) – 6000 – 4000 ق.م.، فقد تقدّم الإنسان في تطوير الآلات، والأدوات الحجرية، وعرف صناعة النسيج والغزل وصناعة الخزف. ومن مدن هذا العصر في فلسطين :

  1. 1. أريحا: أول مكان في فلسطين، شرع الإنسان يبني فيه البيوت، حيث كان أهلها أول من انتقل من السكن في الكهوف إلى البيوت العادية، وترجع هذه المنازل إلى عام (7000 ق.م.). وأصل كلمة أريحا، هو (يريحو)، أي (مدينة القمر)، وتقع على بعد خمسة كيلومترات، شمالي البحر الميت.

    وعثر المنقبون فيها على أسوار قديمة، وخنادق. وبرهنت الحفريات، كما يقول الدباغ، على أنّ: (نشوء الزراعة، وتدجين الحيوان والاستقرار، ظهرت جميعها في أريحا، قبل أن تظهر في العراق القديم، بأكثر من حوالي ألف سنة)، وقال (غارستنغ) بأن اختراع الخزف بدأ في أريحا، وذلك حوالي (5000 ق.م.).

  2. 2. جازر: ومعناها (شاهق). كانت تقوم على البقعة التي تقوم عليها (قرية أبو شوشة)، في طريق يافا – القدس القديمة. كان سكانها في العصر الحجري الحديث، يحرثون الأرض، ويزرعون العنب والزيتون، ويعصرون ثمارها في معاصر منقورة في الصخور، كما زرعوا التين والشعير والقمح والبصل والثوم والحُمُّص، والفول، والخسّ، وغيرها. وكانوا يصنعون خزفهم بأيديهم، يزينونه بخطوط حمراء وبيضاء، ويضعون موتاهم في جرار وإلى جانبهم، خزف مملوءٌ بالطعام والشراب. وكان الخنزير، الحيوان المفضّل للذبيحة، التي تقدّم إلى آلهتهم.

أما في العصر المعدني (4000 – 3000): فقد بدأ الكنعانيون باستعمال النحاس في نحو (4000 ق.م.)، بعد اكتشافه في سيناء. وعثروا في (تليلات الغسول) على فأس مصنوعة من النحاس، وهي مدينة كانت مزدهرة، قبل عام 3400 ق.م. وعثروا فيها على ملاعق الفخّار وصحون ومغارف. وكانت فيها أبنية للعبادة. ومن مدن فلسطين التي تعود بتاريخها إلى هذا العصر:

  1. 1. مَجِّدو: اكتُشف فيها: رسوم بشرية وحيوانية على الحجارة، وأقدم أنواع الفخَّار المزيَّن والمنقوش بزخارف كثيرة وملوّنة.

  2. 2. بيسان: اسمها القديم (بيت شان)، نسبة للإله شان، وتقع على بعد ثمانية كيلومترات، غربي نهر الأردن. وعثر في (تل الحصن) على سلسلة من بقايا مدن قديمة، ترجع إلى (4000 ق.م.).

  3. 3. لخيش: بمعنى (منيع). كانت تقوم على (تل دوير)، ويقع أمام (قرية القبيبة) في محافظة الخليل، وعلى بعد ثمانية كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من (بيت جبرين). كانت لخيش، أو لاكيش، أو (لاكيس = بني قيس)، حسب كمال الصليبي – حصناً هاماً بين عامي 1600 – 1200 ق.م. ثمَّ بدأ (عصر البرونز)، حوالي (القرن الثاني والثلاثين ق.م. – القرن الثاني عشر ق.م.). وقد اكتشفت آثار عصر البرونز في (جازر، لخيش، (تل العجول)، وهو التل الذي أقيمت عليه غزَّة القديمة). وقد أظهرت نتائج حفريات: (تليلات الغسول، وبئر السبع، ومجِّدو)، بأن سكان فلسطين وسوريا، كانوا يعرفون التعدين، والنحت، والأختام، والحُلي، والتماثيل، والمنازل المزخرفة بالرسوم الملوّنة، وزخرفة الأواني الفخارية، كما يقول (أحمد فخري، 1958). أما في العصر النحاسي – الحجري، فقد اخترعت الكتابة، حوالي 3500 ق.م.. انظر: – (مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، الجزء الأول، ص: 351-371).

          وقد قرأ (زيدان كفافي)، (مرحلة التنقل وجمع القوت) في العصور الحجرية القديمة (1,500,000 – 18,000 ق.م.)، وهو يقرر أن (أقدم الأدوات الصوانية في فلسطين، تمّ اكتشافها في العبيدية)، وأنَّ (الإنسان، منتصب القامة) عاش في بداية العصر الحجري القديم (الأول)، وقد كان هذا الإنسان، صيّاداً متنقلاً. وعثروا على بقايا هذا الإنسان في: (العبيدية، أم قَطَفة، جسر بنات يعقوب، ومغارة الطابون) في فلسطين. وأهم هذه المواقع، حسب كفافي، هو (العبيدية = جنوب غرب بحيرة طبريا)، الذي ينخفض حوالي (205م) تحت مستوى سطح البحر، حيث وجدت عظام حيوانية تضم أصدافاً، وعظام فقاريات مائية، وأسماكاً، وسلاحف، وزرافات، وفيلة. وثلاث قطع سميكة لعظام بشرية، ربّما يرجع تاريخها إلى (50 ألف سنة). ويظهر أن الإنسان في العصر الحجري القديم الثاني (الفترة الموستيرية)، قد لجأ إلى دفن الموتى لأوّل مرّة، إذْ عُثر في كهوف (السخول، والقفزة) على مدافن آدمية. ومن أهم مواقع الفترة الموستيرية: مواقع (الطابون، وأبو سيف، القفزة، السخول، كبَّارا، والعامود) في فلسطين. ثمَّ ظهر (الإنسان العاقل) على ما يبدو في – يقول كفافي – المرحلة الثالثة للعصر الحجري القديم (40,000 – 17,000 ق.م.)، وقد تمّ التعرف على آثار الإنسان العاقل في (القفزة، كهف الأميرة، عرق الأحمر، والواد، وكبَّارا، ومواقع أخرى في صحراء النقب). أمّا في المرحلة الانتقالية من الجمع إلى الإنتاج (19,000 – 8,000 ق.م.)، فقد أطلق اسم (الحضارة الناطوفية) على المواقع التي ضمّت أدوات صوَّانية صغيرة جداً، وهلالية الشكل، وأطلق اسم (الحضارة الكبَّارية) على الشفرات الصعيرة جداً، واسم (كبّارية هندسية) على المواقع التي احتوت على شفرات ذات أشكال هندسية. لقد اكتشفت في كهف كبارا في جبال الكرمل بفلسطين، مجموعة من الأدوات التي تمثل المرحلة الانتقالية (19,000 – 17,000 ق.م.). وقد كشفت المواقع الكبارية في فلسطين، في: (كبارا، الواد، وادي الفلاح). تميزت هذه المرحلة، بصناعة الشفرات صغيرة الحجم، واستعمل الإنسان في مرحلة كبارا، الأجران والمدقّات البازلتية، لطحن الحبوب في البريّة. وتميزت المرحلة الكبارية الهندسية، بالأدوات الصوّانية الصغيرة ذات الأشكال الهندسية. ومن أهم مواقعها في فلسطين: (عين غيف) على الساحل الشرقي لبحيرة طبريا، ووادي (زين) في منطقة النقب. وسميت (الحضارة الناطوفية) – الألف العاشر – الألف الثامن ق.م.، نسبة لوادي ناطوف، غربي القدس في كهف (شُقبة)، وتميزت الناطوفية، بأنّ معظم أدواتها، كانت صغيرة الحجم، ذات حدٍّ مستقيم وهلالية الشكل من الخلف. ويقول الباحث (زيدان كفافي): يبدو لنا انها مستوحاة من حضارة سكان فلسطين الأصليين، التي امتدت من (أواسط لبنان وسوريا شمالاً، حتى مدينة حلوان في مصر جنوباً). أما بالنسبة للمساكن الناطوفية، فقد كانت أكواخاً دائرية، كما هو الحال في (موقع عين الملاحة)، شمال بحيرة الحولة، وعثر فيه على جماجم مزخرفة بالأصداف. وكانت الأكواخ مبنية من الحجر. أمّا في مرحلة القرى الزراعية، وبداية استقرار الإنسان ومرحلة الإنتاج (8 آلاف – 4 آلاف ق.م.)، أي مرحلة زراعة المحاصيل، وتربية الحيوانات، فقد وجدت بقايا عظام الغزلان والماشية والخنازير والثعالب، كما في مواقع: أريحا، وادي الفلاح بالقرب من حيفا، تمّ تقديرها بالفترة (8000 – 7000 ق.م.)، ففي أريحا، وُجدت بيوت دائرية الشكل، مبنية من طوب ترابي. أما الأدوات الصوانية المنسوبة لفترة ما قبل الفخّار (أ)، فقد تميزت برؤوس السهام، والأزاميل والفؤوس اليدوية والسكاكين وشفرات المناجل. وتميزت فترة ما قبل الفخّار (ب)، بتدجين الحيوانات، وظهور الأواني المصنوعة من العجينة البيضاء (عجينة الجير الحجري أو الجبص مع الرماد). وظهرت في اريحا تماثيل دينية. ومن أهم مواقع هذه الفترة في فلسطين: (أريحا، المُنحتَّة، أبو غوش، الشيخ علي، بيسامون، عين أم الفلوس، والخيام). أما في (المرحلة اليرموكية) الفخارية، فإنّ (أدوات موقع الأقحوانة، أقدم في تاريخها من الأدوات الفخارية، التي اكشتفت في أريحا)، حسب زيدان كفافي. وفي (العصر الحجري الحديث المتأخر الثاني)، فقد اكتشفت مواقع تعود إلى هذه الفترة: (تل المتسلم، بيسان، الشيخ علي، بلاطة، تل الفارعة)، حيث أصبحت مجتمعات القرى الزراعية، مستقرة، وتمّ تدجين الماشية، وصناعة أدوات صلصالية (6000 ق.م.) – انظر: (معاوية إبراهيم، وزيدان كفافي: فلسطين من أقدم العصور إلى القرن الرابع ق.م.، المجلد الثاني، القسم الثاني، الموسوعة الفلسطينية، بيروت، 1990).

– أمّا – (سامي سعيد الأحمد)، فيقول بأن فلسطين خلال العصور الجيولوجية، كانت جزءاً من قارة واسعة، تمتدّ من أستراليا حتى أميركا الجنوبية. وسرعان ما غطست الأرض، وظهر بحر واسع، وهو (بحر تثيس)، الذي امتدّ نحو أواسط سوريا، وشمل كل فلسطين وشرق الأردن. ولم تتخذ فلسطين شكلها الحالي تقريباً، إلاّ في الفترة الانتقالية بين (البلايوسين، و(البلايستوسين). أما في العصر الحجري القديم، فقد وُجدت في فلسطين، حيوانات مثل: الفيل، والكركدن، والبيسون القديم، والبقر الوحشي، والدُبّ السوري، والخنازير الوحشية، وفرس الماء. وأقدم آثار للإنسان اكتشفت في فلسطين، هي البقايا في منطقة جسر بنات يعقوب، حيث عثر على عظام فيل، وعظام حصان، وفؤوس يدوية من البازلت. ووجدت في مرتفعات فلسطين، وشرق الأردن، مدافن ضخمة سميت (دولمين – Dolmen). وعثر في كهف الطابون على بعض الأدوات، وعاش الإنسان على الصيد وجمع الغذاء، وكانت لديه بعض المعتقدات الدينية عن العالم الآخر، هذه الفترة، هي العصر الآشيولي (430,000 – 150,000 ق.م.). أما (جمجمة الجليل)، فهي تعود إلى الفترة (230,000 – 80,000 ق.م.). وقد يكون (النطوفيون) في القدس، (10,000 ق.م.)، هم أجداد الكنعانيين والهكسوس والأموريين في فلسطين. وكان النطوفيون، صيّادين ماهرين، اصطادوا الغزال، واستعملوا في صيدهم، السهام الهلالية، عُثر على آثارهم في: عين الملاحة، والكهوف الصخرية على منحدرات تلال القدس، وبيت لحم، وعند أريحا، وكانوا يعتقدون بحياة أخرى. كذلك نجد الحضارة النطوفية في موقع الخيام، قرب بيت لحم. وهناك (الحضارة الطاحونية)، التي ظهرت في وادي طاحونة، جنوب بيت لحم. ثم جاءت حضارة (الفخّار) في العصر الحجري الحديث، ابتداءً من (75000 ق.م.). أمّا (الحضارة الغسولية – السبعاوية)، فقد ظهرت اعتباراً من (4000 ق.م.)، متمثلة بمعرفة الإنسان تعدين النحاس في حدود نهاية الألف الخامس ق.م.، وخلطه بالقصدير لإنتاج البرونز. وقد أصبح الإنسان اكثر طولاً لتحسّن غذائه. كما استقر الإنسان في (تل أبو مطر) إلى الجنوب من بئر السبع، فالعلاقة بين تليلات الغسول، شمال البحر الميت، وتل أبو مطر قوية جداً. كما تعود للحضارة الغسولية – السبعاوية، مواقع وادي خريطون قرب بيت لحم، وأم قطفة، وعرق الأحمر. كما أنَّ (حضارة بني عيم)، شرق الخليل، هي فرع من الحضارة الغسولية، إضافة لموقع عين جدي، ومصعدة. وازدحمت بريّة القدس بالسكان – (سامي الأحمد: تاريخ فلسطين القديم، 1979 – ص: 53-71).

– أمّا، (إلياس شوفاني)، فيقول: ظهر الإنسان على الأرض، قبل أكثر من (1,000,000 سنة). وفي عصر (الباليوليت الأدنى)، في فلسطين، (مليون سنة ق.م. – 70,000 ق.م.). واكتشفت (مُخلِّفات الإنسان) القديم في فلسطين لأول مرّة عام 1934م في موقع قرب مدينة (بيت لحم)، وذلك أثناء حفر بئر على عمق 15 متراً. وعثر في الموقع على عظام متحجرة لحيوانات استوائية، كالفهد، ووحيد القرن، والظبي، والزرافة، والفيل، تعود إلى عصر البليستوسين الأدنى، الأمر الذي يدل على أن الفاعل هو الإنسان، بسبب وجود كسر طولي للعظام، الذي حدث من أجل استخراج النخاع. أما موقع إقامة الإنسان الأكثر قدماً في فلسطين، فقد عثر عليها في العبيدية، إلى جنوبي غربي بحيرة طبرية. ويعتقد العلماء أنَّ الإنسان، الذي عمَّر المواقع الأولى في فلسطين، وهو من الجنس المعروف باسم (الإنسان منتصب القامة، Homo Erectus)، هو أرقى من سلفه، الإنسان الماهر، أو الضائع، الذي لم تكتشف آثاره، خارج إفريقيا. ويعيد الباحثون الإنسان منتصب القامة إلى ما قبل (مليون ونصف المليون عام)، وهو إنسان متوسط القامة، ذو دماغ متطور، امتلك معرفة تصنيع مختلف الأدوات الحجرية، والخشبية، والعظمية. وقد وجدت آثاره في (العبيدية، جسر بنات يعقوب، وادي قطفة، مغارة الطابون). ويعيد العلماء، موقع العبيدية إلى مليون عام. أمّا، (الإنسان العاقل Homo Sapiens)، فقد وجدت بقاياه في فلسطين، وتعتبر هذه اللُقى بالغة الأهمية في علم الآثار، كونها تحمل صفات متطورة، نحو الإنسان العاقل الحالي. وثار جدل بين العلماء حول صلة إنسان النياندرتال في فلسطين، بقرينه الأوروبي، الذي وجدت بقاياه في (وادي نياندر Neander) بالقرب من دوسلدورف بألمانيا، والذي سُمّيَّ إنسان نياندرتال. وسبب الجدل بين العلماء، هو أنَّ الهياكل العظمية التي اكتشفت في فلسطين، تخصُّ جنساً بشرياً متقدماً من الناحية الفيزيولوجية عن الإنسان الذي وجدت عظامه المتحجرة في أوروبا، فهو أقرب إلى الإنسان العاقل، وبالتالي أطلق العلماء على هذا الإنسان اسم (الإنسان الفلسطيني القديم)، وعُرف علمياً باسم (Palaeo – anthropus Palaestiniensis)، ومع أن الإنسان الفلسطيني القديم، كان معاصراً لإنسان نياندرتال الأوروبي، إلاّ انه كان متقدماً عليه في حضارته المادية، وفي تكنولوجيا إنتاجها. وقد وجدت آثار الإنسان العاقل في (مغارة الزُطيَّة) في وادي العمود، الذي يصبُّ في بحيرة طبريا، ثمَّ في (مغارة الأميرة)، وفي مغارتي (السخول والطابون) في جبال الكرمل، وفي (مغارة القفزة)، قرب الناصرة. أما في عصر (الباليوليت الأعلى) – قبل نحو 35 ألف سنة، فقد حقق (الإنسان العاقل)، إنجازات تقنية جديدة، وظهر هذا الإنسان في الشرق الأدنى، وتحديداً فلسطين، لكنه لم يزدهر فيها، بل هاجر شمالاً إلى أوروبا، وهناك أبدع حضارة مادية غنية، ويُسمّيه الأوربيون، اسم (كرومانيون – Cro-Magnon)، باسم مغارة في فرنسا. وقد وجدت آثار إنسان الباليوت الأعلى في فلسطين، في عدة مواقع، منها: (إنسان الحضارة الأحمرية)، نسبة إلى ملجأ في (عرق الأحمر) في سفوح جبال القدس الشرقية، الذي يوازي (الحضارة الأورينياسيَّة) في أوروبا. وجدت آثاره في (مغارة كبَّارة) في الطرف الغربي لجبال الكرمل، وسميّت (الحضارة الكبَّارية). ويهتم العلماء بالحضارة الكبَّارية في فلسطين، لأنها محليّة، ولأنها انتشرت في (سوريا الكبرى) كلها، بصفتها (حضارة موحّدة متجانسة، أنجزت بناء البيوت، التي سكنها الصيّادون. وقد اكتُشف أقدم بناء في بلاد الشام، على الشاطئ الجنوبي الشرقي لبحيرة طبريا، يعود بناؤه إلى ما قبل (14,000 ق.م.)). ويضيف (إلياس شوفاني)، بأنه في العصر الحجري الوسيط (الميزوليت)، ونحو (10,000 ق.م.)، انتشرت على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، (الحضارة النطوفية)، نسبة إلى وادي النطوف، غربي القدس، وذلك بعد اكتشاف (كهف شُقْبة)، ويعتقد أن هذه الحضارة، انطلقت من فلسطين (القدس، والساحل الفلسطيني)، وانتشرت في غور الأردن، وشرقه، كذلك في لبنان وسوريا والعراق. وتعتبر هذه الحضارة، بداية المجتمعات الزارعية في بلاد الشام. وقد تمَّ الكشف عن قرى نطوفية كثيرة، مثل: (عين الملاّحة)، حيث وُجدت (50 ألف قطعة أثرية)، و(وادي الفلاح)، إضافة لعين السلطان في أريحا، في فلسطين، بل وصلت الحضارة النطوفية إلى بحر قزوين (مغارة بلط)، وإلى تونس (قفصة)، وإلى مصر (حلوان)، إضافة إلى شمالي العراق، والبادية السورية، ودير الزور، ودمشق (جيرود)، والمريبط، وتل أبي هريرة في حوض الفرات، ومغارة جعيتا (لبنان). وفي البيضا، والعسّافات، وعين راحوب في شرقي الأردن.

ويمثل العصر الحجري الحديث (النيوليت) – يضيف إلياس شوفاني – المرحلة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ الحجرية، (أي ما قبل الكتابة)، ولهذا كان هذا العصر، هو التمهيد إلى الانتقال إلى العصور التاريخية، حيث ارتفع مستوى التقدم الإنساني الحضاري والمادي والروحي. فقد انتقل الإنسان من نمط الاقتصاد الاستهلاكي، القائم على الصيد والتقاط الحبوب والثمار البرية إلى النمط الإنتاجي عبر الزراعة وتدجين الحيوان. وجميع الدلائل المتوافرة، تشير إلى أن (الهلال الخصيب)، وفلسطين تحديداً، كانت (مهد الزراعة الأولى في العالم). وقد أولى العلماء اهتماهم بمدينة (أريحا)، لأهميتها الفائقة، ففي تل السلطان، موقع أريحا القديمة، توجد آثار (المدينة الوحيدة المعروفة حتى الآن في العالم)، والتي يعود تاريخها إلى ما قبل (9000 ق.م.). وهذه المدينة المسوَّرة، سبقت بـِ(4000 عام) أي استيطان مديني معروف في العالم، حتى الآن. ويرجع العلماء أسوار أريحا إلى الألف السابع ق.م.، وقد بلغ عدد سكانها، آنذاك، (3000 آلاف نسمة). وتعبر أريحا عن مراحل الانتقال من (النطوفية = القرية المفتوحة) في عصر (الميزوليت)، إلى المدينة المسوَّرة (النيوليت)، حتى العصور اللاحقة. ويعزو البعض ازدهار أريحا إلى اشتغال أهلها بالتجارة، خصوصاً بمستخرجات البحر الميت: الملح، القار، والكبريت، لكنَّ أهم ما في موقع أريحا، هو: الأبنية الحجرية الواسعة، والسور الذي يقوم عليه، برج عالٍ، ويحيط بالسور خندق محفور في الصخر. وقد عاصرت مواقع أخرى، موقع أريحا، منها: موقع وادي الفلاح، (الحضارة الساحلية)، وموقع الخيام، غرب البحر الميت (الحضارة الخيامية)، وموقع وادي الطاحون في جبال القدس (الحضارة الطاحونية)، وهي مراحل متطورة من (الحضارة الناطوفية). ثمَّ مواقع: المُنحتَّة، والأقحوانة (الحضارة اليرموكية). وقد ظهرت في فلسطين ثلاث حضارات (فخّارية)، هي: اليرموكية، والساحلية، والمُنحتَّة (غور بيسان). وتتمثل أهمية موقع الأقحوانة، بأنه يمثل الصناعة المبكرة للفخّار في فلسطين. ومن مواقع مرحلة (النيوليت) في فلسطين: مجِّدو، (تل المتسلم)، وأريحا، وبيسان، وتل بلاطة، وتل الفارعة الشمالي. أما – العصر الحجري – النحاسي (الكالكوليت) – الألف الرابع ق.م.، – يقول شوفاني – فقد تمَّ فيه تصنيع النحاس، وشيوع الأدوات الصوّانية والفخارية والعظمية. ويرى (إلياس شوفاني)، أن الموقع المناسب لحضارة الكالكوليت، هو: (تليلات الغسول)، إلى الشمال الشرقي من البحر الميت، ومواقع بئر السبع: خربة البيطار، بئر الصفدي، وتل أبو مطر، ولهذا سُميّت (الحضارة الغسولية – السبعاوية). ومن مواقع عصر الكالكوليت: يافا، الخضيرة، يازور، خربة الشيخ ميصر. – انظر: (إلياس شوفاني: الموجز في تاريخ فلسطين السياسي – ص: 11-42).

– أمّا (خزعل الماجدي)، فيقول بأنَّ العلماء، أطلقوا على العصر الحجري، الذي سبق العصر الحجري القديم (الباليوليت)، اسم (الإيلوليت)، وهو عصر الفجر الحجري (السحيق)، الذي ليس له بداية محددة، فهو يرتبط بظهور الإنسان على وجه الأرض، والذي يمتد لأكثر من مليون سنة، حتى نصف مليون سنة من الآن. وساد فيه الإنسان الماهر، وظهرت فيه، (الثقافة الحصوية). ويشير العلماء أنَّ هذا الإنسان، نشأ في افريقيا، ثمَّ انتقل الى فلسطين، خصوصاً غور الأردن، وساحل المتوسط. وبالتالي، فإنَّ (موقع العبيدية)، ربّما ينتمي إلى هذا العصر. أما في العصر الحجري القديم (الباليوليت) – (500,000 – 19,000 ق.م)، فقد تميز بظهور (الإنسان منتصب القامة -Homo Erectus). ومن مواقعه في فلسطين: موقع العُبيدية، وموقع قرب بيت لحم، وموقع جسر بنات يعقوب، وموقع قرب بحيرة الحولة في وادي قطنة، وموقع الطابون، وغيرها. ويعود (موقع العبيدية)، حسب الماجدي إلى حوالي (700.000 سنة). وعثر في (موقع الطابون) على قطع فحم، أرجعها العلماء إلى (150.000 سنة)، كما وجدت أدوات حجرية في (وادي الرفائيين)، المسمّى أيضا (بكَّة) في القدس. أما في عصر الباليوليت الأوسط (100.000-40.000 ق.م)، فقد أنجز (نياندرتال فلسطين)، الثقافة الطابونية. وقد انفردت، فلسطين دون غيرها، بظهور إنسان متطور، يشبه الإنسان العاقل، ويسبقه زمنيا، وهو ما جعل حضارة فلسطين في (الباليوليت الأوسط) متميزة عن مثيلاتها في الشرق الأدنى، وأوروبا معاً، كما يؤكّد (الماجدي). ويرى (فاندرميرش)، أن (الإنسان الفلسطيني القديم)، يرتبط بجنس (كرومانيون)، أكثر من ارتباطه، بانسان (نياندرتال)، مما قد يعني أنه كان أساساً لجزء كبير من سكان أوروبا الغربية، بعد (35.000 سنة) تقريبا قبل وقتنا الحاضر، وكلا الإنسانين: إنسان فلسطين، وإنسان كرومانيون، ينتمي إلى جماعة تُعرف الآن باسم (الإنسان العاقل). وبظهور الإنسان العاقل، انتهى (البايوليت الأوسط) في حدود (40.000 ق.م). وبدأ البايوليت (الأعلى)، حيث ظهرت (الحضارة الأحمرية)، قرب القدس، ومغارة الأميرة، ومغارة (عتليت) في الساحل الفلسطيني. أمّا في (العصر الحجري الوسيط (الميزوليت – 19000 – 8000 ق.م)، فقد ظهرت منازل قرى الصيّادين في مرحلة: الحضارة الكبارية، والحضارة النطوفية، وقد ظهرت (الأنصاب) في بدابة الحضارة النطوفية، وهي مرتبطة بالقرابين، والقبور، والعبادة، وربّما كانت هذه (الجذر البدائي)، لما ظهر لاحقا عند الأموريين والكنعانيين، تحت اسم (هياكل العراة) – (انظر: خزعل الماجدي: تاريخ القدس القديم:ص:13-51).

– أمّا – (قاسم الشوَّاف)، فيقول بأن إنسان فلسطين عرف استعمال (النار) في موقع جسر بنات يعقوب، منذ (790.000 سنة، ق.م.)، وأنَّ موقع العبيدية، يعود إلى الفترة (300 ألف – 75 ألف سنة، ق.م)، وأنَّ (إنسان الكرمل)، يرجع إلى الفترة: (50.000 – 35.000 ق.م)، وأنَّ الثقافة الكبَّارية الصوَّانية، ظهرت في وادي كبَّارة، وعرق الأحمر في فلسطين في الفترة: (15.000 ق.م)، وأن المرحلة النطوفية في عين الملأّحة، وأورين قرب وادي الفلاح، ترجع إلى (9000 ق.م). وفي بداية (الألف الرابع) نتعرف إلى الحضارة (الغسولية-السبعاوية)، التي تبدأ حوالي (3500 ق.م). وفي بداية (الألف الثالث)، عُرفتْ (علاقات مع مصر) في: تلّ عراد، وجات. وفي نهاية (الألف الثالثة)، بدأت هجرة الأموريين إلى فلسطين وسوريا. وفي مرحلة (نيوليت)، بدأت الثورة التكنولوجية في الساحل الغربي للهلال الخصيب على ساحل المتوسط. ومن هذا الساحل عبر الممرّ بين (أريحا ودمشق)، انتقلت الزراعة إلى سهوب الجزيرة السورية، وسفوح جبال الأناضول، وحتى بلاد ما بين النهرين. ويذكر الباحث أن (القناع الحجري)، الذي تمَّ كشفه بجوار مدينة الخليل، يعود إلى (الألف السابع ق.م.)، وهو ينتمي إلى حضارة أريحا. وتمكِّن إنسان الفترة (3500 ق.م)، لأولّ مرّة من إنتاج المواد الغذائية كافة في موقع (صفادي) في بئر السبع. وعُثر في موقع (عين جدي) على ضفة البحر الميّت الغربية في فلسطين على مجموعة من (الأبنية) تحمل طابع احتفالات طقسية – انظر: (قاسم الشوَّاف: فلسطين، 2006: ص37-82).

– أمّا (مايكل كورباليس)، فهو يتحدث عن (لغة الإنسان الأول)، فيقول: كانت (سفنكس)، وحشاً رهيبا في الأساطير اليونانية، وكانت تعيش على مشارف طيبة، موقعة الرعب في قلوب أهلها وزوارها، بما تطرحه عليهم من ألغاز، وقد نذرت سفنكس أن تقتل نفسها إن وجدت ما يحلُّ اللغز: (ما الشيء الذي يمضي على قدمين، وأربع، وثلاث، ولكن كلما زادت أقدامه كان أضعف). وجاء أوديب بالحلّ: (الإنسان، يزحف في طفولته على أطرافه الأربعة،.. وفي شيخوخته يتكئ على عصا يصلّبُ بها ساقيه الواهنتين. وفقط في زهوة الحياة، يمشي منتصباً على قدمين – قتلت سفنكس نفسها كما وعدتْ، وتخلص منها أهل طيبة). إنّ المشي انتصابا على قدمين، كما يقول كورباليس، هو الرئيس الذي ميَّز الإنسان من القردة العليا: (الشمبانزي، البونوبو، الغوريللا، الأورانجوتان). وإذا كانت اللغة قد بنيت في البدء على (الإشارات)، فلا بدّ أن نعدّ المشي على القدمين، خطوة مهمة، لأنه أتاح للإشارة أن تتطور بحُرية. ويرجع تاريخ أول مخلوق، حُدّد مبدئياً على أنه من الإنسانيات إلى حوالي (ستة ملايين سنة)، فقد وُجدتْ بعض المجموعات الأشولية في افريقيا، وخارج افريقيا، وبشكل بارز في فلسطين، التي يفترض أنها كانت تقع على ممر لاحق للهجرة من شمال شرقي افريقيا إلى جنوب غربي آسيا. ويعود موقع (العبيدية) الفلسطيني إلى 1.4 مليون سنة، كما يعود موقع جسر بنات يعقوب، بصدع البحر الميت إلى 780 ألف سنة. وآخر هذه المجموعات عثر عليها بعد تجفيف (بحيرة الحولة)، مما يشير إلى مكان آهل إلى جانب البحيرة. وعثر في الموقع  على بقايا مائة نوع من البذور والثمار، كثير منها مأخوذ من نباتات مائية، إلى جانب فؤوس ذات مقابض ومعاول – ويُضيف (كورباليس) بأنَّ الفيلسوف كونديلاك هو أول من طرح في منتصف القرن 18م، الفرضية القائلة بأن – اللغة نفسها نشأت من الإشارة. والخلاصة، هي أنه، مُنذ (5 أو ستة ملايين سنة) مضت، نهضنا واقفين على أقدامنا، وهذا الوقوف هو الخصيصة الرئيسة التي تميز الإنسانيات من القردة العليا الأخرى، ولكن التقدم من اللغة الأولية إلى اللغة المنطوقة النحوية الحقيقية، ربما لم يبدأ إلا منذ أكثر من مليوني سنة مضت، عندما ظهرجنس الهومو. – كانت اللغة إشاريةً، على رغم أن الأصوات أخذت تتخللها بصورة متزايدة. وفي الحقيقة أن هذه التغييرات قد لا تكون اكتملت حتى في نياندرتال منذ 35 ألف سنة، لكن الأصوات جاءت تتويجاً للإشارات وليس للحلول مكانها. فاللغة حتى اليوم، نادراً ما تكون صوتية خالصة، وقد يعود اختراع الكلام إلى (50 ألف سنة) مضت، وقد يكون تقدم التكنولوجيا، نتيجةً لاختراع الكلام الذي حرَّر من المشاركة في الإتصال، وسمح للناس بالحديث، بينما هم مشغولون بأنشطة يدوية – انظر: (مايكل كورباليس: نشأة اللغة: 2006).

– أمّا الباحث السوري (أحمد داوود)، فيقول بأنّ (آدم وحوّاء)، كانا يتكلمان العربية بلهجتها الأم، قبل خروجهما إلى مناطق السريان (سرن)، أي سوريا القديمة. وهو يحدّد الفترة التي عاش فيها (آدم الرسول) بالعصر الحجري – النحاسي (الكالكوليتي)، عصر البدء باستعمال المعدن (5500 – 3500 ق.م.)، وإذا كان وجود (إبراهيم) في القرن 15 ق.م.، أو 16 ق.م.، فإنّ (الطوفان)، يكون قد حدث في الفترة (2500 – 2600 ق.م.)، وبالتالي، فإنَّ زمن (آدم الرسول)، (أي ما بعد الإنسان العاقل)، هو الألف الخامس أو السادس ق.م.، أي، (4800 – 5000 ق.م.)، حيث كانت (أريحا)، مدينة مزدهرة – وهكذا ينقسم العرب منذ ما قبل آدم في لهجاتهم إلى ثلاثة أقسام:

أولاً:    عرب سريان (أسرن، سوريين)، أبناء (سر)، كانوا يشغلون في الأصل، جبال السراة، ثم انتشروا منها إلى مناطق الهلال الخصيب في الشرق والشمال الشرقي.

ثانياً:    عرب (أموريون)، أبناء (مر)، ولهجتهم أمورية، انقسمت إلى لهجات شمالية غربية، وجنوبية غربية.

ثالثاً:    عرب بريّة شبه الجزيرة العربية، سكّان البادية، الذين حافظوا على نقاء اللغة لقلة اختلاطهم بالشعوب الأخرى – انظر: (أحمد داوود: تاريخ سوريا القديم: ص:135 – 141). ومعنى ذلك أنّ حضارة أريحا الفلسطينية، انوجدت، في الألف السابعة، أي قبل (آدم وحوّاء)، وقبل طوفان نوح. وبما أنّ فلسطين (السريانية)، كانت مهد الإنسان العاقل، وما بعد العاقل، فإنّ أحداث: (آدم وحواء)، و(طوفان نوح)، تكون قد حدثت في فلسطين، ومُحيطها السرياني، انطلاقاً واستنتاجاً من كلام أحمد داوود، لكنّ أحمد داوود يقول: إن آدم سرياني عربي من سوريا، أما حوّاء، فهي من (جدّة) بأرض مكة، وأنّ (الكنعانيين) نشأوا في بلاد غامد وزهران، اتباعاً لنظرية كمال الصليبي، رغم أنّ اسم سوريّة، قد وردت أوّل إشارة عنه، في القرن السابع ق.م، فقط، كذلك إشارة هيرودوت في القرن الخامس، ق.م.

خلاصة:

أولاً: قبل (مليون ونصف المليون سنة)، كانت فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، يُغطّيها البحر، ثمَّ بدأ بحر (تثيس) بالانحسار، فتكوّن البحر المتوسط أولاً، ولاحقاً، البحر الأحمر، حيث انفصلت إفريقيا عن شبه جزيرة العرب، وقد (تطاول الفالق الشمالي – الجنوبي الغربي للبحر الأحمر، نحو الشمال من خلال حفرة ضيّقة، سمَّاها الجيولوجيون: الفالق السوري الكبير. وامتد الفالق من خليج العقبة في الجنوب، حتى أعلى سهل البقاع، في الشمال، مروراً بغور البحر الميت، ووادي الأردن، يمرّ في سوريا الحالية في (سهل الغاب)، الذي يجري في حوضه نهر العاصي، وحتى (سهل العمق) في تركيا الحالية – انظر: (مصطفى طلاس: سوريا الطبيعية: الجزء الأول، ص23). وقد حدث هذا الفالق في العصور الجيولوجية القديمة.

ثانياً: أجمع العلماء على أنّ (موقع العُبيدية)، قرب طبريا، في فلسطين، يرجع إلى: (790 ألف سنة)، لكنّ مايكل كورباليس، يرجعه إلى نحو (1.4 مليون سنة)، ويرجع موقع جسر بنات يعقوب إلى (750 ألف سنة). كما يرجع البعض (أقدم بناء في بلاد الشام إلى (14.000 سنة). وقد ظهر (الإنسان منتصب القامة) أولاً. ثم ظهر (الإنسان العاقل)، لأول مرة في التاريخ العالمي في فلسطين، وهو يُسمّى (إنسان فلسطين القديم)، وهو متفوّق حضارياً على (إنسان نياندرتال) الأوروبي. وقد أرجع البعض (إنسان فلسطين العاقل) إلى (50 ألف سنة)، حيث يعتقدون أنه، هو الجدّ الأعلى للسكان الأصليين (الكنعانيين)، لاحقاً بفروعهم: الأموريّة، والفلسطيّة.

ثالثاً: ظهرت الزراعة لأول مرّة في العالم في فلسطين، ثمَّ انتقلت شمالاً نحو سوريا والأناضول والعراق القديم. كما اخترع (الخزف) لأول مرّة في أريحا، المدينة الأقدم في العالم القديم (7000 ق.م.). ونشأت في فلسطين القديمة، عدّة حضارات، منها: الحضارة الكبّارية، الحضارة الأحمرية، الحضارة النطوفية، الحضارة الساحلية، الحضارة الخيامية، الحضارة الطاحونية، الحضارة الغسولية – السبعاوية، الحضارة اليرموكية، وغيرها

رابعاً: بدأ إنسان فلسطين القديم، باستعمال لغة الإشارة، عندما كان في مرحلة الإنسان منتصب القامة، ثمّ تلتها لغة الأصوات البسيطة المستوحاة من أصوات الطبيعة، ونحن نجهل، والعلماء يجهلون: متى تكلم الإنسان ما بعد العاقل، لغة مفهومة بسيطة للإيصال، وما هي مواصفات هذه اللغة. ورأى بعض العلماء، أنَّ المكوّنات الأولى للغة، التي سُميّت (الكنعانية) لاحقاً، ربما بدأت مع أريحا، قبل أن تتضح معالمها في حدود الألف الرابع ق.م.، أي قبل عصر الكتابة بقليل.

خامساً: يؤكد محمود أبو طالب، بأنَّ (فلسطين، وشرق الأردن)، هي (مهد الساميّة الأولى)، ومعنى هذا أنَّ (آدم الرسول)، وهو غير (آدم الإنسان العاقل)، لم يكن أول مخلوق على الأرض، بل جاء في عصور ما قبل التاريخ المتأخرة، في حدود الألف السادس، وأنََّ (حضارة أريحا)، سابقة له. أما (الطوفان)، فقد يكون حدث في حدود (الألف الرابعة)، وبالتالي، فإنّ (نوح الرسول)، لم يكن إلاّ كنعانياً، رُبّما من فلسطين. أمّا (آدم، وحوّاء)، فهما من نفس المكان، أي في منطقة ما، بين البحور الثلاثة: (المتوسط، والميت، والأحمر)، وبالتالي، تدور التكهُّنات كلها، في منطقة فلسطين ومحيطها السُرياني، سيّما أنَّ أحداث العالم القديم، كلُّها حدثت في فلسطين، ومنها ظهور (الإنسان العاقل)، في فلسطين قبل (50 ألف سنة)، وأنّ (الإنسان الحضاري)، ظهر في أريحا، (الألف السابعة)، أي قبل آدم وحوّاء، وقبل طوفان نوح. أمّا كلمة (سرن)، فلم تكن تعني (السريان) أو (سوريين)، وإنما هي كما يشير الباحثون، جاءت من كلمة (سرسن)، بمعنى (شراكة، اتحاد)، وكانت تعني: (الاتحاد الثمودي) في جنوب شرق الأردن، وجنوب فلسطين، وشبه جزيرة سيناء. ثمَّ انتقلت شمالاً. أما (سوريا)، فقد جاءت مرتبطة بـ(أسور)، و(السريان)، وقد أطلقت صفة (سوري) على سكّان فلسطين، لاحقاً، ربّما في القرن السابع، ق.م.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. يا ليت الإنسان العاقل يظهر مرة أخرى في ديارنا فلقد اشتقنا له و طال غيابه. شيء عظيم إنسان و عاقل؟!! أين نجد هذا اليوم؟!!

  2. زيدوا من هذه المقالات المفيدة فالمؤرخون الغربيون طمسوا أثر الحضارة العربية في فلسطين و جعلوها غير متواجدة في الرأي العام في الغرب. و بدلا من الدعم المالي لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون ببلايين الدولارات لشراء أسلحة لا يستخدمها أحد يجب على أثرياء العرب أن يستثمروا في إعادة سرد و تسويق تاريخنا الحقيقي بمختلف اللغات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here