فلسطينيو 48 تحت الهجوم

   

ibrahim sarsour 500

إبراهيم عبدالله صرصور

 

لا أمْنَ ولا أمان، هكذا كان حالنا دائما منذ النكبة، مرورا بمجزرة كفر قاسم في 1956/10/29، ومذبحة يوم الارض في 1976/3/30، ومجزرة هبة الاقصى في تشرين اول 2000، وانتهاء بمذبحة شفاعمرو 2005 . ناهيك عن المذابح التي يرتكبها الاحتلال الاسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع والقدس المحتلة ..

 

لم نشعر بالأمن يوماً ولم نذق له طعماً، فنحن نشعر بالتهديد  الحقيقي وبشكل مستمر. فعلى المستوى السياسي ما زالت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، والأحزاب على اختلاف أشكالها وألوانها، والنخب الآكاديمية إلا ما ندر، والصحافة بوجه عام، والأجهزة الأمنية والشرطية، إضافة إلى المزاج العام اليهودي ( الإسرائيلي )، ما زالوا يرون في الأقلية القومية الفلسطينية في الدولة تهديدا استراتيجيا، أكثر خطرا ربما عند البعض ( نتنياهو وجهاز الأمن العام ” الشاباك ” مثلا )، من الشعب الفلسطيني على الطرف الآخر من الحدود …

 

أما على مستوى الأمن الشخصي فقد كانت مجزرة شفاعمرو في العام 2005، وغيرها من الاعتداءات على مواطنين عرب في أكثر من مكان وبالذات في المدن اليهودية، إضافة إلى عشرات حالات القتل التي تعرض لها شباب عرب على أيدي عناصر الشرطة والأمن، تشعرنا دائما بأن هنالك مئات الارهابيين اليهود ( رسميين وغير رسميين ) ما زالوا يتحركون احراراً، لا ندري متى سيكون هجومهم التالي ولا اين !!!

 

سنظل نشعر بالخطر ما لم تتخذ اسرائيل من الاجراءات الرادعة والعملية والفعالة على المستويات السياسية والقانونية والتنفيذية، ما يُبْطِلُ خطر الارهاب اليهودي من جهة، وينهي حالة التمييز والظلم التاريخي الذي يشكل البيئة لتفريخ مشاعر الكراهية والحقد والعنصرية ضدنا، ويُطَمْئِنُ جماهيرنا العربية على دمائهم وحقوقهم وحياتهم .. هل هذا ممكن ؟ لا اعتقد، وأسباب ذلك كثيرة لا حصر لها ..

( 2 )

 

طالبنا الحكومات الإسرائيلية وعلى مدار السنوات ، بتنفيذ عدد من الاجراءات الفورية، أولها الاعلان عن انتهاء حقبة التمييز العنصري ضد الجماهير العربية، والذي يتضمن الاعتراف الرسمي بوجود هذا التمييز وضرورة العمل على إنهائه، وثانيها اعتبار أي هجوم أو عدوان على عرب وعلى خلفية قومية وبدافع من الكراهية العمياء، عملا ارهابيا، والعمل على عدم تكراره، والاعتراف الرسمي والقانوني بضحايا الارهاب اليهودي من العرب وأُسَرِهِم كضحايا ارهاب مع كل ما يترتب على  ذلك من حقوق، والاعلان عن منظمات العنف والكراهية اليهودية كمنظمات ارهابية فوق كونها غير قانونية، والعمل على تفكيك بناها التحتية والتسليحية والعسكرية، ووقف اعمال التحريض على الوسط العربي وقيادته، والتنفيذ الفوري لتوصيات لجنة اور بشأن ضحايا الارهاب السلطوي في احداث تشرين اول 2000 .

لا ننكر ان هنالك أصواتا يهودية عادة ما تتضامن مع الضحية العربية، وتقف مع الأسر الثكلى، كما ونشهد أحيانا زيارات لقيادات سياسية ودينية وفكرية تعَبَّر كلها عن شجبها واستنكارها لأي عدوان موجه ضد عرب على خلفية عنصرية، واعدة بعمل اللازم لاصلاح الوضع ورد الحق إلى أصحابه

حدث كل ذلك .. فماذا تحقق منه في الواقع ؟!!هذا هو السؤال الاهم . الجواب، لا شيئ على الاطلاق …

 

لَمَّا لَمْ تفعل اسرائيل شيئا على امتداد عمرها الذي تجاوز الخمس والستين عاما، يعاود المجرمون ليمارسوا اجرامهم بين الفترة والأخرى مُتَحَدِّينَ كل شيء، ومستخفين بكل شيء، ومطمئنين كما يبدو الى الغطاء  الرسمي والشعبي الذي يعمل بفاعلية على تبييض صفحاتهم وتبرئتهم من تبعات فظائعهم، وحتى – كما حصل في كثير من الأحيان  تحويلهم إلى ضحايا وهم الجلادون بلا منازع …

( 3 )

 

ما يصيبنا من ظلم وقهر نابعٌ من حقيقة اننا جزء من شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية التي مرت في تاريخها بأزمات عاصفة خارجية وداخلية، إلا انها استطاعت بما تملكه من قدرات كامنة وإيمان قوي أن تخرج من تحت الركام أقوى مما كانت، مقبلةً على صناعة الحياة على وجه يجدد حيوية الأمةهذه الأمة تمر اليوم ومنها شعبنا وجماهيرنا الفلسطينية في الداخل، تمر بمرحلة تُعتبر الأعقد في تاريخها، ولا بد من أن تخرج منها قوية عزيزة كما خرجت في الماضي، وعلى هذه القاعدة يجب أن نحدد مسارنا نحو بناء الحاضر والمستقبل .

( 4 )

 

لفهم المشهد يمكننا الوقوف على ثلاثة عناصر، الأول، الجماهير العربية بعد ثلاثة عشر عاما من مجزرةهبة القدس والأقصىوخمسة وستين عاما على قيام إسرائيل . والثاني، القضية الفلسطينية في ظل فشل أوسلو وغياب الوحدة الوطنية وتعثر المفاوضات بصددها . والثالث، الربيع العربي وأثره المفترض على مجمل المشهد في  الشرق الأوسط وموازين القوة الفاعلة فيه ..

 

سأتطرق للعنصر الأول فقط لعلاقته بموضوعنا حيث شهدت ساحة الجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر وما تزال عددا من التطورات  منذ فترة ( ايهود باراك ) رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق وحتى اليوم، خصوصا بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد، وتحميل عرفات – رحمه الله – مسؤولية فشل تلك المفاوضات، حيث بدأت حربٌ حقيقةٌ على الشعب الفلسطيني شنها ( باراك ) وأكملها من بعده شارون ثم أولمرت فنتنياهو، ضيقت على الشعب الفلسطيني، وذاق خلالها الويلاتقَدَّرَ الله أن يكون الأقصى المبارك تاجَ هذا الحراك الفلسطيني الجديد في اتجاه نيل الاستقلال والحرية  .

 

لم يرض فلسطينيو الداخل الوقوف مكتوفي الأيدي أمام قتل إخوانهم، وشاركت الجماهير بشكل سلمي معبرة عن شجبها لانتهاك اسرائيل للمسجد الاقصى، ومحاولة قتل حلم دولة فلسطين المستقلة لأن إسرائيل لا تتعامل معنا كمواطنين متساوي، ولأنها تتعامل معنا كأعداء، فقد قتلت 13 شابا بدم بارد، وشكلت الحكومة بعد ضغط كبير لجنة تحقيق رسميه، سميت ( لجنة أور ) على اسم رئيسها القاضي ( ثيودور أور ) .. أنهت لجنةأورعملها وخلصت الى عدد من التوصيات من أهمها :

 

أولا، فشل اسرائيل  في تحقيق الحد الأدنى من المساواة بين العرب واليهود، ودعت اللجنة تنفيذ مشروع قومي تضع العرب في قلبه، لم يتحقق منه شيئ حتى الآن ولا اعتقد انه سيتحقق .

 

ثانيا، تعامل اسرائيل الامني مع العرب، حيث عززت اسرائيل ثقافة الكراهية ضد كل ما هو غير يهودي، وتعزيز ثقافة الكذب بشأن كل ما يتعلق بالضحية العربية .

 

ثالثا، الطلب إلى الجهات المختصة التحقيق مع عناصر الأمن التي اعتبرتهم اللجنة ضالعين بقتل الشباب العرب وتقديمهم للمحكمة ..  لم تستخلص إسرائيل العبر  فاغلقت الملفات ضد مجهول !! اذا فمن قتل ال –  13 شهيدا؟!

 

إن تجاهل الحكومات المتعاقبة لتوصيات ( لجنة اور )، والتي أشارت إلى خلفية أعمال القتل التي ارتكبها عناصر الشرطة والأمن في تشرين أول 2000، لتشير إلى أننا كجماهير عربية مطالبون بإعادة النظر الجذري والعميق في شكل تعاطينا مع الأحداث، وفي طبيعة العلاقة مع الدولة بما يضمن وجودنا وأمننا وحقوقنا …

 

( 5 )

 

أما على المستوى المدني فمنطقة النقب تجسد خلاصة المواجهة في هذه المرحلة، أو قل الهدف المناوب، حيث أعلنت إسرائيل الحرب على الوجود العربي في هذه المنطقة من خلال سياسات تهجير ممنهجة تستهدف كل شؤون الحياة من حرمان أكثر من مائة ألف مواطن عربي من الحق في التنظيم والبناء والاعتراف والخدمات وتطوير ألأراضي الخاصة وتنميتها بما يخدم المصلحة العليا لتجمعاتهم السكنية غير المعترف بها … لما فشلت حكومات إسرائيل في ضمان موافقة الفلسطينيين في النقب على خططهها رغم كل الإغراءات، لجأت إلى مسار التشريع في الكنيست فقدمت اقتراح قانون يعتبر الأكثر عنصرية على الاطلاق ( برافر – بيجين )، والذي سيتسبب في حال تمت المصادقة عليه وتنفيذه بنكبة ثانية كاملة الأركان لفلسطينيي الداخل … يدل على فلسفة هذا القانون العنصري ما يجري مع قرية أم الحيران العربية مثلا، حيث قررت إسرائيل إزالتها من الوجود وإقامة مستوطنة ( حيران ) لليهود مكانها، الأمر الذي يكشف حقيقة السياسات الإسرائيلية تجاه الجماهير العربية بشكل سافر …

 

( 6 )

 

فشلت مخططات اسرائيل في تحويل عرب الداخل إلى مجموعة من البشر بلا هوية ولا حلم ولا طموح، حيث تصر الجماهير العربية على بلورة هويتها بكل عزة، وصقل شخصيتها بكل إباء، والحركة الاسلامية لها دور كبير في بلورة وتعزيز الهوية الدينية والقومية والوطنية بما سيخفف من أضرار هذه المخططات حتى تتهيأ أسباب الخلاص الكامل

 

هذا بالضبط ما يجب أن نتناوله بالبحث والتحليل في مؤساتنا التمثيلية وعلى رأسها لجنة المتابعة العليا، وعلى مستوى الجماهير والنخب والأحزاب والحركات والصحافة العربية، وفي أقرب وقت ممكن …

 

 

رئيس حزب الوحدة العربية / الذراع السياسية للحركة الإسلامية

 

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here