فكفكة منطق التطبيع: هل يعي المطبعون انهم شركاء في جرائم حرب ضد الانسانية و إلى متى سيستغفلون البشر؟

د. نهى خلف

ان العلاقة بين التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني و الزيادة في عجرفة هذا الكيان و اجرامه ضد الشعب الفلسطيني اصبحت واضحة، و لكن يستمر المطبعون العرب بالتجول في العواصم العربية و القمم العربية و كأن تطبيعهم الاقتصادي و السياسي ليس مرتبطا بالارهاب الصهيوني الممارس ضد الشعب الفلسطيني و كأنهم ليسوا شركاء في الجرائم ضد الانسانية الفاضحة !

و يستمر كثير من العرب، غير المطبعين رسميا،  بالتعامل معهم و كأن تطبيعهم أصبح مسألة عادية و مسارا غير مرتبط بالإجرام الصهيوني.

فهل يقومون المطبعون بسياساتهم الغبية لأنهم غافلون عن دورهم الحقيقي في تقوية الكيان الصهيوني ضد الشعب و الارض الفلسطينيية أم هل هم مشاركون في هذه الجريمة بسبق اصرار و يستغفلون البشر؟؟

منذ بدايات عمليات السلام العوجاء،ظن من قام بها في باديء الامر ان الكيان الاسرائيلي سيتجاوب على مبادرات السلام العربية و عمليات بناء الثقة الأغبى، بالمثل ،  أي بمبادرات سلام حقيقية إلا أن الرد الإسرائيلي على كل  مبادرة من هذا النوع بدءا بكامب ديفيد عام 1979، كان  بمزيد من الغطرسة و القيام بحرب شعواء مدمرة  على بيروت في عام 1982،

ثم ماذا حدث بعد اتفاقية اوسلو وكل المبادرات المرتبطة بها من ‘عمليات بناء الثقة’ الكاريكاتورية ؟؟

نشبت انتفاضة ثانية، ثم تم  مزيد من بناء للمستوطنات الإسرائيلية و الاعتقالات و السطو على الأراضي بالإضافة إلى الانقسام الفلسطيني الذي تسبب بجدل بيزنطي  يشغل القيادات الفلسطينية بكل أطرافها بلا نهاية .

كما ان القيادات العربية تستمر بعد مرور اكثر من 25 عاما على اتفاقية أوسلو التي انهتها عمليا، و اخترقت كل بنودها، اسرائيل، تستمر بالتمسك بها كشعار و ذلك مع استمرار نفاقهم في دعم مشروع الدولتين عبر محاولة يائسة لانقاذ الكيان الصهيوني و السماح لاستمراره بالتوسع عبر التطبيع.

فقبل اتفاقية اوسلو كان كل ممثلين الدول العربية ينسحبون من الجمعية العمومية في الأمم المتحدة مقاطعين  المندوب الإسرائيليى، مما كان يفتح الباب على كثير من الدول الاسيوية و الافريقية بمقاطعة اسرائيل، كما ان اتفاقيةاوسلو  سمحت بالغاء و اختفاء قرار الجمعية العمومية الذي اعتبر اسرائيل دولة عنصرية، و هي ربما المرة الاولى في تاريخ الأمم المتحدة الذي يختفي فيها قرارا اعتمد من الجمعية العامة .

و كانت قضية فلسطين قد وصلت إلى الأمم المتحدة عبر نضال طويل و مرير سمح لمنظمة التحرير بان تصبح  عضوا مراقبا شرعيا لفلسطين في عام 1974، و ذلك بمساعدة الدولة الجزائرية ، و التي كانت تمثل قوة نفطية هائلة في عام 1974 مع دول الاوبيك، هذه المؤسسة التي عمل الامريكيون بشراسة و عبرمؤسساتهم البحثية و  مفكريهم الصقور على تحطيم قوتها من اجل سيطرتهم على النفط عبر سياسات إجرامية بدأت في أفغانستان و   امتدت حسب تصور الصقر ‘ بريجنسكي’ المضاد للشيوعية و الاتحاد السوفيتي و الذي رسم منطقة  سميت ‘بقوس الازمات‘ تمتد من افغانستان حتى العالم العربي و ذلك  لخلخلة الاستقرار في هذه المنطقة عبر تأسيس جيش من المجاهدين المواليين لامريكا و السعودية، والذين انتقلوا فيما بعد إلى  بعض الدول العربية و بشكل خاص إلى الجزائر، وتسببوا في حرب أهلية عبر ما سمي ‘بالعقد الاسود‘ و ذلك كله من أجل القضاء على صعود مؤسسة الاوبيك..التي كانت تطالب بشراكة متساوية للموارد الأولية بين الشمال و الجنوب .

ويجب ان نتذكر جيدا الن الجزائر في ذلك الحين (في بداية السبعينيات) كانت أول من صاغ مصطلح ‘النظام الاقتصادي العالمي الجديد’ بهدف حصول الجنوب عل حصة متساوية و عادلة من الموارد الأولية، و لكن زبيغنيو  بريجنسكي  الصقر الامريكي البولوني الأصل قال فيما بعد انه ‘ سينقلب هذا النظام  الجديد على رؤوسهم’ ، ثم اقتبس هذا المصطلح التقدمي و شوهه و حوله إلى مصطلح أمريكي للهيمنة الغربية على النفط بدلا من المشاركة مسميا إياه ‘النظام العالمي الجديد’.

ان بعض الدول النفطية و على رأسها المملكة السعودية كانت دائما و منذ زمن بعيد ( منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر و حتى قبل ذلك) تلعب  دورامعيقا أمام أية تطورات تقدمية حتى أصبحت اليوم على رأس المطبعين مع الكيان الصهيوني، فالسؤال الهام هو: لماذا تسمح لها الدول غير المطبعة  رسميا، و خاصة الشعوب العربية الرافضة للتطبيع، بالاستمرار حتى هذا اليوم بممارسة هذه السياسة المضادة التي تهدف إعاقة كل المحاولات لبناء اقتصادا قوميا و سياسات مستقلة تقدمية للتنمية في لعالم العربي تسمح لشعوبها بالحياة الكريمة؟؟

لماذا لا تؤسس  بعض الدول العربية الرافضة للتطبيع و للغطرسة الإسرائيلية في فلسطين، و لغطرسة  دول التحالف ضد  اليمن الجريح،  مؤسسات عربية موحدة خارج المؤسسات الرسمية العربية التي أصبحت غير قادرة للنهوض بالحقوق العربية لأنها مكبلة بفتات التمويل الخليجي، و الذي أصبح يمول من جهة أخرى، و بحجم اكبر المغامرات البهلوانية للسيد ترامب و عائلته، و لإجرام السيد نتانياهو و اعوانه؟؟

إلى متى ستستمر هذه المهزلة ؟

الحلول تبدو أبسط بكثير، و فكفكة عمليات  التطبيع أسهل بكثير مما يبدو للوهلة الأولى، و حتى بدون حروب عسكرية …يكفي فقط تنشيط العقل العربي و مقاطعة كل المطبعين على الصعيد الاقتصادي و السياسي … لانه فعلا هناك بدائل ذكية تتطلب كثير من و التخطيط و أولها بناء مراكز أبحاث تقدمية  غير مرتبطة بنفس التمويل المريكي الذي يدمر الاقتصاد و مقومات الحياة في العالم العربي.

ان الأمم المتحدة و التي تسيطر عليها الدول الغربية والولايات المتحدة تتخذ في كثير من الأحيان قرارات مشابهة و في بعض الاحيان أفضل من قرارات الجامعة العربية إلتى لم تبقى قدوة للمؤسسات الدولىة.

صحيح ان هناك ديبلوماسيون عرب مخضرمون و ذات كفاءة  يفهمون المصلحة القومية العربية العليا و لكنهم  يحاربون من قبل  الذين يحصلون على تمويل من الأطراف المضادة ,

على كل الفاسدين و الذين يحصلون على تمويل مشبوه ان يعوا بأنهم لن يحصلوا إلا على فتات من هؤلاء الممولين و هي نسبة شحيحة بالنسبة للدمار و الإجرام الذي يساهمون في تفاقمه و استمراره، وأن يعوا ان التاريخ و الشعوب المجروحة ستحاسبهم على كل ذلك.

واليوم في مقابلة لأحد قادة المعارضة التونسية السيد ‘حمة حمامي’ في فضائية الميادين ، قام هذا المعارض التقدمي المخضرم  بوصف الوضع المتدهور في تونس منتقدا ما حدث في القمة العربية، و تحدث عن استمرار تفاقم الفساد في أوساط الحكم التونسيي، و هذا بالرغم من الانتفاضة التونسية في عام 2011 و الذي تباهى بها الجميع. كما توجد اليوم قواعد امريكية في منطقة المغرب العربي تراقب بالتأكيد ما يحدث في كل مكان، بما في ذلك الحراك الجزائري و لكن بصمت، و الذي  قد  لا يسبق ان شاء الله  مفاجآت قد تكون غير مرغوبة فعلى  الشعب الجزائري ان يحطاط منها  بيقظة لأنها تتم  بعيدا عن الأنظار و في غرف مغلقة ، و تستغل في بعض الأحيان الفراغ السياسي و الخلافات السياسة و غياب القيادات البديلة الواضحة المعالم.

فعلى العالم العربي ان يقلد نموذج  الصمود الفنزويلي الذي بدأ يحصل على دعم روسي واليوم  صيني ، بعد ان طالب رئيسها  الولايات المتحدة و اعوانها  بالخروج من أراضي فنزويلا والكف عن التخريب و التدخل في شؤونها …هذا هو الطريق الوحيد ..‘اخرجوا من هوائنا …من أرضنا… و من عقولنا…. و جيوبنا…’

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ..‘اخرجوا من هوائنا …من أرضنا… و من عقولنا…. و جيوبنا…’
    أحسنت يا دكتوره

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here