فقه التنوير وليس فقه النكد من لوازم التغيير.. لماذا ارحب بمبادرة الحوار المصرية؟

د. كمال الهلباوى

رحم الله تعالى أستاذنا الدكتور أحمد كمال أبو المجد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح الجنات. كان واسع الأفق والثقافة، مما أضاف الى فقة التنوير والتغيير، لمن يستوعب أو يسعى للتغيير بعد التنوير أو معه. قال لى ذات يوم في لقاء طويل وتباحث:  أنا حزين لانتشار فقه النكد. وأفاض – رحمه الله – في شرح وتعداد أضرار فقه النكد، وكان يعني بذلك، فقه التشدد والعنف والارهاب وأيضا الأستبداد. تذكرت كلام الدكتور الراحل وأثبته كمقدمة لهذا المقال.

أطلق المعارض المصرى والسياسى المتميز، الدكتور أيمن نور، الدعوة الى حوار وطني جامع بين مائة شخصية مصرية معنية بالأزمة فى مصر والمستقبل الذي يليق بها ، وذلك بعد اقرار التعديلات الدستورية الأخيرة التي تمكن الرئيس عبدالفتاح السيسى من الاستمرار فى الحكم حتى سنة 2030 ، بدعوى استكمال المشروعات التي بدأها والتي تجاوزت (11) الف مشروع كما يزعم  بعضهم. ويزعمون أكثر من ذلك، ليس هناك من يستكملها غيره. هؤلاء موجودون فى كل عصر وخصوصا فى عصور الاستبداد. ولكن فقط فى بلادنا غير الديموقراطية إذ لا مجال لهم فى العالم المتقدم، حيث الرقابة الشعبية مستقلة والمحاسبة والشفافية لا تترك مجالا للاستبداد، ولا لتعديل الدساتير لمصالح ضيقة.

 الدعوة الى الحوار الوطني التى نادى بها الدكتور أيمن نور مهمة جدا فى هذا الوقت العصيب الذى تمر به مصر والامة.  ولها مميزات وفوائد عديدة، منها تجميع وترتيب الأفكار والجهود والأمكانات وتنسيق القدرات، وتجاوز الخصومات الضارة، والتنافس الحزبى والايديولجى الذى يستهلك القدرات والامكانات ولا يحقق الآمال الكبار.  ومنها زيادة الأمل في التغيير، وحسن مواجهة الاستبداد، وتحقيق طموحات الشعوب المقهورة المغلوب على أمرها. ومنها حسن مواجهة النظام المستبد ، وهذا من التنوير اللازم قبل التغيير.

ومن فوائد الحوار الوطني الجامع، تجاوز الصراعات الجانبية، والتركيز على القضايا المركزية والجوهرىة. ومن فوائدها مواجهة التفكك والتآكل في صفوف التجمع الوطني، أو التسرب،على كل المستويات. ومن فوائدها الجليلة كذلك تصعيد إراده الشعب والتغلب على الانقسام والضعف ورفع المعنويات، وتعميق الأمل فى المستقبل. ومن أهم الفوائد لهذا التحرك عودة الثقة للحركة الوطنية وفيها، أو عودة الروح ، كما قال توفيق الحكيم من قبل رحمه الله تًعالى.

ومن تلك الفوائد العديدة ماهو ظاهر لنا اليوم، أما الباطنة فهي أكثر،ومن ذلك تلك المكونات الفكرية الجديدة، التي يجب أن تحل محل المكونات التقليدية التى إستمرت سنوات طويلة والتي لم تحقق التنوير الكافي ولا التغيير المطلوب بسبب التنافس الحزبى أو حتى داخل الحزب الواحد، وكثير منه حول السلطة والقيادات والاداريات وقضايا جانبية عديدة، ولا علاقة له بالفراغات ولا بالزعامات.

هذا الكيان الجديد المطلوب، يجب أن يكون كيانا أو إطارا  فكريا وطنيا كما نادى به الدكتور نور، قبل أن يكون كيانا تنظيميا أو إداريا ينغلق على نفسه، ولا يرى فى الوجود إلا ما يرى أو يقصى المخالف أو يعاديه أو يصارعه. فينقضى الوقت ويستمر الاستبداد بل يتمكن.

 أقصد كيانا فكريا أو تجمعا وطنيا مثل حركة كفاية فى مصر قبل ثورة يناير 2011 .وليس على شاكلتها تماما. قامت الثورة العظيمة ولم يحدث التغيير كاملا  حيث كان السعى للتنوير قاصرا.

إن هزيمه الاستبداد أو الخروج منه واجب وطني عظيم، ولكن عملية التغيير هذه ليست سهلة ولا نزهة كما كان أو كما يظن بعضهم حتى اليوم. ولكنها واجب يحتاج أداؤه الى جهد كبير فى الفهم، وكيفية الخروج من الصراع ، بل وتعاون كل القوى الوطنية، بما فى ذلك الخصوم والمتنافسين فى السياسة أو الأيدولوجيا أو غيرهما.

ويحتاج هذا المسعى للتنوير والتغيير إلى  زعامة مستنيرة وليست قيادة فحسب، والزعامة يجب أن تكون بعيدة عن التطرف والتشدد وروح الاستبداد والتخلف، مما يشير إلى أهمية الشخصيات الوسطية فى كل شيئ وليس فى الايديولوجيا فقط.

هذا المسعى أو المطلب هو الذى عبر عنه بعضهم أحيانا بالتوافق الأكبر أو الكتلة التاريخية أو كتلة التغيير، التى تمثل الوطن والشعوب تمثيلا صادقا.وتدرك المشكلة أو التحدى الحقيقى فى وقته،  وتقترح العلاج المناسب من خلال الرؤية الواضحة.

وهذه الزعامة هى التى يشير اليها ويختارها ويقرها ويفرح بها الشعب، وهى مصدر الإستلهام والأفكار والمشروعات للخروج من الأزمة. وتلك الرؤية الاستراتيجية لديها أهم بكثير من الأشخاص أو الكيانات التنظيمية الضيقة أو مجرد الزعامة الوهمية أو القيادة الحزبية. ولديها فضلا عن الرؤية، القدرة والاستجابة السريعة فى التعامل مع الازمات وتهدئه الصراعات، دون الانزلاق فيها أو تعميقها، وحتى لغتها تكون جامعة ، وإدراكها للأولويات بارز.  ومن مميزات الزعامة ، فهم التاريخ والتجارب المشابهة السابقة أو القائمة ، للاستفادة منها ومن جوانب النجاح فيها، وتجنب جوانب الفشل ، وما أكثر التجارب فى حياتنا التى نستطيع أن نستلهم منها الدروس والعبر سواء كانت فى الشرق أو الغرب. فى الأمة أو الأمم الاخرى. فى التاريخ أو الواقع المعاصر. يكفى لمن يعتبر، السودان والجزائر حاليا، فضلا عن سوريا واليمن وليبيا والعراق، والهيمنة الترامبية الغاشمة التى تذكرنا بالفاشية الموسولينية والهتلرية النازية. هناك فرق هائل بين الزعامة والقيادة. إنه ببساطة الفرق بين العقل والحكمة والرؤية وبين العضلات.

إنظر أيها القارئ الكريم إلى نهاية بوتفليقة ، الذى كان يمثل جبهة التحرير الوطنى الجزائرية، وإنظر إلى عمر البشير الذى كان إفرازا لحركة التغيير فى السودان (الانقاذ)، رغم أنها كانت حركة ضد حكومة مدنية منتخبة ديموقراطيا. وإنظر إلى أفغانستان حيث لا ترى فى الحكم أو السلطة ، أحدا من قادة الجهاد الكبار.

البناء – بإختصار شديد – يحتاج إلى تجاوز الخلافات رغم التنوع، والاستجابة  لدعوات الحوار الجادة، والعبور فوق النظرات الضيقة التى تضعف الأحزاب والتنظيمات، بل وتشوه الأيدولوجيات.  ويحتاج إلى تكاتف الجهود من أجل التنوير والتغيير.  وهذا من أسس فقه التنوير ويحتاج أكثر إلى مراجعة المواقف، وشجاعة الاعتراف بالأخطاء، ومعرفة طريق التصويب وتصحيح المسار، ويحتاج البناء المستقبلي معرفة وخبرة وإقناع للشعب بإمكانية تمثيله وبضرورة بناء مؤسسات ديموقراطية تخضع لرقابة شعبية حقيقة قادرة على التنوير نحو التغيير – قبله وبعده. وتكون  فيها  الزعامة أو القيادة هى بيت الامة الحقيقى وليس الحزب أو الأيدولوجيا.

هذا الأمر يستلزم ضرورات عديدة، لنجاح الحوار الوطنى الجامع ومن ذلك، مجموعة من البحوث والدرسات المختصرة الحقيقة الواقعية ومنها:

  1. العقبات التى تعوق الحوار وكيفية التغلب عليها للتخلص منها والحرص على عدم الوقوع فيها.

  2. القضايا المطروحة للحوار فى اللقاء الأول.ثم فى اللقاءات المستقبلية وهذا يستلزم مركزا دائما للحوار ومتطلباته كبداية ضرورية،وتتعدد المراكز فى المستقبل.

  3. الأزمة أو الأزمات والتحديات التى يسعى الحوار لتجاوزها.

  4. تحديد الأطراف المعنية بالحوار، والمسؤوليات التي تناط بكل طرف، ليس للإدانة واستمرار الصراع، بل لاستمرار الحوار والبحث عن سبل الخروج من الأزمة.

  5. تنمية الاستعداد لدي جميع الأطراف لوقف أسباب الصراع.والتجمع حول القضية الوطنية أو القضايا المطروحة للحوار.

  6. تقدير حقيقي لموقف الشعب المصري من الأزمة بعد تحديدها.

  7. الحوار يحتاج شجاعة ودقة وخصوصا فى ثلاث محاور أو أربع هى: الأزمة القائمة، وسبل الخروج منها، والمسؤوليات مع إثارة اهتمام الشعب، دون الدخول فى الاتهام والادانة أو التبرئة، حتى يكون الشعب المصرى بل والعالم كله على بينة.

  8. العلاقة مع النظام القائم، وكيفية إصلاحه أو التخلص منه، وتحديات وتوجهات الاصلاح المطلوب.

  9. دور الاعلام فى التنوير(فوائد وأضرار الحملات الاعلامية).

  10. تاهيل المعارضة بل والشعب كله للتنوير والتغيير بعيدا عن التزوير والتغرير.

أرجو أن تساعدنى الصحة للاسهام فى هذا الحوار الوطنى الجامع الذى نادى به الدكتور أيمن نور لانقاذ مصر ، وفى ذهنى عدة نقاط مهمة منها، ضرورة الخروج من الصراع فى مصر حتى تؤدى مصر دورها الوحدوى والنهضوى فى المحيط العربى، وحتى تكون سداً منيعا فى مواجهة التحديات الخارجية وأهمها: الهيمنة الأمريكية حاليا ، والعدو الصهيونى وصفعة ( صفقة) القرن. ومنها؛ تجميع القدرات والامكانات لمواجهة العدو الحققيقى وليس العدو المتوهم، ومنها إعادة ترتيب الأولويات وخطة التنوير المطلوبة ، حتى ينجح المسعى لمشروع التغيير، ومنها الاسهام فى مواجهة فقه النكد، كما كان يسميه الراحل الكبير الدكتور أحمد كمال أبو المجد رحمه الله تعالى ورحم  أمواتنا جميعا .

ثم فى النهاية أقول : إن الأمور والأوضاع تتخطى الأبيض والأسود؛ والحوار يجب أن يتصل حتى فى حالات الحرب الساخنة أو الباردة، تغليبا للمصالح الوطنية والكبيرة، وخروجا من الصراع المدمر، وتقليلا للمفاسد أو درأها.

ومقال واحد لا يكفى لتغطية هذا الموضوع . وكل عام وأنتم بخير. وبالله التوفيق.

مفكر واكتب إسلامي مصري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الاسلام كالنسيم العليل يسري بين الناس في هدوء ورقه دون تكلف او احتكار ولكن بعض الناس حولوه الى يفط ودكاكين وافخاخ وطلاسم واحاجي ومشاريع للسطوه والاستطاله والضحك على عقول خلق الله

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here