فـوزي حـساينية: ليبيا الأخرى التي لا نعرفها: “وقفة مع دراسة الدكتورة ريتا عوض عن نهب وتدمير التراث الحضاري في ليبيا”    

فـوزي حـساينية

  ظلَّتْ ليبيا لفترةٍ طويلةٍ من الزمن في أذهان الكثيرين مُرتبطة بثلاثةِ رموزٍ، البترول كرمزٍ لغنى الليبيين وثروتهم التي أسالت لُعاب الكِبارِ من ذئابِ المجتمع الدولي، الثائر البطل عمر المختار كرمزٍ لمقاومةِ الشعب الليبي وصُمودهِ المجيد في وجه الغزو الاستدماري الإيطالي، ومعمر القذافي رحمه الله كرمزٍ للحُكمِ والاستقرارِ السياسي[1] غير أن ليبيا ليست فقط هذه الرموز، فهي تَعني أيضاً المساحة الشاسعة، والسواحل الطويلة ، والعُمق الإفريقي، وقبلَ ذلك كله التَجَذُرِ التاريخي والتنوع الحضاري الذي يتجلَّى في أبهى وأرسخِ صُورهِ في التراث الأثري العظيم الذي يتوزعُ على مختلفِ أرجاءِ القطرِ الليبي شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، إذ لا تُوجدُ جهة من جهاتِ القطرِ الليبي يَصحُّ أن نقول بشأنها أن التاريخَ قد نسيها أو أن الحضارة الإنسانية قد رفضت أن تتركَ على تربتها شاهداً أو معلماً لذاكرةِ الأجيالِ.

  هذا ما نقفُ عليه بتفصيلٍ ساحرٍ مؤلمٍ عندما نقرأُ دراسة الدكتورة اللبنانية ريتا عوض المنشورةَ في العدد رقم 678 الصادر في 15 مايو 2015 من مجلة العربي الكويتية تحت عنوان” تراث ليبيا الحضاري ضحية للنهب والتدمير” وهي الدراسة التي نعرفُ من خلالها  أن ” ليبيا كانت أرض الحضارات عبر التاريخ..حضارات ما زالت أثار معالمها المعمارية شاهدة على عظمتها، فمن الآثار البونيقية والرومانية في غرب البلاد والإغريقية والمصرية في شرقها إلى البربرية في الجنوب، تحتضن أرض ليبيا روائع إبداعات فنية قَّلما توجد في غناها وتجتمع في تنوعها وعظمتها في بلاد أخرى، كما توجد فيها مواقع تاريخية فريدة من نوعها تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، تتضمن من بين أمورٍ أخرى، رسوما صخرية من أقدم ما تم اكتشافه في العالم أجمع، فضلا عن أثار مغمورة بالمياه على طول شاطئ البحر الأبيض المتوسط.”   .

      ..هذا هو مصدر السِّحرِ ! ولعلَّهُ من المعروفِ أن ليبيا تملك خمسة مواقع أثريةٍ مُصنفةٍ ضمن قائمةِ اليونسكو للتراث العالمي، وهي مواقع : لبدة، وسبراطة، وموقع شحات(قورينة) الأثرية، وقد أُدرجت ضِمنَ التُراثِ العالمي سنة1982 ومواقع تادرارت أكاكوس الصخرية سنة 1985 وبلدة غدامس القديمة التي تم تسجيلها سنة1986.ولكنَّ الجميل أن الباحثةَ خصصت جزءا من دراستها للتعريف بصورةٍ كافيةٍ بكلِ موقعٍ من هذه المواقعِ المُدْهِشَةِ – ذات الأهمية العالمية- من حيث تاريخها وجغرافيتها وأهميتها الراهنة.

وتناولت الدراسة، وهذا هُو سبب الألمِ، بعض عملياتِ التخريبِ والتدميرِ التي طالت التراث الثقافي الليبي بعد اندلاعِ الأحداثِ الدمويةِ المؤسفةِ قبل خمس سنواتٍ[2] وأخطر عمليات النهب هذه هي تلك التي جرت في شهر ماي 2011 ومَسَّتْ ما يُعْرَفُ بـــ” كنز بنغازي” الذي هو عبارة عن مجموعة من الآثارِ التي كانت محفوظة في البنك التجاري بالمدينة، ويتمثلُ في ما يزيد عن 7700 قطعة نقدية تاريخية مسكوكة من الذهب والفضة والبرونز، إلى جانب ميداليات ومجوهراتٍ وحُلي وأحجارٍ كريمةٍ فضلاً عن 50 قطعةٍ من اللُقَي الأثريةِ والتماثيلِ البرونزيةِ والزجاج والعاج ، وهذه المجموعات الأثريةِ التي تُمثلِ عصوراً قديمة وإسلاميه، تُخبرنا الدراسة أنها جُمعت في الفترة مابين 1917و1922 من معبد أرتيميسس إلهة الصيد في موقع شحات الأثري. لكن المُحْزِنْ والمؤلم أن عمليات النهب والتدمير لم تقتصر على كنز بنغازي الذي لا يُقَدَرُ بثمنٍ وإنما مست العديد من المعالم والمواقع مثل مسجد أحمد باشا القرمنلي في المدينة القديمة بالعاصمة طرابلس الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، وتعرضت ثلاثة مزارات عند مدخل ذات المسجد تعود لأولياء من القرن العاشر إلى التحطيم، كما تم استخدام الجرافات في تخريب وتدمير مساحات واسعة من المدافن الإغريقية التي تُعَدُّ من أروعِ روائعِ العالم القديم جمالاً وعظمةً واتساعاً، كما كان لموقع سبراطة الأثري حظهُ ونصيبهُ من الاعتداءاتِ كتخريبِ بعض التماثيلِ المنصوبةِ بالقرب من مسرح المدينة الأثري، ونهبِ متحفِ المدينةِ، كما شهد موقع تادرارات أكاكوس العائد إلى عصور ما قبل التاريخ أفعال تشويهٍ وتخريبٍ لرسوماتهِ، وتكشفُ الدراسةُ أن عمليات التخريب والسرقة التي تعرَّضَ لها التُراث الأثري الليبي كانت واسعة ومدمرة، وأن ذلك كانت له أصداء واسعة في مختلف الدول الغربية التي تعرف جيداً قيمة وعظمة التراث الأثري الليبي وبالتالي تقدر تقديراً مناسباً حجم الخسارة جرَّاء ما تعرضت لهُ كنوز ليبيا الحضارية بعد اندلاع أعمال العنف سنة 2011 والتي تُسميها الكاتبة على غرارِ الكثيرين بــ” الثورة “[3] ! وذلك على خلاف الأصداء الضعيفة التي خلفتها موجات الهمجية والتخريب في الأوساط العربية، ولكن هل يعني هذا أن الآثار في ليبيا كانت تَلْقَى الاهتمام المناسبْ قبل سنة 2011 ؟ كلا، فبين قلة الاهتمام الحكومي الذي تجلَّى في شُحِ  الموارد المالية والبشرية المرصودة، وانعدام الخطط الملائمة للاستغلال الثقافي والاقتصادي،وضعف الوعي الجماهيري وإهمال المجتمع المدني، ظلت الثروة الأثرية في ليبيا تعاني باستمرار، لكن ما تعرضت له الآثار الليبية بعد اندلاع أعمال العنف، كان وبكل المعايير كارثياً وغير مسبوقٍ، حتَّى مع الأخذ بعين الاعتبار ما تعرضت له الآثار من سرقة ونهب وتخريب في ،كل من العراق وسوريا، لكن مع فرق واضحٍ وهو أن ما حدث ضد التراث الثقافي في كل من العراق وسوريا  ومصر موثق ومعروف – مما يسهل عمليات الاسترجاع- وكانت له أصداء قوية في الغرب كما في الوطن العربي، أما ما حدث في ليبيا فقد اقتصرت أصداؤه الغالبة على الدول الغربية فقط !فما هو تفسير ذلك ؟

ولا يغيب عن بال الدكتورة ريتا عوض ما قد يجول في أذهان البعض ويعتمل في صدورهم ممن قد يتساءلون، ما أهمية البكاءِ على الآثار الضائعةِ والمُخربةِ والمنهوبةِ بالنظرِ إلى المأساة الإنسانية المروعة التي يقاسِيهاَ الإنسانُ الليبي في خِضَّمِ الصراعاتِ المسلَّحةِ على الأرضِ الليبية ؟ غير أن الباحثة تُساَرِعُ إلى التأكيد على أن الدراسات الثقافيةِ الحديثةِ خَلُصَتْ إلى الأهمية التي يكتسبُها التراث الثقافي الذي يمثل باباً لا مندوحةَ عنه في سبيلِ بناءِ الهُويِةِ الوطنيةِ المشتركةِ وتعزيز الوشَّائِجِ الإجتماعية، ومصدراً أساسياً للدخل والنمو الاقتصادي، وعاملا مسهلا للعلاقات مع العالم الخارجي من خلال إبراز غنى الذات وحيويتها التاريخية وقدرتها على التعارف والتفاعل الحضاري، لكن التساؤل قد يُطرح أيضا عن الأسباب العميقة التي تدفع بالجماعات الإرهابية إلى كل هذا الإصرار والحرص على سرقة الآثار أو تدميرها ؟ الدراسة تُبرزُ لنا سببينِ لهذا المسلك الإجرامي، الأول اقتصادي ومؤداه أن نهب الآثار والاتجار بها يُعَدُ من الأساليب الأساسية التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية لجني الأموال الطائلة وتمويل الأعمال الإرهابية وإنشاء جماعات الدعم والمساندة، والسبب الثاني إيديولوجي أو سياسي معنوي ويتمثل في سعي الجماعات الإرهابية إلى تخريب وهدم التراث الحضاري في مختلف الدول العربية والإفريقية ليس عن جهلٍ وتعصبٍ أعمى كما يتصور البعض، ولكن عن سبق إصرار وتصميم وبوعي كاملٍ ومُدرك للمهمة المرسومة وأبعادها، أي إفقار وتقويض الأسس الثقافية للمجتمعات المستهدفة وإعاقةِ جهود النهوض الحضاري وهدم مرتكزات الوحدة الوطنية التي يشكل التراث الثقافي إحدى أعمدتها الأساسية !! إنها حرب قذرة شاملة على الإنسان العربي والإفريقي وعلى الأرض العربية والإفريقية التي شّكلتْ عبر القرون بوتقة للانصهارِ والإبداعِ والمُنْجَزْ الحضاري.وإذا كانت هذه صورة مختصرة عن التراث الأثري في الجناح الشرقي – فقط- للمنطقة المغاربية الذي تُعَّدُهُ ليبيا، فكيف لو استعرضنا التراث الأثري في المنطقة المغاربية بأسرها ؟

   وأَجِدُنِي في الختام تحت وطأة تساؤليـن آخرين، الأول: لماذا في كل من العراق وسوريا وليبيا شجعت القوى الغربية وتواطأت مع الجماعات الإرهابية في تخريبها وتهريبها للآثار؟ الجواب قد يكون معروفاً واضحاً لكن لا بأس من التذكير بما قاله رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مخاتير محمد في سياق مشابه: ” أنا لستُ معاديا للغرب ولكن الحقيقة هي أن الغرب لا يريدنا أن نتقدم”، والثاني: كم من الجزائريين والعرب قرؤوا هذه الدراسة ؟ لا أعرف، أما أنا فقد قرأتها وأعدتُ قراءتها أكثر من مرةٍ، وتعلمتُ منها أن ليبيا ليست رمالاً وبترولاً ودماءً فحسب، إنما هي ألوان وعمران وتاريخ ومستقبل، إنَّها ليبيا الأخرى التي لا نعرفها، فألفُ تحيةٍ لمجلة العربي، وألفُ شكرٍ للدكتورة ريتا عوض  .

[1] – من أهم نتائج حكم معمر القذافي الطويل- رغم سلبياته – هي ترسيخ الوحدة الوطنية في ليبيا ، إذ أن الليبيين الذين عاشوا طويلا في ظل الحكم المركزي قد أصبحوا أكثر إنغراسا في ثقافة الدولة المركزية وإدراكا لأهميتها، ومن هنا فشل المحاولات المشبوهة بعد سنة 2011 لتقسيم ليبيا تحت ذريعة إنشاء نظام فيدرالي، ستكون له بالضرورة نتائج مدمرة على مستقبل الشعب الليبي، بل وصل الأمر بالبعض إلى المطالبة بالعودة إلى النظام الملكي !أما عن سلبيات حكم معمر القذافي فهي فشله في إنشاء جيش وطني ليبي، إنتهاجه لسياسة تدخل مطبوعة بعامل المغامرة غير المحسوية والتي تتجاوز قدرات ليبيا ، مثل الحرب ضد التشاد، التدخل في إقليم دافور، مبادرات سياسية متسرعة وغير مدروسة للإتحاد السياسي مع الكثير من الدول، مع تونس، مع المغرب، مع مصر…إلخ الإدلاء المستمر بتصريحات عشوائية ضد القوى الكبرى، محاولة تسيير دولة كاملة بناء على نظريات وتحليلات وإجتهادات لاتتوافق مع حقائق العصر، وقواعد الإجتماع، مما أدى إلى عزل ليبيا دوليا ثم الإنفراد بها وتدميرها….

[2] – من المسلم هنا أن الحلف الأطلسي في هجومه الوحشي على ليبيا سنة 2011 كان يريد أن ينتهز فرصة نادرة للقيام بإسقاط دولة عربية إفريقية مغاربية، لأهداف تخدم حصرا المصالح الإستراتيجية للقوى الغربية، أما مقولة أن الحلف تدخل لمساعدة المدنيين وإنقاذهم من المذابح، فهي من أقبح الحجج التي روج لها الإعلام الغربي ونظيره ” الإعلام العربي المُرتَزِقْ “، وقد إتضح فيما بعد ، من بين أمور أخرى كثيرة، أن 100مليار دولار من أموال ليبيا قد إختفت مباشرة مع بداية الحرب، ولم يُعثر لها على أثر، في واحدة من أكبر عمليات النهب الغربي للمال العربي، ولعله من المعروف أن ” آل روتشيلد ” كان لهم دور كبير في التحريض على ضرب ليبيا وتدمير الدولة فيها، إستباقا لعملية إصدار عملة إفريقية جديدة كان القذافي يستعد لإصدارها بكل ما سيترتب على ذلك من تطورات غير مقبولة من وجهة نظر رأس المال الدولي، ومن هنا ذكاء وأخطاء القذافي الذي كان عليه أن ينتبه إلى أنه لايكفي أن نمتلك مشروعا معينا بل يجب أن نكون قادرين على حمايته، في بيئة دولية تتسم بالعدوانية والإنتهازية ورح الانتقام..

[3] – لايوجد  مفهوم جرى ابتذاله وتشويهه كما حدث مع  مفهوم الثورة، فحتى التمردات التي يقوم الحلف الأطلسي بدعمها عسكريا وبمباركة كريمة مما يسمى بـــ” الجامعة العربية ” وتؤدي إلى دمار الدول وخرابها، وتقسيم المجتمعات، صارت تسمى بـــ” الثورة ” ! في حين أن الثورة في جوهرها هي حركة فكرية سياسية تطرح رؤية بديلة، وتملك مشروعا متكاملا، تعمل على إنجازه عبر توفير ظروف أفضل بما في ذلك الإطاحة بالأوضاع أو الجهات التي تقف عائقا أمام إحداث التغيير أو التحولات المطلوبة ، كأن يتعلق الأمر بنظام إستعماري، أو نظام فاسد وعميل….إلخ

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ليتك لم تكتب هذه الشروط، التي اجهضت قيمة ماكتبت ونسفت كل ما جئت به.
    هذا المقال يستحق جلسات من النقاش وجها لوجه.
    لدينا الكثير مما نريد قوله على ما جاء في المقال بدءا من رحابة المكان (ليبيا) الى ماتحتويه من تنوع ثقافي (تراث عالمي) الى الغنى النفطي، الى قلة عدد السكان. الى عبقرية هذا الشعب الصغير، الذي انجب عمر ومعمر وسينجب “معمرين كثر”.
    اخير، لا تنسى د. ريتا، ان ليبيا هي مدرسة لتدريس فنون المقاومة الشعبية، كان احد بناتها ومدرسيها عمر المختار.
    ولابد انكم تتذكرون ان ليبيا كانت اخر ولاية عثمانية في شمال افريقيا، ولكن دولة الخلافة سلمتها بموجب اتفاقية لوزان في 18 اكتوبر 1911 الى الدولة الكاثوليكية، ولكن الليبيين لم يرضوا بهكذا قرار فحاربوا الايطاليين بالقرءان وما كان بأيديهم من العصي.
    واعتقد ان الشعب الجزائري قد يشاركنا هذه الميزة؛ فما عبد القادر الجزائري الا نسخة كربونية لعمر المختار، وهذا رأي شخصي ارجو ألا يحسب على أحد.
    اخير، اشكرك، واشكر د. ريتا رغم اختلاف وجهات النظر في بعض ما قيل وكتب.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here