فزاعة شح الموارد: لماذا لم يتحول الأردن الى سنغافورة؟

د. سمير محمد ايوب

التحدياتُ الإقليمية والدولية مُسْتَبِدَّةٌ بطبعها، بِصَلفٍ تُلقي تأثيراتها، على مستويات ومضامينِ، الإستقرارِ المعيشي والأمني للمواطن، ناهيك عن السياسي في الوطن ككل .

صحيحٌ، أن عدم الإستقرار الإقليمي، يرفعُ منسوبَ المصاعب . ولكن القصور الذاتي  وقواضم الفساد، تُوَلِّدُ مجتمعة أزمةَ ثقةٍ، بين أهل الوطن، وصناع القرار الرسمي وأجهزتهم التنفيذية.

الجدل الاقتصادي – الاجتماعي  في الأردن، مُشَوَّشٌ  في كل جوانبة . رواياتٌ مُتقابلة، تَصِفُ ما حصل أو قد يحصل، إدعاءاتٌ مُتضاربةٌ، لا تصل بالأَفْهامِ إلى إتفاقٍ، حول المكان ألذي تنتهي فيه الخرافةُ، وتبدأ فيه الحقيقة.

في ظل هذا الجدل، كلما دَقَّ كوزُ التَّغَوّلِ الظالِمِ، بأبجدياتِ مَعاشِ الناس، يُشْهِرً المنتفعون فزاعاتهم، التي يتكئون عليها لتجريف الوطن وتخدير ناسه، أكثرُ فزَّاعاتِهم شهرةً وإثارةً للجدل، أسطورة إستحالة ألإعتماد على النفس، في بناء الوطن وترشيد رفاه أهله . مدعين، أنه منذ البدء كان وما زال، خياراً غيرَ قابلٍ للتطبيق، أسبابهم المعلنة، المُبَرِّرَةِ لما يَدَّعونَه، هو القول بشُحِّ المَوارد الطبيعية.

مرت تلك الدعاوى، في منعطفات كثيره . إمتدت من نكران وجود الموارد إلى شحها، ومن صعوبة ألإستثمار فيها، الى عدم جدوى ألإستثمار . شكلت كل تلك التخصيبات، مداخل نظرية وعربات تبريرية لإقتراض مالي مُتَفَلِّتٍ . أبقى الكثير من الإرادة السياسية، مغلولةً إلى المخبوء في ضباب تلك الدعاوى . ثم تمدد نطاق التطبيق، الى أشكال ومضامين أخرى غير إقتصادية، من ميادين الحياة العامة .

فلم يعد مصطلح شح الموارد، مقصورًا على ما في باطن الارض، بل إمتد ليشمل الكثير من التشويهات الثقافية والمسلكية، التي باتت بين الفينة والاخرى، تُلَطَّخُ بها بفجاجة، بعض اسطح الحياة  العامة . كعبدة الشياطين وزواج المثليين وغيرها .

 بعيدا عن صحة أو موضوعية نُتَفِ الحقائق، التي يُثَرْثِرُ بها ألمنتفعون، وعما في إدعاءاتهم من تضليل متعمد، وما إشتقوا من تأويلات فرعية في أرحامها، نقول :

– إنهم تعمدا يتغافلون عما يختزن رحم الوطن من ثروات طبيعية كثيرة، من المعلن عنها،النحاس واليورانيوم والصخر الزيتي والغاز ووووو. مثل هذه الموارد وغيرها يكشف زيف دعواهم .

– لا اظن انهم جهلة لدرجة انهم لم يسمعوا بحكايات نجاح تحتذى وتقتدى في تنمية الاوطان التي قد تشكو من شح في الموارد لو كانوا صادقين . أولم يسمعوا بسنغافوره، هونج كونج، اليابان وغيرها !!! هناك إجماع  بين ذوي العقول والقلوب السليمة، على ان في هذا الكون، اناس قد أعطوا للأرض مواردها . فالموارد ليست في باطن الارض دائما .

– وتلك البلاد ليست حالة نادرة التكرار . فالإنسان في الاردن هو أغلى ما نملك . ألأردن ثري ليس فقط بقوات حفظ السلام في الكثير من البؤر الملتهبة في العالم . بل وثري ببناة العالم . مع الحماة هناك البناة .

– في هذا الإطار، وصلت سواعد الأردنيين إلى كل الصحاري المحيطة، وعلى إمتداد عشرات ألسنين . حيث وجَدوا ما يكفي من ألرعاية، تركز ألكثير من شرايين ألحياة حول مجاميعهم . لم يكونوا مجاميع ميتة، أو متسولة أو عالة، بل عقولا وسواعدا تبني وتزرع وتصنع،وتوفر الأمن والأمان لها ولمن حولها، فإزدهرت الصحاري .

لمواجهة مشكلات هذه تأثيرات هذه السياسات، لا بد من دولة مدنية، أساسها المواطنة والعدالة وسيادة القانون . تتبنى بصدق رشيد مبدأ ” الإعتماد على الذات ” بكل مضامينه . ولخلق إقتصادٍ تنموي منتج، لا بد من تحفيز هذا المبدأ كقناعات وتطبيقات متقنة .

فالبديل الفج ” للإعتماد على الذات “، كان الإعتماد المتزايد، على الإستدانة والدعم المالي الخارجي . حتى أفلت وحش الإقتراض من عقاله . وتغولت كُلف الدين العام . وسادت عشوائيات إدارته . مما أدى إلى الارادة السياسية للإدارات المتعاقبة على السلطة . حتى بات الامر يستوجب، الإسراع في تغيير التفكير في مشاكل الوطن، بالإعتماد على الذات .

لتكريس تطبيقات الإعتماد على الذات في تنمية المجتمع وتطويره ، وتحقيق نجاحات فيها، مهما بدت صغيرة، لا بد من البدء في تأطير فرضيات الموازنة العامة، التي تعاني من إختلالات بنيوية ووظيفية . بالغة الخطورة على كل الصعد . ويستلزم تغيير النمط الاستهلاكي الرسمي، بشكل أكثر عدالة وشفافية ورشادا . وإستبدال آليات زيادة الإيرادات، بدلا من الإقتراض وزيادة الضرائب، بالإتجاه نحو رفع الكفاءة التشغيلية في انجاز العمل، وفي تقرير الحاكمية الرشيدة وقواعد الشفافية والرقابة الصارمة، على كافة المشاريع التنموية والخدمية في الوطن .

الأردن – 23/2/2018

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. دولة مدنية، أساسها المواطنة والعدالة وسيادة القانون!
    كلام جميل ومنطقي ولكن يستحيل تطبيقة في نظام دكتاتوري.
    مسألة التسلية بالوزارات الموروثة والبرلمانات المزورة لا تعطي نتيجة.

  2. تحية لكاتب المقال على مقاله القيم الذي وضع النقاط على الحروف.
    أحب أن اذكر بعض النقاط بالتفصيل واتي وردت ضمن المعاني العامة للمقال حيث لم يفصلها السيد الكاتب خوفا من الاطالة.
    أولا:تحسين مستوى التعليم:وذلك باعطاء المنح الى المتفوقين وليس من لديه واسطة,لأن 75% من مقاعد الجامعات الحكومية تذهب للواسطات وهذا يؤدي الى هبوط المستوى العام للتدريس لأن الاستاذ لو رفع مستوى التدريس وتشدد في التصليح لرسب معظم من دخلوا الجامعة بالواسطة فيلام الاستاذ ويعتبره المسؤولون لا يقوم بواجبه,لذلك يضطر الاستاذ الى النزول بمستوى التدريس ليلائم مستويات ابناء الواسطة,فنجد خريجين كثيرين لكن لا نجد من يصلح لعمل الابحاث.
    ثانيا: محاربة الفساد في كل المجالات ,خاصة في تعيينات الموظفين بالواسطة(مما يؤدي الى وجود موظفين لا يعرفون شيئا عن العمل الموكل لهم),وفي السرقات التي تتم جهارا بشكل مكشوف .
    سأذكر حادثة حصلت مع صديق لي تابعتها بالتفصيل: يدرس ابناء صديقي منهاج مدرسي بريطاني في بلد عربي,ذهب الى السفارة الاردنية وسأل الموظفين عن شروط معادلة المنهاج البريطاني بالثانوية الاردنية فلم يعرفوا,أتصل بالملحق الثقافي فلم يعرف,كتب للقسم المختص بوزارة التربية في عمان, فجاء الرد المفصل مبينا كل المناهج المطلوبة في الثانوية الاردنية بدون اي ذكر للمنهج الريطاني المعادل للثانوية الاردنية وهو ما يبحث عنه صاحبي, ثم جائته رسالة اعتذار عن الخطا الذي حصل وانهم سيرسلون ردا على تساؤلاته….. وقد مضى حوالي سنتين عن الاعتذار والوعد بالارسال…ولم يصل شيء.
    برأيي أن ما حصل مع صديقي في سؤاله عن المعادلة مع المنهاج الريطاني حصل نتيجة تعيين الواسطة…. فهذا مثل عن نتائج تعيينات الواسطة….. وهذه أمثلة عن أسباب تأخر الاردن .

  3. لماذا لا يكون الاردن مثل سنغافورة او هونج كونغ ؟ هل يقبل الاردني ان يعمل بكل اخلاص لمدة 8 ساعات يوميا او اكثر ؟ وهل هناك فرص حقيقية للاستفادة من مقدرة الشباب الاردني المميزة ؟ ام المهم اسكاته؟ مبالغ الفساد والموجودة في بنوك اجنبية لوحدها ستنقل الاردن لبلد مستقر وباقتصاد قوي .

  4. مجرد سؤال او تساؤل ساذج موجه الى الأخ ا لفاضل كاتب المقال ، وهو بصدق من خير ما كتب في توصيف الحالة الاردنية ، السؤال يا سيدي : ترى لو فكر الاردن في اتخاذ خطوات فعلية لانتهاج سياسة الاعتماد على الذات – كما تفضلت – هل يسمح له ان يفعل ذلك أخذا في الاعتبار كثيرا من الحقائق الداخلية والاقليمية والدولية التي لا اظنها خافية على احد قديما وحديثا ومستقبلا؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here