فرج كُندي: لبنان والعراق… حراك جيل… ما بعد الطائفية

فرج كُندي

 يعود تجذر التمزق والتوزيع السياسي والإداري في لبنان إلى العشرينات من القرن التاسع عشر حين شرعت حكومة الاحتلال الفرنسي في عام 1920ميلادي  في إرساء نظام  الحكم الطائفي  حين رأت حكومة الاحتلال الفرنسي أن لبنان مزيجا متنوعا من الطوائف الدينة والمذهبية لا مجتمعا ذي صبغة واحدة, فشرعت في تشكيل المؤسسات الادارية والسياسية في لبنان وفقا لتلك الرؤية, من خلال توزيع المناصب الإدارية حسب التوازن الطائفي الديني والمذهبي وفق تأسيس نظام عرف باسم التقسيم الطائفي, وهو ما يعني أن تقسم المناصب السياسية والإدارية بين الطوائف الدينية في لبنان بحسب ثقلها وتأثيرها العددي الديموغرافي الذي كانت فرنسا ترى فيه أن طائفة الكاثوليك هم الأكثر عددا والأكثر قربا من فرنسا .

وبحلول الوقت الذي نال فيه لبنان استقلاله عن فرنسا عام 1943 ميلادي قبل سكانه تعايش كافة الطوائف في مقابل توجه لبنان نحو البعد العربي و اجتناب القوة الاستعمارية السابقة المتمثلة في فرنسا, من خلال اتفاق تم التصديق عليه في ميثاق طائفي وطني  عقد في عام 1943 ميلادي والذي ينص على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحي ماروني , ورئيس الوزراء مسلم سني, ورئيس البرلمان مسلم شيعي , ووزعت مقاعد البرلمان بطريقة ترجح ميل الكفة إلى صالح المسيحيين بنسبة قليلة .

في حين قامت بريطانيا في عام  1921 ميلادي بتنصيب فيصل بن الحسين ملكا  على العراق, وقيام عملية انتخاب جمعية تأسيسه في عام 1924  واصبحت العراق دولة ملكية دستورية  لاوجود للمحاصصة الطائفية فيها وإن كانت دولة متعددة الطوائف والاديان والاعراق , اعترفت بها عصبة الأمم المتحدة وادخلتها كعضو كامل العضوية رغم وقوعها تحت الانتداب البريطاني .

وهنا الفارق بين نشأة نظام الحكم في  دولة لبنان الطائفي الذي اقامته وأشرفت عليه  دولة الاحتلال فرنسا , ونظام الحكم الملكي الدستوري الذي اقامته وأشرفت على قيامه دولة الاحتلال بريطانيا  .

استمر النظام الحكم الطائفي الهش في لبنان, وإن تعرض لنكسات متعددة  اخطرها الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1958 ميلادية, وانتهت بتدخل عسكري امريكي وانتخاب الرئيس الإصلاحي”  فؤاد شهاب ” ثم اندلاع ما عرف بالحرب الاهلية عام 1975 ميلادي, ولم يمس العمل بالنظام الطائفي المتفق عليه إلا ما قام به الزعيم الدرزي كمال جنبلاط في أوائل السبعينيات من تشكيل ائتلاف سياسي اطلق عليه اسم ( الحركة الوطنية ) كان الهدف منه إسقاط النظام الطائفي في لبنان وإقامة دولة ديمقراطية علمانية يتساوى فيها الجميع كمواطنين لبنانيين. إلا انه لم يكتب له النجاح وكذلك  محاولة رئيس الوزراء ” رشيد كرامي ”  الذي تولى رئاسة الحكومة أكثر من مرة وهو  ’مسلم سني’  طالب ولفترة طويلة بإحداث اصلاحات حكومية ترسخ مبداء المسواة السياسية بين المسلمين والمسيحيين  بصرف النظر عن دياناتهم وينبغي أن تتوفر للجميع الفرص المتساوية للترشح لأي منصب في الدولة وانتهت دعوته هذه بزرع قنبلة في طائرته المروحية أودت بأحلامه وحياته معا في عام 1988 ميلادية.

استمر الحكم الملكي الدستوري في العراق إلى أن قامت مجموعة من العسكريين بقيادة العقيد عبدالكريم قاسم والعقيد عبدالسلام عارف بانقلاب عسكري اطاح بحكم الأسرة الهاشمية في العراق سنة 1958 ميلادي وإقامة نظام جمهوري لا يقوم على الطائفية شبيها بالنظام الذي أقامه ضباط مصر في يوليو 1951 ميلادي؛ واستمر هذا النظام قائم مع وصول حزب البعث إلى سدة الحكم ولم ينتهي إلا مع سقوط نظام الرئيس صدام حسين مع العزو الامريكي للعراق عام 2003 ميلادي .

بعد حرب أهلية طاحنة في لبنان  استطاع الوسطاء العرب أن ينجحوا تحقيق لقاء بين اعضاء البرلمان اللبناني في مدينة الطائف بالمملكة السعودية أسفر عن صياغة تفاهم جديد قائم على مقررات الميثاق الوطني مع تقليص لبعض صلاحيات رئيس الجمهورية  إلا انه وضع حدا لتلك الحرب مع بدايات عام 1990 ميلادي.

بعد اجتياح القوات الأمريكية  ودخولها العاصمة العراقية بغداد عام 2003 ميلادي وتعيين الجنرال – بول بريمر – حاكم عسكري للعراق كانت مهمته الأساسية هي وضع نظام سياسي للعراق الجديد يحكم البلاد وقف الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط الجديد .

حقق بريمر نجاح سريع في تثبيت النظام السياسي  للعراق ما بعد صدام حسين  فجعله نظام قائم على محاصصة طائفية عرقية تقوم على أن تكون رئاسة الجمهورية وبصلاحيات محدودة  للقومية الكردية في حين تكون رئاسة الحكومة للطائفة الشيعة من المسلمين العرب وبصلاحيات واسعة في حين يتحصل المسلمين العرب السنة على منصب رئاسة البرلمان الذي تكون فيه الأغلبية للشيعة العرب .

تجرعت كلتا الدولتين نتائج تطبيق نظام الحكم الطائفي مرارة كؤوس الحروب الأهلية والإبادة الجماعية والتهجير وتعطيل مسيرة التنمية وتوقف وانهيار البنية التحتية وتفكك وهشاشة البنية الاجتماعية مع زيادة تغول نفوذ الزعامات الطائفية التي رهنت المصالح العامة على حساب المصالح الضيقة .

ادى النزاع الطائفي إلى قيام ما يمكن أن يطلق عليه شبه الدولة أو الطائفة الدولة؛ ساهم في تراجع  التعليم والصحة والاقتصاد , دمر إمكانية وجود فرص للكفاءات في إدارة البلاد التي يقوم نظامها على المحاصصة الطائفية  الذي يمكن لأصحاب الانتماء على حساب أصحاب الكفاءة , بل وفرت الطائفية حماية للمسؤولين الفسادين وحمتهم من المسائلة القانونية  مما فتح اكبر باب للفساد الذي استشري في جميع أركان ومفاصل الدولتين.

وهو ما خلق حالة من عدم الرضا, بل السخط من جيل جديد تأثر بانتفاضة الربيع العربي الأولى سنة 2011 ميلادي ليعلن انطلاق الموجة الثانية من الربيع في سنة 2019 ميلادية  تحت شعار رفض العيش تحت  مرارة هذا النظام الذي جلده بسوط الفقر والذل والمسغبة باسم الطائفة, وقرر أن يتخلص من ربقة هذا القيد الذي كبل حركة المجتمع وأوصله إلى حافة الانهيار على كافة المستويات الاجتماعية والسياسة والاقتصادية .

 وعقب عدة محاولات ودعوات أخذت وقتا طويلا لتنضج فكرة الخروج على هذا النظام من جيل شاب واعد يحلم بالحرية والاستقلال والاستقرار في بلد  يسود فيه العدل ويتحقق فيه مبداء المواطنة وتتوفر فيه الفرص بين كافة شرائح المجتمع ويتم محاسبة المخطئ ولا أحد فوق القانون ليتجسد حلم العيش في وطن حر تعلو فيه قيم المساواة وتفتح فيه ابواب الرفاهية والتعايش السلمي  بعيدا عن أي تموضع يعرقل مسيرة البناء .

فخرجات الجموع البشرية زرافات في حشود متدفقة في انحاء لبنان تهتف بلسان واحد لا للطائفية , قابلتها حشود العراق المماثلة ترفع نفس الشعار لا للطائفية , ومازالت هذه الحشود التي تضيق بها  الساحات تنادي  بأسقاط هذا النظام الفاشل واستبداله بنظام عادل يتطلع له جيل جديد يسعى في طريق وعر شائك تحفه المخاطر إلى بناء و ترسيخ نظام ما بعد الطائفة من خلال إرادة قوية وعزم لن يلين حتى يحقق أغلى امانيه والأيام حبلى بالأماني الجميلة .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here