فدوى طوقان: حبرً على ورق أم نبض قلبين!

iz-aldeen-almanasra.jpg66

عز الدين المناصرة

– أصدر الناقد المصري (رجاء النقاش)، عام 1976 كتابا بعنوان: (بين المعداوي وفدى طوقان: صفحات مجهولة في الأدب العربي)، نشر فيه (17 رسالة أرسلها الناقد المصري أنور المعداوي إلى فدوى طوقان، ليس فيها على ما يدل على أنها (رسائل غرامية)!. لكن (رجاء النقاش)، وهو ناقد انطباعي تذوقي، لم يتعرف على أساليب النقد الحديث- فبرك قصة حب بين (فدوى وأنور) وصفها بأنها: (علاقة حب متقدة، وعنيفة). وكان رجاء النقاش، صحافياً بارعاً، يلتقط المواضيع الحساسة، ويحب المثير منها. وقد تعرفت إلى رجاء في الفترة التي عشتها في القاهرة (1964-1970)، عندما كان رئيساً لتحرير مجلتي: (الهلال)، و (الكواكب)، حيث نشر العديد من قصائدي. آنذاك (بعد عام 1967) –نشر رجاء كتابه الشهير: (محمود درويش، شاعر الأرض المحتلة). هذا الكتاب كان ذا طابع صحافي مثير، أسَّس لمقولتين سلبيتين: إحداهما هي (صناعة الشاعر الأوحد)، و(شطب شعراء المنفى في الثورة الفلسطينية)، بل (تجاهل شعراء الأرض المحتلة الآخرين). أما الأخرى، فهي التمهيد لمقولة (دولة فلسطينية إلى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي) التي روّح لها رجاء النقاش، بتأثير (أحمد بهاء الدين). وهنا بدأ الترويج الإعلامي لثلاثة أسماء فقط، هم: (محمود درويش- سميح القاسم- توفيق زياد). وبما أن (إسرائيل) احتلت الضفة الفلسطينية عام 1967، فقد (أُلحقتْ) فدوى طوقان إلحاقا بمصطلح (شعراء المقاومة) الملتبس. كان التساؤل آنذاك حول: (كيف يمكن الجمع بين المقاومة والتأسرل)!!. لأن الشعراء الثلاثة كانوا أعضاء في (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)!!. لهذا احتج (أدونيس وغالي شكري، ويوسف الخطيب) على مصطلح (شعراء المقاومة)، فأطلقوا عليهم لقب: (شعراء الاحتجاج) ضمن النظام الإسرائيلي!!!. ومن وجهة أخرى، تأثرت (فدوى طوقان) بهذه الأفكار، وانفتحت على مجموعة شعراء المقاومة في (منطقة 48)، مما دفعها إلى استقبال وزير الحرب الإسرائيلي (موشيه دايان) بمنزلها في نابلس. هذا هو الإطار العام لتلك الفترة، منذ (1966)، حين اكتشفت (مجلة الأفق الجديد المقدسية)، هؤلاء الشعراء، وكان الصحافي (إبراهيم أبو ناب)، هو أول من نشر أشعارهم في هذه المجلة، التي كنت مراسلها الصحافي في القاهرة في الفترة (1964-1966).

  • قرر الكاتب الأردني (عيسى الناعوري) أن قصة الحب بين طوقان والمعداوي.. مفبركة، وأنها (مجرد صداقة وزمالة). هنا ردّت (فدوى) في السبعينات على الناعوري في رسالة: (نعم كان هناك حب حقيقي، وعبرتُ عنه بأكثر من قصيدة). وكانت رسائل أنور المعداوي إلى فدوى (17 رسالة)، أُرسلتْ في الفترة (1951-1954) من القاهرة إلى نابلس.

وكانت (آخر رسالة) قد أرسلت من القاهرة إلى نابلس، بتاريخ (13/9/1954). وتقوم فدوى: (لم أرد على آخر رسالتين بعث بهما إلي). وهنا أضع (الحقائق والأسئلة) معاً، أمام القارئ ليساعدني في الاستنتاج:

أولاً: صدر كتاب رجاء النقاش حول قصة أنور وفدوى، أو فدوى وأنور عام 1976، بعد أن سلّمته فدوى الرسائل ال (17)، وهذه نقطة مهمة، لأن فدوى هي التي سَلّمت الرسائل إلى النقاش. وفدوى هي التي ردت على عيسى الناعوري الذي نفى قصة الحب!!، فهي إذن ترغب في إشهار قصة العلاقة.

ثانياً: يُجمع الباحثون على أن فدوى وأنور، لم يلتقياً أبداً، وإنما تمت العلاقة بالمراسلات، رغم زياراتها المتكررة إلى القاهرة. كذلك، فإن (المعداوي) وهو من أشرف على إصدار ديوانها الأول (1952) في القاهرة. فهل خطط لهذه القصة أن تكون (شبيهة) بقصة الحب بين (مي زيادة) في القاهرة، و (جبران خليل جبران) في نيويورك. ومي زيادة كاتبه لبنانية الأب، فلسطينية الأم، وعاشت معظم حياتها في القاهرة، وهي لم تلتقِ جبران إطلاقا، وإنما تمت العلاقة بالمراسلة. وهنا يطرح السؤال: هل يمكن أن (نعشق عن بعد)، دون لقاء شخصي!!

من جهتي أجيب ب (نعم): ذات مرة في شبابي الأول، تراسلت مع صبية جميلة، لكنني اكتشفت بعد لقائها أنها من نوع (الجمال الغبي)! فتراجعت. وذات مرة عشقت فتاة، لم أرها، لكن صوتها كان رنانا ومغناجا وجميلا، وعندما التقيت بها، تفاجأت بأن قدمها خشبية، وانتهى اللقاء بقولي لها: (أنا لست الصليب الأحمر الدولي!)، وندمت على قولي هذه الجملة لاحقا. أقول كل ذلك، لأدخل (منطقة الشك) في أن (زيارات فدوى المتكررة إلى القاهرة)، لم تلتق خلالها بأنور المعداوي!!. هذا النفي أمر غريب!!.

ثالثا: النساء كمعشوقات، يرغبن في الظهور كمعشوقات، لكن تردد فدوى بين منطقة الإفصاح التام، وتجاهل القصة تجاهلا تاما في مذكراتها- فهي في ردها على عيسى الناعوري، وتسليمها الرسائل إلى رجاء النقاش، ترغب في إشهار هذه العلاقة. أما نفيها للقصة في مذكراتها بتجاهلها، فهي ترغب أن لا تروي القصة على لسانها، ووجدت ضالتها في رجاء النقاش، الذي يعشق (كشف المستور) عن القصص المثيرة. كان (رجاء) يُساند المثقفين الفلسطينيين دائما، وفق طريقته في التفكير: ذات مّرة، زرته مع الشاعر الفلسطيني الكبير (أبو سلمى)، الذي جاء في زيارة للقاهرة-وكان رجاء رئيسا لتحرير مجلة (الهلال)، و(مجلة الكواكب). وفجأة عندما كنا في مكتبه، دخل (عبد الحليم حافظ)، فعّرفه بنا. ودار حديث حول (القصائد المغناة)، عندئذ التقط (رجاء) طرف الخيط، وطرح على (عبد الحليم حافظ) أن يغني قصيدتين: واحدة لأبي سلمي، وأخرى لي-عندئذ رحب عبد الحليم بالفكرة. عندما انتهينا من اللقاء في مكتب رجاء، كنت أكسدر مع أبي سلمى في (شارع المبتديان)، فقلت لأبي سلمى: إنها فرصة أن يغني لنا عبد الحليم أشعارنا، لكن (أبو سلمى)، قال لي جملة تعني الرفض، لسبب غير مقنع. لاحقا، بعد سنوات طويلة، كان أبو سلمى في زيارة إلى العاصمة البلغارية (صوفيا)، وكنت أعيش فيها، (1977- 1982)، سألته: ألست نادماً على ذلك الرفض، فقال يومها ( لم أكن أعرف أن….). أقول ذلك، للتأكيد على احترام رجاء لفدوى والمثقفين الفلسطينيين، لكنه بتقديري (وقع في المبالغة حين أكد صحة القصة أولا، ثم حاول البحث عن مسوغات صحة القصة). هنا أقول: بالتأكيد، كانت فدوى ترغب كامرأة في أن تظهر كمعشوقة، وهذا ما ينطبق على كل نساء الكرة الأرضية، لكن رجاء بالغ كثيرا في الترويج لقصة (العجز الجنسي عند المعداوي)، التي كان يخفيها.

 رابعاً: لو شاءت فدوى طوقان لأحرقت رسائل أنور العدّاوي أو دفنتها في خزائنها السرية بمنزلها، لكن، لماذا سلّمت فدوى الرسائل لرجاء النقاش لنشرها بالتأكيد، رغم أن الرسائل تتعلق بمناقشات أدبية، وليس فيها ما يشير إلى مسألة عاطفية. وهنا نتذكر (رسائل غسان كنفاني – الروائي والشهيد والصديق) إلى (غادة السمان). ونتساءل: حتى اليوم، لم تنشر غادة السمان (رسائلها) إلى غسان كنفاني، ولم تنشر فدوى طوقان، (رسائلها) إلى أنور المعدّاوي…لماذا. هل كان أمر نشر رسائل العشاق – التركيز على (المرأة كمعشوقة)، وهو أمر مشروع، لكن العدالة تقتضي الإفراج عن رسائل المعشوقات إلى عشاقهن، لتكتمل الصورة.

خامساً: تعلّمتُ من (محمد حسنين هيكل)، منهجية (رسم الإطار العام للحادثة أو القصة)، قبل طرح النتائج، لأن من يبحثون عن النتائج هم (القراء المستعجلون) !!.

لهذا أنصح القرّاء المهتمين بهذه القصة (فدوى وأنوار)، أن يراجعوا مصدرين أساسيين لها، هما:

  1. كتاب رجاء النقاش (عام 1976) الذي طبع عّدة مرات، فهو من أثار الموضوع بناءً على طلب فدوى طوقان، ومن أجل قراءة الرسائل نفسها. هل كانت تبحث عن الشهرة!!

  2. قرأت مناقشة ممتازة لكتاب النقاش، تتسم بالجدية، أنصح بقراءتها، للناقدة السعودية (لطيفة الشعلان)، وردت في مرجعين هما: (موقع مبدعون فلسطينيون – 13 – 6 – 2010)- و (موقع الحوار المتمدن – 16 – 6 – 2010).

  3. تقول فدوى طوقان: (لم أردّ على آخر رسالتين بعث بهما إلي. وصممتُ على رفع جدار بيني وبينه. وكانت النهاية عند هذا الجدار المصمت) – وتقول (الناقدة لطيفة الشعلان): (وهذا ما يفسرّ (مغزى عبارة مهمة لعز الدين المناصرة)، وقد التقى فدوى عادم 1966، أي بعد عام واحد على وفاة المعداوي (1965) – إذْ قال المناصرة: (كان كلامها – أي فدوى – يوحي بأكثر من حزنها على رحيل ناقد، وأقل بكثير من حزنها على حبيب –(لطيفة الشعلان – 2010).

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here