فؤاد مبارك: الانتخابات البلديّة في تونس: خطوة تاريخيّة على درب الدّيمقراطية

فؤاد مبارك

تستعدّ تونس هذه الأيام الى تنظيم انتخابات بلديّة في شهر ماي 2018 بعد أن تمّ ارجاؤها عن موعدها المقرّر في مناسبتين سابقتين (ديسمبر 2017/مارس 2018) بسبب بعض الاشكاليات لعلّ من أبرزها التأخيرالحاصل في المصادقة على مشروع قانون خاصّب الانتخابات البلديّة (مجلّة الجماعات المحليّة).

ويتّضح من خلال هذا الموعد الانتخابي أن تونس في طريقها نحو استكمال مسارها الانتقالي الديمقراطي و التأسيس لحكم محلّي هو الأوّل من نوعه منذ الاستقلال عام 1956، خاصة لما تمثّله هذه الانتخابات من فرص جديّة أمام المواطنين لخدمة مناطقهم و تحسين ظروف عيشهم المتدهورة يوما بعد آخر.

فلا يمكن لعاقلان ان يختلفا في الجزم انه على الرغم منسقوط رأس الحكم في 14 جانفي 2011 فان البلاد لم تقطع بعد معما خلّفه النظام القديم من فجوة تفاوتات واسعة بين المواطنين التونسيين سواء على أساس الموقع الجغرافي أوالوضعية السياسية والاجتماعية…

فلازالت البلاد تعاني، حد اللحظة،منتداعيات نظام شمولي حاولت السلطة لعقود أن تفرض من خلاله سلطتهاعلى المجتمع و أن تسيطرعلى كافة أوجه الحياة، بالاعتماد على فلسفة التصرف السلطوي غير الخاضع للمراقبة أو المحاسبة والهاضم للحقوق الانسانية حتى في أبسطها كالحق في الحياة في بيئة نظيفة.

ثمأن العديد من الاخلالات والخروقات التي تشوب العقد المبرم بين المواطنين وبين الدولة لا يمكن ان تتبدّى بأي حال من الاحوال الا على المستوى البلدي، بدءا من رفع الفضلات وصيانة الطرقات وصولا إلى إصدارحجج الملكية ومنح التراخيص التجارية لمستحقيها…

و لذلك يبدو من خلال الآمال التي يعلّقها التونسيون على الانتخابات البلديّة انها ستمكّن جميع المواطنين من المشاركة في معالجة مسائل التنمية والتهيئة و إنهاء حالة التهميش التي تعانيها الجهات الداخلية المحرومة من أبسط الحقوق…

و من هذا المنطلق يمكن الجزمبان الانتخابات البلدية الأولى في تونس بعد سقوط الحكم النوفمبري في جانفي 2011، تعتبر المحطة الأهمّ و نقطة التحوّل الأبرز على درب الديمقراطية، حيث طالما عانت الجهات من ويلات المركزية و ما تفرضه من تقييد للإمكانيات و الصّلاحيات على المستوى المحلي لتبقى حكرا على المستوى المركزي.

كما يمكن ان نتبيّن ذلك من خلال حرص المشرع التونسي و المبادئ و الأحكام الواردة بالدستور التونسي و التي تلزم الدولة بضرورة تنظيم انتخابات بلدية وجهوية حرة و نزيهة و شفافة تستجيب لتطلعات مختلف الأطراف المعنية وجميع المواطنين والمواطنات لتنظيم السلطة المحلية و التقليص من نفوذ المركز البعيد عن آمال الجهات و تطلّعاتها و حاجياتها، حيث يلزمدستورتونس الصادر عام 2014 البلاد بضرورة اعتماد اللامركزية حجر اساس في تحديد السياسات العامة للدولة و التأسيس لخيار جديد في الحكم يحدّ من المركزية اعتمادا على آليات الديمقراطية التشاركية ومبادئ الحوكمة المفتوحة…

و على ضوء ما سبق، يمكن الاستنتاج أنّ أهمية الانتخابات البلدية تكمن في وضع المواطن صلب عملية أخذ القرارعلى المستوى المحلّي من خلال تقريب المسافة بين البلدية والمواطن، سواء كان ذلك في فهما لواقع المحلّي أو في المساهمة الإيجابية في اتخاذ القرار الأنسب.

: صحفي تونسي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here