فؤاد بلحسن: خرائط التحليل الجيواستراتيجي في مسألتي المقاومة وإيران

 

فؤاد بلحسن

(جزء 1)

سيحاول كاتب السطور من خلال هذه الورقة التحليلية تفكيك وتأويل جوانب من النقاشات ووجهات النظر التي رافقت الأزمة الأمنية-العسكرية الأخيرة بين إيران وأمريكا عقِب اغتيال الفريق قاسم سليماني، كما سيُحاول تقدير جانب من المآلات الممكنة على المدى القريب والمتوسط، استنادا إلى طبيعة المرحلة، وسلوك الأطراف والمعطيات الجيوسياسية القائمة والمتحولة والمتوقعة.

*    *     *

في الحد الأدنى، هناك إجماع على أن النقاش حول الأزمة المذكورة شهد استقطابا حادا بين من يعتبر الـمُغتال شهيدا وبين من يعتبره إرهابيا، بين من يعتبره بطلَ أمةٍ وبين من يعتبره عدوا تمَّ التخلص منه.

لنفترض أن كلا وجهتي النظر صحيحة منظورا إليهما من جانب أصحابهما. هذا حتى لا يتهمنا أحد بمصادرة حقه في الحكم. بهذا نتجاوز النقاش حول الحكم في حد ذاته، وننتقل رأسا إلى طبيعة وحجج النقاش الذي دار بشأنه. وسؤالنا: ما هي أوجه السوريالية على صعيد التحليلات التي اعتبرت ما يجري مجرد مسرحية؟ وهل عبرت تلك التحليلات عن بعض أوجه عصاب تحليليٍ مَا؟ هل كشفت عن طبقات حقدٍ سحيقة لم تُفلح لا الكرافات ولا تبني نهج الاعتدال ولا خطابات التسامح والحوار الديني في تغطيتها؟ أم أن الأمر لا يعدو انفجارا عاديا في وجهات النظر حول ملف سياسي دولي قائم ومتشعب؟

لقد أدلى كثير من الذين تابعوا هذه الأزمة بدَلوهم، بعضهم له صيت واسع عربيا ودأبٌ على متابعة أحداث الشرق الأوسط والتعليق عليها (مفكرون، كتاب، باحثون، مثقفون،…)، وبعضهم الآخر إما هاو أو غاو أو لاهٍ.

واللافت للأمر أن كثيرا من هؤلاء دخل على خط الأزمة ليس على سبيل التأسيس لفهم موضوعي أو على الأقل لفهم مقبول وعُقلائِي لحيثيات ونتائج الحادث، بل تم ذلك بمنسوب عال من التزييف والتعالي والتشكيك والأستاذية والحقد والمغامرة والإثارة الزائدة والتحمس للحرب.

لنستعرض التوجهات الأساس:

  • التوجه1: اعتبر أن لا خلاف بين محور المقاومة (ممثلة في هذه الحالة بإيران) وأمريكا وأن الأمر لا يعدو أن يكون تبادلا للأدوار والمصالح، تمَّ بالتواطؤ بين خصوم وهميين؛ حيث سُمح لأمريكا إخلاء قاعدة عين الأسد قبل قصفها من قِبل إيران (“أطروحة المسرحية” [سَأُطلِق لاحقا تسمية خاصة على كل وجهر نظر في الموضوع])،

  • التوجه 2: هَزِأ من قدرة إيران على الرد واعتبر أن توعد مسؤوليها بالانتقام مجرد صراخ في الهواء (“أطروحة الدونكيشوتية”)،

  • التوجه 3: انتقل رأسا إلى التشفي في قتيل الشعب الإيراني بدون اعتبار لوضعية الحداد الوطني، بل وثمَّة من تجاوز التشفي إلى اعتبار هذا الشعب أقرب إلى التوحش منه إلى التمدن لأنه لم يستطع حتى تنظيم مظاهرات تأبين بدون سقوط ضحايا جدد. وهو الرأي الذي عبر عن تهريب للموضوع الحقيقي والقفز إلى موضوع آخر، ومثله الرأي الذي جعل من إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية محورَ النقاش (“أطروحة قَشَّة الغَريق”)،

  • التوجه 4: بلغ حد التعبير عن غيظه الواضح أو الضمني لأن أمريكا لا/لم تَـرُد على إيران بما يليق بها كدولة عسكرية عظمى (” أطروحة الميل إلى الحرب والحِقد العاري”)،

  • التوجه 5: أطلق العنان لخياله المسكون بالأستاذية وطفِقَ يقول للناس: لا، لا تتخذوا أي مواقف مما يجري الآن فنحن في حاجة إلى بحوث وأطروحات علمية لنفهم ما يجري، حيث بدا أصحاب هذا الرأي كمن جرى تخدير وعيهم؛ حيث لم يستوعبوا جسامة وحساسية الوضع إلى درجة أن ثانية واحدة كانت كفيلة بإشعال حرب عظمى أو عدم ذلك، وأن لا أحد في هذا الظرف على وارد الاهتمام بنتائج بحوثهم أو حتى رأيهم (“أطروحة الـمُرجِئة الجديدة”[1]

  • التوجه 6: شرَع في المزايدة على المقاومة في صراعها مع أمريكا والغرب المستكبر . لكن اللافت أن بعض أنصار هذا التوجه لا/لم يقدم ولا رصاصة واحدة في مواجهة الاحتلال ولا هو قادر على الصمود في وجه أمريكا والغرب. بل من الدول من لا يستطيع الرد ولو بالكلام على أعمال السخرية المتكررة على لسان بعض قادة الغرب حيالها (“أطروحة المزايدة”)،

  • التوجه 7: لم يتردد أصحاب هذا التوجه في اتهام كل من خالفهم الرأي بالتشَيُّع بينما هو يرفض أن ينعته غيره بالتَّأَمْرُك (“أطروحة كل شيعة العالم وأنصار المقاومة عملاء لإيران “)،

  • التوجه 8: دعا إلى رد عسكري سريع وفوري وساحق على واقعة الاغتيال دون أي مراجعة للاحتمالات الممكنة جراء رد غير محسوب، ومنها احتمال نشوب حرب جديدة مدمرة في المنطقة (“أطروحة الثأر”)،

  • التوجه 9: أكد على ضرورة الرد لكن بطريقة تحقق إنفاذ العقوبة على جريمة الاغتيال فقط، دون الانجرار إلى الحرب الشاملة (“أطروحة الرد وحِفظ ماء الوجه”)،

  • التوجه 10: أكد أهمية ألا يكون الرد مناسبا للجريمة، بل أن يكون أكثر منها من حيث الأثر وأطول منها من حيث الامتداد الزمني، أي أن يكون ردا استراتيجيا (“أطروحة حرب الاستنزاف”)،

  • التوجه 11: فضل أصحاب هذا التوجه دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس (“أطروحة التهدئة”)، إلخ.

وفي الواقع، وحتى ولو جرى تقديم هذه الأطروحات-الآراء بصورة تصنيفية (نَموذجية/نَمذَجية)، على سبيل التوضيح وتفكيك وتبسيط ما يظهر معقدا، إلا أنها عمليا، على مستوى الواقع، تتداخل فيما بينها على عدة مستويات وفي أكثر من عنصر. وهذا ما يبدو جليا من خلال تداخل وتقارب سجلاتها الخطابية وحججها المقدمة. وإذا دققنا النظر  في كل هذه السجلات الخطابية ووجهات النظر، التي سرعان ما تحولت إلى شبكة واسعة من الأفكار، ونَظَرنا إلى الأرضية التي تتحرك عليها، فإننا سنصل إلى نتيجة واضحة: إن الأمر يتعلق في النهائية بـ [أو يمكن اختزاله في] ثلاث مسائل بسيطة، نُجملها في التالي: 1. الموقف من محور المقاومة (مع/ضد) / 2. الموقف من المذهب الآخر (السني من الشيعي/والشيعي من السني) / 3. الموقف من أمريكا (مع/ضد). هذه هي المتغيرات الأساس للنموذج الإرشادي (Paradigme) الذي يقود هذا النقاش وهذه المواقف، والذي يمكن أن يشكل خلفية منهجية لتفسير المشهد برمته[2].

لكن هنا، من المهم جدا طرح سؤال أساسي: ما مصدر كل هذا الهذيان والوسواس القهري والتلفيق والافتراء والتحشيد والتعبئة والسخرية والحماس والنضالية المفرطة والقيل والقال، والتناقض في تفسير الوقائع وأساليب الحجب والحذف لوقائع أخرى، وغيرها من الأعراض النَّفس-ذهنية، في منطقتنا العربية، كلما تعلق الأمر بشأن إيران تحديدا، وهي الأعراض الذي جعلتنا أمام نقاش أقرب إلى مشهد سوريالي وغثياني وصراعي مبدد للطاقات ومتلف للأعصاب ومهلك لقيم الحوار والتعايش؟

على ضوء النموذج الإرشادي المذكور آنفا، وشبكة الأطروحات الخطابية المعروضة أعلاه، يمكن عرض 3 خطاطات أساسية حول خلفيات وأبعاد الموقف من إيران ومن الأزمة الحالية بالتبعية. وهي الخطاطات التي قد تفيدنا في مسك خيط الأيديولوجي والعقدي في هذا المشهد.

الخطاطة 1: خطاطة القراءات المسترزقة:

هناك من يتَّخِذ التحليلات والقراءات التحريفية مسألة حرفة للارتزاق (بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وبلا مبالغة). حيث نجدهم يرتحلون من وسيلة إعلامية تابعة لبعض الدول الخليجية المتخاصمة مع إيران [السعودية، البحرين، الإمارات، وقطر قبل حصارها] إلى وسيلة إعلامية أخرى [قناة العربية أبرز نموذج، بالإضافة إلى جل القنوات الوطنية الرسمية التابعة لهذه الدول]. وهؤلاء معروفة أسماؤهم وأدوارهم: ترديد نفس الشريط والعبارات محاولة منهم لتشكيل عقيدة قومية عربية مناهضة لإيران ومؤيدة للمحور السعودي، مفادها: 1. إيران هي أكبر تهديد للعرب والشرق الأوسط (يتجنبون عمدا الحديث عن الدور المخرب للمنطقة الذي تؤديه إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وفرنسا)؛ 2. يمكن التحالف مع أمريكا وإسرائيل بينما يستحيل ذلك مع إيران (لا يذكرون عدد مبادرات السلام التي رفضتها إسرائيل: «مبادرة السلام السعودية، 1981» و «مبادرة السلام العربية، 2002»، ولا عدد مبادرات السلام التي اقترحتها إيران، ومنها «مبادرة هرمز 2019»)، 3. إيران احتلت أكثر من عاصمة عربية (بيروت، بغداد، صنعاء] وهي تستأنف مشروعها (لا يذكرون كم احتلت ودمرت وقصفت أمريكا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا من عاصمة عربية [القدس، بغداد، صنعاء، دمشق، الخرطوم، طرابلس، بيروت، كابول،…/يمكن ملاحظة أيضا أن إيران لم تحتل أي عاصمة عربية وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد أوهام يُراد منها أن تصير حقيقة، حيث يُستعمل أسلوب التضخيم في سبيل ذلك!)، 4. إيران تدعم ميليشيات مسلحة (لا يذكرون الميليشيات المسلحة والقوى السياسية التي يجري دعمها في كل بقاع العالم من قبل دول الغرب ودول الخليج المذكورة آنفا (في سوريا، في لبنان، في اليمن، في ليبيا، في السودان، بل وفي داخل إيران نفسها. أذكر على سبيل «منظمة خلق» و«منظمة جند الله» اللتان تنفذان أعمال تفجير وخطف واغتيال ونقل المعلومات في الداخل الإيراني لمصلحة الغرب ودول الخليج]).

يدخل هؤلاء المجنَّدون الثقافيون في حقول الثقافة والفكر والإعلام لا ليَسْردوا قصة الشرق الأوسط كاملة ولا ليَصِفوا المشهد كاملا، بل ليدفنوا أجزاء كبيرة منهما وليَـبُـثُّوا الوعي المزيف تحت عناوين مختلفة (مفكر، مدير مركز، محلل، باحث جامعي، خبير دولي، موظف أممي، متطوع إغاثي دولي، وما إلى ذلك)، مِيزتهم الأساس، هي أنهم يقولون كل شيء باستثناء الوجه الآخر من الحقيقة وصِلتهم بالمال الخليجي ومصادر تمويل مشاريعهم الفكرية والبحثية وسبب ثرائهم وشهرتهم الإعلامية.

الخطاطة 2: خطاطة القراءة المتحاملة:

 يأتي صنف ثان، وهو الصنف الملحق مباشرة بالسياسة الخارجية الغربية أو الذي يمثل مصالحها القومية، وهذا الصنف تجده أكثر في وسائل الإعلام المستَعْرِبَة، التي تقدم لمشاهديها السم في العسل كلما تعلق الأمر بقضايا استراتيجية وحيوية متعلقة بالشرق الأوسط. وتمثل «فرانس 24»،«BBC»، «الحرة»، «أورو نيوز»، وغيرها، في مقدمة الصف الدفاعي عن المصالح الغربية في قوالب جد ذكية [أكثر ذكاء حتى من قنوات منطقتنا العربية، ولا أبالغ إذا قلت أنها أكثر ذكاء من قناتي «الجزيرة» و«الميادين» ذائعتا الصيت].

الخطاطة 3: خطاطة القراءة الممَغنطة (التابعة)

وهي الخطاطة الأكثر فوضوية في بنيتها وطريقة اشتغالها. وهي تضم المحللين الاستراتيجيون الذي لا دراية لهم بمسائل وملفات الجيوبوليتيك والجيوستراتيجيا ولعبة الأمم سواء من حيث العلم أو المتابعة أو الاستيعاب: هؤلاء هم صناعة أولئك (فهذه الخطاطة الفوضوية هي صناعة الخطاطتين السابقتين الأكثر تنظيما واستهدافا ووعيا). فبعد أن يتحسس هؤلاء المحللون الذين دخلوا بالغلط حقل العلاقات الدولية بعضا من ريش الفكر، يعتبرون أنفسهم قطعوا الشوط وباتوا مؤهلين لتقديم عروضا في التحليل السياسي والعسكري. حتى أن بعضهم ينعم باعتقاد خاطئ بأن هذا النوع من التحليل يتوقف على كتابة بِضعة سطور أو تغريدات مطولة على فايسبوك وتويتر وغيرهما. ولا فائدة في إطالة الحديث عن هذا الصنف. لأنه بالإضافة إلى ضعف محمول خطابه، يصعب الإمساك عن أدوات اشتغال فكره وصناعة رأيه، لأنه في الأصل لا يملك بنى منهجية في تحليله للوضعيات المعقدة وكثيرا ما يسيطر عليه لاوعيه العميق أكثر من وعيه اليَقظ، وهو منفعل بالحوادث والوقائع أكثر منه مُدرِك لتفاصيلها ورهاناتها. فهو جزء من اللعبة وليس فاعلا في اللعبة. لكن أهميته، وخطورته في نفس الوقت، تأتي من أنه بات يساهم في صناعة الرأي عبر العدوى السريعة الانتشار على صعيد شبكات التواصل الاجتماعي (يتحرك هؤلاء تحت عنوان: «المؤثرون»، وفي حالات، قد يعجز المرء عن التفريق بينهم وبين «البلطجية»).

وحين أشير إلى هذه النماذج التي توجد في الجهة/الجبهة المقابلة لمحور المقاومة، لا يعني أنه ليس لإيران ومحور المقاومة جنودها الثقافية ووسائلها الإعلامية وأموال الدعم المقدمة للمراكز البحثية والجرائد والقنوات الإعلامية شبه المستقلة والرسمية (الميادين، العالم، المنار، الاتجاه،…). نعم بالتأكيد هذا كله موجود، بل إن محور المقاومة يَعتبر وجوده شرطا ضروريا في وجود المقاومة ذاتها وفي استمرارها وأداة لبث دعايتها في وقت السلم والحرب. لكن وجود هذا التقارب في بُنى وشكل الأداء بين الجِهتين لا يعني التطابق في مناهج العمل وحجاجه ورهاناته. إذ هناك بون شاسع، وهو ما يتبدَّى عند مقاربة خلفية ومضمون وأداء نخبة كل محور.

(يُتبع).

الجزء الثاني:

وحين أشير إلى هذه النماذج التي توجد في الجهة/الجبهة المقابلة لمحور المقاومة، لا يعني أنه ليس لإيران ومحور المقاومة جنودها الثقافية ووسائلها الإعلامية وأموال الدعم المقدمة للمراكز البحثية والجرائد والقنوات الإعلامية شبه المستقلة والرسمية (الميادين، العالم، المنار، الاتجاه،…). نعم بالتأكيد هذا كله موجود، بل إن محور المقاومة يَعتبر وجوده شرطا ضروريا في وجود المقاومة ذاتها وفي استمرارها وأداة لبث دعايتها في وقت السلم والحرب. لكن وجود هذا التقارب في بُنى وشكل الأداء بين الجِهتين لا يعني التطابق في مناهج العمل وحجاجه ورهاناته. إذ هناك بون شاسع، وهو ما يتبدَّى عند مقاربة خلفية ومضمون وأداء نخبة كل محور.

فعلى صعيد الخلفية، يلاحظ أن إعلام ونخبة محور المقاومة قد حسموا أمرهم بخصوص مجموعة من القضايا، ومنها: أولوية مقاومة الاحتلال (قضايا التحرر الوطني والقومي) (بكل انواعه: الإسرائيلي، الأمريكي،..)، تحريم الخطاب الطائفي الذي يُعبأ الناس للصراع الدموي بين السنة والشيعة، ضرورة توسيع محور المقاومة باعتبار ذلك يمثل صونا للمنطقة من التدخل الأجنبي. ولذا تجد هذه الجبهة الثقافية تعبأ كل المقاومة ضد كل أشكال الاحتلال، ولا تستعمل خطابا طائفيا في لغتها، وتنظم لقاءات ومؤتمرات للحوار المذهبي، وتشجع تسليح قوى المقاومة، وترفض اتهام المقاومين بالإرهاب، وتعطي للتباينات السياسية في المواقف بعدا سياسيا لا طائفيا، وغيرها [وهذا ما نلاحظه في النخبة التي تظهر في أغلب وسائل إعلام محور المقاومة (قنوات: الميادين، المنار، العالم، الاتجاه، المسيرة، القدس،…، وقد انضمت إليهم قناتي العربية الجزيرة مؤخرا في نبذها للخطاب الطائفي وإيجاد مساحة للحوار العقلاني ونبذ الفتنة بعد سنوات من انخراط هذه القناة في خطاب طائفي يحرض على الاقتتال على أساس الهوية منذ سنة 2013]). وهذا ما لا نجده في الإعلام والنخب المقابلة إلا ما نذر.

ولإظهار نمط تفكير ورهانات النخبة المثقفة المنتمية للمحور المعادي لمحور المقاومة، وهي النخبة التي تتماهى موضوعيا أو يتبنى صراحة الخطاب الخليجي والغربي في مسألة المقاومة، نقف بتفصيل عند بعض المسائل ذات الأهمية الحيوية على مستوى ملفات  الأمن القومي العربي وأمن الأمة الإسلامية برمته: وهما: الخطاب الطائفي (الذي يقسم المسلمين صراعيا إلى سنة وشيعة) والخطاب المستسهل لتحالف دول مسلمة مع أمريكا وإسرائيل ضد دول مسلمة أخرى.

وهنا أساس التمييز بين هذا المحور وذاك. وفي الواقع، حتى الذين يريدون أن يتمايزوا بأنفسهم عن هذين المحورين، وجدوا أنفسهم ملزمين بأن يقولوا صراحة موقفهم من هذين المسألتين التي تهدد وجود المنطقة برمته، ووجودهم هم أنفسهم بالتبعية.

مثل أ: كيف يستقيم أن يقول الانسان أنا لا أنتمي لهذا المحور أو ذلك، بينما هو يحمل خطابا متعصبا في موضوع العلاقة بين السنة والشيعة؟ فهذا الموقف الديني المتعصب، وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمن المنطقة، يَحشر هذا الموقف، الذي هو في الأصل شخصيا في مرحلة عادية، يحشر صاحبه في زمرة المحور المعادي لأمن المنطقة الذي لا أمست لا تطيق مزيدا من الانقسامات العمودية والأفقية للمجتمعات. حيث أمسى كل توظيف سياسي للخطاب المتعصب بمثابة صب للزيت على النار هدفه التعبئة العسكرية وتصفية الحسابات والتقتيل المتبادل. وهكذا، نلاحظ كيف صار هذا الموقف الديني المتعصب المعزول والشخصي، أداة لتكريس في تعضيض المحور الذي يبني رهاناته على مزيد من تقسيم المنطقة وإضعافها جيوسياسيا، أي محور إسرائيل وأمريكا وبريطانيا والدول الغربية التي تريد سوءا بالمنطقة عموما، وضمنها السعودية والإمارات اللذان يريان الانقسام المذهبي أداة جيوسياسية تصلح للاستقواء بالخصوم (إيران، حزب الله، الحوثيون، النظام السوري العلوي،… باعتبارهم «الآخر المذهبي».). [حينما يتعلق الأمر بالصراع مع الإخوان، تستبدل السعودية والإمارات المعزوفة. فلا يصير الأمر الحفاظ على السنة. وهذا ما لم ينتبه له المُغرر بهم سعوديا، ومنهم بعض ممن يُحسَبون على التيار الإخواني عُضويا أو فكريا. ولهذا كثيرا ما تَغدر بهم السعودية والإمارات، فينتبهون متأخرين كثيرا ويدفعون التكلفة غالية جدا [لاحظ حالات الغدر بالتيار الإخواني وتكاليف المؤلمة والمحزنة على هذا التيار  في مصر، اليمن، ليبيا]، ونادرا ما ينتبهون قبل فوات الأوان [مثلا، تركيا (حيث نبهت محاولة الانقلاب أردوغان إلى ما يُحاك ضده وضد جماعته وبلاده، ولولا لطف الله لألقيت تركيا وقيادتها في المجهول].

مثل 2: هو موقف من يستسهل التدخل الأمريكي وإسرائيل في شؤون المنطقة، بدعوى أن هذا التدخل هو أهون وأقل سوءا من التدخل الإيراني (وهم يستعملون في ذلك عبارات ساخنة: المد الشيعي، التغلغل الإيراني، القوس الشيعي، وما إلى ذلك من العبارات التي يجري نحتها بعناية والترويج لها عن قصد ولغايات ثقافية وسياسية محددة من لدن الجهاز الإعلامي للمحور المعادي للمقاومة). هكذا يصير هذا الرأي الذي يكون بسيطا ومعزولا في سياق عادي، يخدم توجها كاملا في جيوسياسة وجيواستراتيجية المنطقة في مرحلة حَرِجة؛ إذ يصير توجها عاما بلع طعم عملية الشحن بخطاب هُجاسي، أو ما بات يسمى بالإيرانوفوبيا.

مثل 3:  يمكن أن نطلق عليه الموقف المستقيل، أو موقف اللاموقف أو ما أحببت أن يمكن أن نطلق، عبر  استوحاء مصطلح تراثي، بـ «المرجئة الجديدة». وهو موقف أولئك الذين يعتبرون أن واقع الاستقطاب بين محور المقاومة بقيادة إيران ومحور الاعتدال بقيادة السعودية، هو مجرد مسألة مزاح أو في الحد الأدنى مجرد مسألة يجب أن ينأى كل إنسان بعيدا عن أسئلتها الملحة والحرجة، وأن على الباحثين أن يحشروا أنفسهم خلف نظرياتهم ثم ينتظر الناس خروجهم من كهف مكاتبهم فيُفتون في الناس ما يقولون وما يفعلون. هذا الرأي الحالم، بيوتوبيا العلم والبحث العلمي، لا ينتبه أن النار على وشك أن تحرق من تحته المقعد الذي يحط عليه مؤخرته، وأن صاروخا على وشك أن يثقب سقف بيته بسبب صراع لا يرحم ولا يوفر حتى الوقت للإنسان أن يتنفس بله أن يبحث في نظرياته. وهذا الموقف فعلا هو ساذج لأنه لا يتحسس خطورة الوضع، وهو يطرح الجدال في مواضيع لا تحتاج الجدال. فهل ينتظر شخص محتلة أرضه أن يخبره باحث ما تقوله النظريات بخصوص الاحتلال حتى يعي أن بلده تحت الاحتلال؟ ثم نفس الشيء بالنسبة للتعصب؟ والإرهاب؟

حين تكون أمتك تحت الحريق، فأول شيء تبادر إلى فعله هو إطفاء الحرائق قبل التوجه إلى البحث عن نظريات لتفسير مصدر الحرائق، ونتائج الحرائق على المادة والمناخ والذرة والكون. وإذا كانت أمتك على وشك صراع طائفي فبادر إلى تنبيه الناس إلى خطورة الخطاب الطائفي على أمنها الاجتماعي انطلاقا من حسك السليم بخطورة الموقف، قبل التوجه إلى اشتقاق عبارات تدعي العلمية، وحين يكون بلدك أو أمتك على وشك التعرض لهجوم إمبريالي فكن في الموقف الذي يكون فيه بلدك أو أمتك، قبل أن تبحث عن أصناف الدول الاستعمارية في التاريخ وتطور الاستعمار ومنطق الاستعمار ومستقبل الاستعمار في سنة 3000 وغيرها من المسائل المزيفة لحقيقة الموقف!

إن هذا الخطاب الحق الذي يراد به باطلا، طالما شوَّش الرؤية على الناس، وجعلها تبدو  مشلولة أمام حقائق موضوعية يكفي لإدراكها الحس السليم بعيدا عن القوالب النظرية والاشتقاقات اللغوية العقيمة والتفنن في صياغة العبارات التحليلية المنمَّقة. ثم كم من شخص ادعى اختياره للمختبرات والمكاتب فقط هربا من استحقاقات النضال كتفا إلى كتب مع الناس ورجالِ ونساءِ الإصلاح في اللحظات التاريخية الكبرى. وهنا، يكون الباحث بصدد إخفاء جُبنه تحت عناوين فاقعة (ضرورات البحث!)، لكن متى كان البحث عائقا أمام الموقف الحكيم في الظرف الزمكاني الخاص؟ هذا عكس المثقف (نقصد الحقيقي طبعا) الذي يكون شجاعا وحكيما دائما وبطبعه وبتعريفه، بعد أن يكون قد استوعب ضرورات المرحلة. هكذا يضع المثقف مدعي البحث العلمي أمام امتحان المروءة واللحظة التاريخية.

نعم سيكون البحث العلمي ذي قيمة حين يعطي لكل شيء حقه، وعلى رأسها الحس السليم، ويقظة الضمير، وقِيم التسامح والاعتراف بالآخر المذهبي والديني، والفن، والأدب، والكرامة الوطنية، والحق في مقاومة الاحتلال، بل والحق في الضحك والسخرية من عيوب التفكير والسلوك البشريين (أليس للكوميديا الكلاسيكية في المسرح هدف تقويمي للإنسان بدرجة أساس (مسرحيات مُولْيير مثلا: البورجوازي النبيل؛ مدرسة الزوجات؛ طرطوف؛ المريض الوهمي،…).

ويستند هذا الرأي إلى خطأ آخر، حيث يعتبر أن البحث والنظر يكفيان لحل مشاكل المنطقة. لكن في ماذا ينفع البحث إذا كان التنفيذ سيجري على سكة الخطأ. ثم كيف نثق في بحوث تبدو نتائجها مثقوبة المحتوى بالنظر إلى العلل التي علقت بعقل تاريخي مجروح وتنمية علمية منقوصة وأعراف جامعية غير سوية وطلاب علم وباحثين ومنظرين جعلوا من الغش والسرقات الأدبية حقا مكتسبا (والاستثناء قليل).

هكذا نقلنا أصحاب هذا التوجه من مسألة الري والرأي الآخر، إلى مسألة، إلى مسألة العقل والعقل الآخر، وليس هذا العقل الآخر غير  العقل المستقيل عن الواقع وتحديات المرحلة الكبرى. ففي الوقت الذي كان كيسنجر يتحدث عن مشارف حرب كونية ثالثة، كان هذا العقل المستقيل مسترخيا يبحث عن نظريات يتقيأ بها على مجتمعه ليُعلي كعبه أمام أناس على وجه أن يفجر النووي رؤوسهم بفعل تهور بسيكوبات يحكم البيت البيض (نانسي بيلوس، الأمريكية، من خلال توجهها الرافض للحرب أفضل لهؤلاء الناس البسطاء جميعا من خُردة الباحثين الذين أسقطوا كل اعتبار للكرامة التي تفرض على كل إنسان أن يقول «لا» لأمريكا، في لحظة كبرى من تاريخ العالم والمنطقة).

“البركة القديمة:

صوت

ضفدع يقفز في الماء”

قصيدة هايكو: ضفدع باشو وقفزاته “الإنجليزية” المتعددة في البركة القديمة، للشاعر الياباني ماتسو باشو، ترجمه عن اليابانية ريجينالدهوراس بليث، ترجمه عن الإنجليزية عبد النور زياني.

لقد تم إطلاق الصواريخ الإيرانية نيابة عن كل العالم المستضعف من الاستكبار العالمي على قاعدة عين الأسد [كأول ضربة صاروخية تتعرض لها قاعدة عسكرية أمريكية من دولة أخرى منذ الحرب العالمية الثانية]، حين نطقت هذه الصواريخ العبارة «لا» كبير في وجه أمريكا. فكانت قمة الفخر الوطني والقومي والأممي، وكانت أكبر صوت رافض للحرب، حين أوقفت الحرب فعليا بتدميرها للجرأة الأمريكية على الضعفاء في كل أنحاء العالم. وهكذا انقلبت الموازين رأسا على عقب.

لكن أين انزلقت بعض القراءات لواقعة اغتيال سليماني؟

[1] – هي فرقة كلامية تراثية في التاريخ الإسلامي، خالفت بعض الآراء العقائدية لدى الخوارج والسنة وغيرهم، وهي تقول – من بين آراء عقدية أخرى عديدة -أنه لا يمكن الحكم على من قال بوحدانية الله بالكفر، لأن الحكم مرجأ إلى يوم القيامة مهما كانت الذنوب التي اقترفها. وياتي التشبيه هنا من أن من يقترحون على الناس تأجيل الحكم إلى حين تُجرى بحوثا علمية يرُجئون اتخاذ مواقف من مواضيع واضحة حتى بالنسبة للمراهقين (مقاومة الاحتلال / الوقوف ضد أمريكا في تعديها على دولة مسلمة / رفض التعصب المذهبي والديني/…).

[2] — يمكن العودة إلى دراسات سابقة للكاتب في موضوع الشرق الأوسط، للوقوف على نماذج من تطبيقات هذا النموذج الإرشادي على بعض ملفات الشرق الأوسط [فلسطين، العراق، سوريا، لبنان،…].

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. نشكر الكاتب على التحليل المنصف للواقع المؤلم! ما أقل الكتاب المنصفون وما أكثر الكتاب المستأجرون في عالمنا الذي يملأه العهر والظلم وبائعي الضمائر والشرف.

  2. هذا مقال بحثي، لا يتأمل بكلماته الا نخبة قليلة جدا في عالمنا العربي.

    يبدو ان الكاتب من غرب الوطن العربي، لغته ليس سهلة على القارئ من شرقه، كما انه مطول، وشعوبنا العربية لا يمكنها قراءة نص أكثر من خمسة أسطر! لذا كان من الافضل نشر هذا المقال على مرحلتين على الاقل.

    بأي حال، الكاتب قام بجهد كبير يشكر عليه.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here