غسان شربل: التنقيب في تاريخ البعث العراقي

عبد الرحمن مظهر الهلوش

يحاول غسان شربل في كتابه العراق من حرب إلى حرب … صدّام مرّ من هنا (الريّس) التنقيب في تاريخ البعث في العراق. من خلال محاورة أربع شخصيات( حازم جواد, صلاح عمر العلي, نزار الخزرجي, أحمد الجلبي), عاصرت ما جرى في العراق في حقبة مهمة من تاريخ هذا البلد, منقباً في تاريخ بعث العراق ومعرجاً في بعض الأحيان إلى حزب البعث في سورية. يستعرض شربل صاحب(أين كنت في الحرب) في كتابه مختلف المراحل التي مرّ بها العراق ولكن على استعجال, مركزاً على فترتي حكم البعث في العراق(1963- 1968) خلال أكثر من أربعين سنة من حكم بلد استعصى حكمه على الكثيرين. يجد القارئ في كتاب شربل, غوصاَ في عمق الأحداث من تأسيس البعث في العراق إلى صراع البعثيين مع القوى السياسية آنذاك وخصوصاً الشيوعيين, مرواً بالصراع الذي اندلع بين الرفاق في القيادة القطرية والقومية التي وصلت إلى حد التصفيات الجسدية لكثير من الكفاءات العراقية, مروراً إلى حكم العائلة والعشيرة اعتباراً من 16 تموز/يوليو 1979 مع وصول صدام إلى السلطة بطريقة دموية. ومغامراته من خلال الحروب الخارجية (1980 – 1990).

تصفيّة حسابات

في الحقيقة كتاب غسان شربل وما ورد فيه على لسان محاوريه الأربعة هو بمثابة تصفية حسابات من طرف واحد ضد القيادة العراقية السابقة, ويتمنى القارئ لمثل هذا الكتاب المليء بالمعلومات لو أشرك المؤلف أحد الشخصيات المحسوبة على النظام العراقي السابق في إطار التوازن في طرح الآراء والحجج لا أن تكون الرواية من طرف واحد ربما الأستاذ شربل بحث عن تلك الشخصية ولم يجد أحداً يتطوع للدفاع عن الحقبة التي حَكمَ فيها صدّام العراق. يرد في المقدمة ” في بداية السبعينيات أعلنت بغداد كشف مؤامرة تدعمها إيران لإطاحة نظام البعث… وراء المؤامرة العقيد عبد الغني الراوي وعبد الرزاق النايف(ص 17) .. ” بالفعل حدثت تلك المحاولة ولكن لم يذكر شربل من شارك بها من الجانب الإيراني.. لقد تحالف كل من مهدي الحكيم والملاّ مصطفى البارزاني وعبد الرزاق النايف أعوام 1969/1970، بمؤازرة عدد من قادة المؤسسة العسكرية العراقية, وبتأييد حكومة شاه إيران لإسقاط النظام العراقي في أعوام 1972/1975, وقد جرى تنسيق مع الملك الأردني الراحل حسين بن طلال وبلدان عربية لإسقاط نظام بغداد.

 يؤكد شربل:(( لم يكن لصدام دور بارز في تلك الأيام – 1963 – ))(ص 18). على العكس تماماً لقد كانت انطلاقة صدّام حسين الحقيقية من دمشق بعد هروبه إليها بعد مشاركته في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم, فجأة وجد صدام حسين (النصير المتدرب) في صفوف حزب البعث في العراق نفسه بين أعضاء أعلى قيادة حزبية يجالسهم عن قرب، يأكل معهم ويقتسم معهم شقة صغيرة ،في دمشق فيسمعهم ويراهم ويتأملهم عن قرب. وقد تحلّل الواحد منهم من قناع القيادة وتبسط وتصرف بتلقائية، فظهرت عيوبه الإنسانية، خصوصاً حين يكون يافعاً لم يتجاوز العشرينات إلا بقليل. ويذكر غسان شربل على لسان صلاح عمر العلي ” أنه تسلم شخصياً من سفير عربي في بغداد صوراً التقطتها أقمار التجسس الأميركية للحشود الإيرانية “(ص 21). باعتقادي السفير هو السفير الأردني في العراق هو من نقل تلك الصور, والملك حسين، ملك الأردن، كان يشرف شخصياً على نقل الأسلحة الأمريكية إلى العراق.

صدّام:الطموح المبكر

 يقول حازم جواد :((أُضيف صدّام إلى القيادة من قبل ميشيل عفلق ليكون إلى جانب البكر))(ص 42) لقد بدأ صدّام حسين رحلته منذ إشراكه في عملية اغتيال عبد الكريم قاسم ولم يكن رجلاً عادياً في طموحه المبكر وهو في العشرينيات من العمر. وليس كما يقول مؤلف الكتاب: ((وحدها الصدفة أدت إلى إشراك شاب نحيل اسمه صدّام حسين في فريق كلف اغتيال قاسم))(ص 17). صدام لم يكن مدرجاً أصلاً ضمن المجموعة المكلّفة، ولم يتدرب مع أفرادها، غير أنّ واحداً من المشاركين فيها ويدعى ” شاكر حليوة ” رفض المشاركة في المحاولة وغادر إلى سورية، وأوقع حزب البعث الذي خطط لاغتيال قاسم في حرج، وهنا تقدم أحمد طه العزوز السامرائي ورشح رفيقه صدام حسين بدلاً من “حليوة” لسد النقص. يذكر حازم جواد, مقتل حردان التكريتي دون الخوض في التفاصيل(ص 55).. لقد بدأ صدام حسين يفكر كيف يتخلص من العقيد صالح مهدي عماش, والعقيد حردان التكريتي, والاثنان يشغلان منصب نائب رئيس الوزراء إلى جانب حقيبة كل منهما حردان يمسك بضباط كثر. عماش علاقته ممتازة بالاستخبارات العسكرية. و الاثنان عضوان في قيادة البعث و في مجلس قيادة الثورة. عليه إزاحتهما جانباً، و عليه أن يفعل ذلك بهدوء.

وكان أوّل عمل قام به صدام حسين هو إزاحة العقيد حردان التكريتي. حيث تم حرمان العقيد حردان من جميع ألقابه، وطرده من القيادة القومية لحزب البعث ومن القيادة القطرية, وعزله من مجلس قيادة الثورة ، ونزع جميع رتبه العسكرية.

القطار الأميركي

نعود إلى نفي حازم جواد قول علي صالح السعدي ((بِأَنِّ البعثيين جاؤوا إلى السلطة بقطار أميركي))(ص 59) . يؤكد السعدي بأكثر من مناسبة وعلى رؤوس الأشهاد:(( لقد وصلنا إلى السلطة بمساعدة وكالة المخابرات المركزية)). يروى إنّ الأمين العام لحزب البعث في العراق علي صالح السعدي , قد أعلن ذلك بكل صراحة وارتياح عندما تولى منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية بعد إسقاط عبد الكريم قاسم، فالأميركيون الذين خشوا من التحاق العراق بالحلقة السوفياتية، أثناء الحرب الباردة( 1955 -1992) كانوا يستطيعون أن يروا مقدار النفوذ الذي يملكه الشيوعيون العراقيون على سلطة عبد الكريم قاسم (1958ـ1963). وفي الشارع العراقي، حتىّ عندما لجأ قاسم إلى قمعهم، فكان من اللازم أن يمدوا(الأميركيين) يد العون للضباط البعثيين والقوميين على الالتحاق بإحدى عربات قطارهم سوف يحتاج الأمر أربعين سنة أخرى بين عامي 1963-2003, قبل أن يعود القطار الأميركي نفسه ليخرجهم من السلطة وليضع وجوده كلّه على سكة الانسحاق.

يقول حازم جواد عن البكر:((.. فهو كبير السحرة, وهو الذي أدخل نهج الرشوة والنهب..)).(ص 67) من المعروف إنّ البكر كان شخصاً متواضعاً وغير مادي كما يصفه اللواء نزار الخزرجي في الصفحة 233 حيث يقول: (( كان متحفظاً ويخشى على البلد والجيش, ولا يغامر, كان نظيف الكف يعيش من راتبه فرض الانضباط على أولاده وأبعدهم عن التجارة. كانوا يقدرون نزاهته )).(ص 233). وحول مقتل الفريق عدنان خير الله واتهام حسين كامل بأنه كان وراء رزع متفجرة في طائرة خير الله. يذكر صلاح عمر العلي ( بأن حسين كامل أقسم له أن لا أساس أبداً لما يتردد عن أنه كان وراء زرع متفجرة في الهليكوبتر. التي كان يستقلها عدنان خيرالله). (ص 87). يقول كريم الجبوري من الحرس الخاص لصدام: أصابع الاتهام أشارت إلى حسين كامل حسن الذي أصدر أمراً باغتيال عدنان بتاريخ 5/5/1989, عن طريق قنبلة زنتها كيلو غراماً من مادة ( تي. إن. تي), وهو من صنع عراقي، كما أنّ عملية الاغتيال من صنع عراقي.

بين الخميني وصدّام

وحول حادثة قصف قرية حلبجة الكردية في شمال العراق يقول اللواء نزار الخزرجي في الصفحة 179:(( تعرضت حلبجة لضربة جوية بأمر من القائد العام… عندما أُخبِرَ صدام أن حلبجة سقطت في يد الإيرانيين, عندها أمر صدام بتوجيه ((ضربة خاصة)) إلى حلبجة ساعتها معتقداً أنه سيكبد الإيرانيين خسائر كبيرة)) (ص 179). لكن الحقيقة تقول بالرغم ما اتضح في وقت لاحق من أنّ إيران استخدمت مواد كيميائية في هذه العملية, ويبدو مرجحاً أن يكون القصف الإيراني هو الذي سبب فعلاً مقتل الأكراد. ويؤكد الزعيم الكردي الإسلامي(الإيراني) عبد الرحمن قاسلمو في عام 1988 بأنّ الجيش الإيراني استخدم الأسلحة الكيماوية ضد أكراد إيران عام 1982, وفي 16 أب/أغسطس 1987, نفى( قاسملو ) للـ : “بي بي سي” البريطانية أي مسؤولية للجيش العراقي. ولكن الحقيقة المطلقة في كشف من يقف وراء تلك المجزرة لم يتأكد بشكل حاسم.

إعلان الحرب

يثير أحمد الجلبي أكثر من علامة استفهام عندما يؤكد إنّ الإيرانيين كانوا على علم بالحرب على العراق آذار/مارس 2003 (ص 262). فكيف يعلم الإيرانيون ووزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول لا يعلم موعد الحرب, ولم يكن أحد في منطقة الشرق الأوسط يعلم بموعد وساعة الحرب سوى السفير السعودي في واشنطن آنذاك بندر بن سلطان, وكانت الحرب وكان السقوط المدوي لحكومة صدّام حسين سقوطاً للزمان العراقي.

يؤكد الجلبي الدور الإيراني في سقوط صدام(295), لا غرابة في ذلك فبعد حرب دامت ثماني سنوات قادها صدّام وأجبر الخميني على التوقيع على قرار إنهائها بالقوة وهو القائل كأنني أتجرع السم! (8 / 8 / 1988) من الطبيعي أن تقف إيران موقفاً عدائياً ضد العراق بقيادة صدّام.

مواقف متأرجحة

 يلاحظ القارئ لكتاب غسان شربل عودة بعض من حاورهم عن مواقفهم التي تجلت في الكتاب ومنهم صلاح عمر العلي الذي أكد في أكثر من منبر تراجعه عن بعض ما قاله عن تجربة حزب البعث وصدّام في العراق حيث أكد العلي أن المرحلة الحالية كانت أشد وطأة على العراقيين من حكم صدام. وهو محق في ذلك أمام ألاف القتلى العراقيين وتدمير ممنهج للبنى التحتية في العراق وقتل منظم للعلماء وتدمير ونهب لحضارة بلاد الرافدين العريقة.

صحافي وكاتب سوري

الكتاب: صدّام مر من هنا

تأليف: غسان شربل

                                                                 الناشر: رياض الريّس للنشر والكتب, بيروت ط1- 2010

                                                                                                         الصفحات: 395 صفحة

                                                                                                                     القطع: الوسط

اعتماداً على معلومات:

  • من لقاء مع سعيد صالح جبر – رئيس حزب الأمة العراقي – نشر في مجلة (المجلة) لندن العدد( 570 ) تاريخ 9- 15/1/ 1991  ص 32.

  • سلام عبود –  صدام عميلاً  –  صحيفة المدار – العدد /4/ تاريخ 11/1/2004 ص 9.

  • صحيفة الحياة 7 / 7 / 2003.

  • د. علاء بشير – من كتاب كنت طبياً لصدام 2005.

  • صحيفة الشرق الأوسط – لندن- تاريخ 10/4/2003.

  • كوغلن, كون: صدام.. الحياة السرية, دار الجمل, الطبعة الأولى 2005.

  • عبد الكريم الجبوري – مرافق أسبق لصدام – من حديث منشور في مجلة المجلة – لندن العدد/570/ تاريخ15/1/1991 – الصفحة 20..

  • محمد, هارون, مجلة , المشاهد السياسي, لندن, العدد(391) ص 23.

  • صحيفة الحياة – تاريخ 12/6/2003.

  • عزيز الحاج, أين الحقيقة حول مذبحة حلبجة, صحيفة القدس العربي, لندن ,تاريخ 24/7/1992 , نقلها سليم مطر, في كتاب جدل الهويات 2003 الصفحتين 267-279.

  • اللواء، وفيق السامرائي، صحيفة الاتجاه الآخر – العدد /57 / تاريخ 24/3/ 2002 ص 23.

  • ودورد، بوب – خطة الهجوم – تعريب فاضل جتكر – الناشر مكتبة العبيكان – الرياض – بالتعاقد مع سايمون أندشوستر – نيويورك – ط1 – 2004 – الصفحة 38 و 39.

  • صحيفة الحياة تاريخ 12 / 1 / 2010 ص 16.

  • اللقاء الذي أجراه زاهي وهبي مع صلاح عمر العلي, تلفزيون المستقبل تشرين الثاني 2009.

  • جيف سيمونز, عراق المستقبل, دار الساقي, بيروت ط1 – 2004 الصفحة 306.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here